العنوان الافتتاحية: حقوق الإنسان في المفهوم الأمريكي!؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-1990
مشاهدات 98
نشر في العدد 949
نشر في الصفحة 6
الثلاثاء 09-يناير-1990
في
العاشر من ديسمبر من كل عام يحتفل العالم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي
أقرته الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة عام 1948. وقد درج الساسة الغربيون منذ
ذلك التاريخ على الظهور بمظهر المدافعين عن حقوق الإنسان وذهب بعضهم إلى الادعاء
بأنهم أول من وضعوا للإنسان حقوقًا وأول من دوَّن هذه الحقوق في دساتيرهم وكأنهم
بذلك يريدون أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء على حقوق الإنسان خارج حدود بلدانهم وأن
يعطوا الإعلان العالمي المذكور صبغة غربية بحتة، الشيء الذي يناقض الواقع تمامًا
لأن صياغة هذه الحقوق ضمن وثيقة وقعها ممثلو شعوب الأرض قاطبة هي في الحقيقة تتويج
لكفاح الإنسانية عامة على وجه البسيطة في حقب متتالية من أجل حياة حرة كريمة في
إطار من العدل والمساواة. فما من دعوة إصلاحية هنا أو هناك وما من ثورة أو انتفاضة
قامت في هذا البلد أو ذاك إلا كان هدفها كرامة الإنسان وحقوقه الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية فلماذا يريد الغربيون وفي مقدمتهم
الأمريكيون أن ينصّبوا أنفسهم أوصياء على حقوق الإنسان؟ وهل هم حقًا يطبقون
الشعارات التي يرفعونها ويتبجحون بها؟ الحقيقة الصارخة والتي يعرفها العالم بأسره
هي أن الذين يرفعون شعار حقوق الإنسان ويطالبون باحترام هذه الحقوق خارج بلدانهم
هم أكثر الناس انتهاكًا لحقوق الإنسان سواء داخل دولهم أو خارجها وأنهم لا يتورعون
عن استغلال الإنسان واستعباده وتسخيره بالقوة والإرهاب من أجل مصالحهم المباشرة أو
غير المباشرة أما رفعهم لشعار حقوق الإنسان فليس إلا من قبيل الدعاية والتضليل
الإعلامي لتحقيق أهداف سياسية على حساب خصومهم وليس من أجل أية غاية إنسانية
نبيلة.
ولنا
أن نسأل الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية متى كانت حقوق الإنسان
الأساسية جزءًا من تاريخه وتراثه؟ ألم تكن شريعة الغاب هي السائدة في المجتمعات
الغربية حتى الحرب العالمية الثانية؟ ألم تكن شريعة «الكاوبوي» هي السائدة في
أمريكا حتى وقت قريب؟ وكيف طبقت أمریکا حقوق الإنسان على الهنود الحمر الذين هم
أصل الأرض الأمريكية؟ وكيف طبقت هذه الحقوق على السود الذين استجلبوا كقطعان
الماشية إلى «العالم الجديد» نعم لقد ألغي الغرب العبودية الرسمية ولكن ماذا يعني
إلغاء العبودية والاستغلال يستنزف ملايين العمال والبطالة تضرب الطبقات الفقيرة
المتكونة أساسًا من السود، وثمانون بالمئة من الثروة تعود إلى 10 بالمئة من
الشعب؟
لماذا
لم ترتفع الأصوات الأمريكية والغربية عمومًا منادية باحترام حقوق الإنسان في حقبة
الاستعمار الغربي للعالم الثالث ولم نسمع في تلك الحقبة إلا بطروحات التمجيد
«لرسالة الرجل الأبيض» وكأن هذا الرجل الأبيض المستعمر إنما قدم من وراء البحار
لإقامة الحقوق وإعطاء الحريات وجعل الشعوب تستفيد من خيراتها.
لقد
تحرك الضمير الغربي والضمير الأمريكي اليوم فجأة ليدافع عما يسميهم سجناء الضمير
الذين يذكرون بالاسم إما في بلدان العالم الثالث أو في البلدان الاشتراكية دون أن
تحركه شعوب بكاملها تتضور جوعًا وتقبع في سجون التخلف وترزح تحت نيّر الديون
الثقيلة.
إن
الأمريكيين يتباكون على حقوق أفراد معدودين في حين يدوسون على حقوق شعوب بأكملها..
إنهم يستعملون-باسم الحرية- كل أسلحتهم الاقتصادية وضغوطاتهم لإفقار الشعوب ونهب
خيراتها وما تخفيض أسعار المواد الأولية وبعض أسعار المواد الغذائية في
السنوات الأخيرة بنسب متفاوتة إلا دليل على ذلك وفي حين تجوّع الملايين في العالم-
في غفلة من الضمير الأمريكي!- تلقى ملايين الأطنان من المواد الغذائية في البحر
للمحافظة على الاحتكارات الرأسمالية الجشعة التي لا تتورع عن المتاجرة بحياة
الإنسان وقوته وهكذا يظهر المفهوم الأمريكي لحقوق الإنسان.. إنه مفهوم يتجاهل حقوق
الشعوب وحرياتها ويعزل هذه الحقوق عن الإطار الطبيعي الذي يمكن أن تزدهر فيه بفك
الرباط الوثيق بين حقوق الإنسان الفردية وحقوق الشعوب والدول.
إن
أمريكا التي تنصّب نفسها داعية لحقوق الإنسان هي نفسها التي استعملت أكثر من مرة
حق النقض الفيتو لإسقاط قرارات لمجلس الأمن من شأنها دعم حقوق الإنسان والمحافظة
عليها، وأمريكا هذه هي التي لم تصادق حتى الآن إلا على قلة من ۱۹ اتفاقًا وميثاقًا حول حقوق الإنسان أصدرتها
هيئة الأمم المتحدة.
أليس
من الغريب أن تركز الولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الرسمي وفي وسائل
إعلامها دائمًا على حماية حقوق الإنسان في دول بعينها هي دول المنظومة
الاشتراكية والاتحاد السوفياتي وبعض دول العالم الثالث التي لا ترضى عن قادتها
وسياساتهم المناهضة للتدخل الأمريكي في شؤونهم؟ ثم لماذا تجعل أمريكا حقوق الإنسان
عنوانًا لهجرة اليهود في الاتحاد السوفياتي وبندًا رئيسيًا في جدول أعمال أي
مفاوضات بينها وبين الاتحاد السوفياتي؟ فهل تدافع أمريكا عن حقوق الإنسان أم عن
حقوق اليهود؟
ولنا
أن نسأل لماذا تغض أمريكا الطرف عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان الفلسطيني
في أرضه ووطنه على يد الغزاة الصهاينة؟ هل أن الفلسطيني لا يدخل ضمن
النوع الإنساني الذي تتبجح أمريكا بالدفاع عن حقوقه واحترام إنسانيته؟ لماذا لا
تفرض أمريكا -وهي التي لها ما ليس لغيرها من وسائل القوة والضغط- باسم الحرية
والحقوق الإنسانية حق الفلسطيني في «لم الشمل» على الأقل أسوة باليهود السوفيات
الذين يؤلمها تفتت شملهم؟
كيف
لنا أن نصدق أمريكا في تباكيها على حقوق الإنسان المنتهكة في هذا البلد أو ذاك وهي
تنتهك حرمات أوطان وشعوب وترسل بوارجها وطائراتها «لتأديب» من لا يخضع لأوامرها؟
كيف لنا أن نصدق أمريكا في دعوتها لاحترام حقوق الإنسان وهي التي رعت العديد من
الدكتاتوريين وحمتهم وأظلتهم بمظلتها فنكلوا بشعوبهم واضطهدوا وعذبوا وأسكتوا كل
صوت تجرأ ونادى بالحرية والكرامة؟ كيف لنا أن نصدق أمريكا ومخابراتها تزرع فرق
الإعدام في كل مكان وتلاحق كل من يخرج عن الطريق المرسوم له؟
إن
الضجيج الأمريكي حول حقوق الإنسان ما هو إلا وسيلة تضليل ولا يعدو أن يكون نفاقًا
ومتاجرة بالقيم والمبادئ الإنسانية لخدمة الأغراض الأمريكية المشبوهة ولتهديد
حركة التحرر الوطني في كل مكان.
إن
الدعوة الأمريكية لحقوق الإنسان أصبحت مكشوفة بعد التدخلات العسكرية الأمريكية
الإرهابية في أكثر من مكان في العالم وبعد رفض أمريكا المصادقة على الميثاق الدولي
للقضاء على جريمة الفصل العنصري الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة وبعد
رفضها المصادقة على عشرات المواثيق واللوائح والقرارات لمنظمات أممية وفي مقدمتها
منظمة العمل الدولية التي تهتم بحقوق العمال وتدافع عن هذه الحقوق.
إن
أمریکا برفعها يافطة حقوق الإنسان إنما تريد أن تعزل قضية الأفراد عن قضية الشعوب
وتجعل هؤلاء الأفراد موضوعًا للقانون الدولي.. وهي بذلك تريد أن تجد لنفسها ثغرات
مصطنعة للتدخل في شؤون الآخرين بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. إنها تشجع على رفع
شكاوى فردية ضد الحكومات بقصد أن تمنح نفسها مسوغًا للتدخل ولو كان عسكريًا
وبالتالي الدوس على السيادة الوطنية لدول مستقلة الشيء الذي شكل خرقًا للقانون
الدولي واعتداءً صارخًا على حقوق الإنسان في الأمن والاستقرار وتقرير المصير.
وإذا كانت أمريكا جادة في الدفاع عن حقوق
الإنسان، وإذا كان الضمير الأمريكي مؤرقًا بسبب معاناة ملايين البشر وافتقادهم
لأبسط حقوقهم فلتتخذ مبادرة إنسانية بالتخفيف من ديونهم وبإعادة صياغة علاقاتها
الاقتصادية والتجارية على أسس أكثر عدلًا وإنصافًا.. إننا ندرك أن أمريكا لن تفعل
ذلك لأن احترام حقوق الإنسان ليس من طبع الكاو بوي الأمريكي ولا من تراثه.