; الافتتاحية: ست سنوات... ومأساة الجزائر مستمرة | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية: ست سنوات... ومأساة الجزائر مستمرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1998

مشاهدات 79

نشر في العدد 1284

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 13-يناير-1998

ست سنوات مرت منذ يناير ۱۹۹۲م، تاريخ تدخل الجيش الجزائري لإلغاء أول انتخابات حرة ونزيهة شهدتها البلاد أسفرت عن حصول الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أغلبية المقاعد البرلمانية، ست سنوات لم تعرف الجزائر خلالها سوى الدماء والخراب والقتل والذبح والمآسي من كل الأصناف، ثمانون ألف شخص راحوا ضحية تلك الفتنة، واثنا عشر ألفًا آخرون قد اختفوا وتحولت البلاد إلى معتقل كبير حسبما تفيد التقارير الدولية، وما زالت الجعبة مليئة بالسهام التي تستهدف الشعب الجزائري العربي المسلم صاحب التاريخ المجيد في الدفاع عن الإسلام.

ست سنوات مضت.. وبدل أن نسمع أن الأزمة قد أوشكت على الانتهاء وأن الجزائر الشقيقة قد عوفيت من بليتها تفاجئنا أخبار المذابح البشعة التي تقع بحق المدنيين المسالمين وأكثرهم من القرويين البسطاء الذين لم يكونوا يومًا طرفًا في أي صراع سياسي.

لقد أعلنا -على هذه الصفحة- أكثر من مرة عن موقفنا الذي يدين أعمال العنف البشعة بقدر ما يدين تقاعس السلطات عن حماية المواطنين وأداء أبسط واجبات وظيفتها، كما أدنا تلك الجهات في السلطة التي تشير أصابع الاتهام وتقارير الصحف الدولية بأن لها دورًا في استمرار الأزمة وتأجيجها، بل والمساهمة فيها. 

ومن واجبنا أن نستمر في ذلك محاولين فهم وتفسير ما يحدث رغم أن المعلومات التي تقدمها المصادر الرسمية غير مقنعة بل تبدو مضللة:

1- فمع اقتراب شهر رمضان الفضيل ارتفعت وتيرة حوادث القتل وامتدت لتشمل مناطق كانت هادئة في الغرب الجزائري، لقد أصبح شهر البر والمرحمة بكل أسف موعدًا للخوف والرعب للجزائريين بعد أن تكررت فيه المجازر في العامين الماضيين، إن نسبة هذه الأفعال الشنيعة إلى المسلمين المتطرفين أمر مرفوض؛ لأن الإسلام براء من التطرف ومن تلك الأعمال المنكرة ومن مرتكبيها الذين لا يحملون في قلوبهم ذرة من إيمان. 

 2- وتتزامن المجازر مع ادعاء الحكومة استكمال مؤسسات الدولة والتي كان آخرها انتخابات مجلس الأمة التي شهدت تزويرًا كبيرًا اشتكت منه الأحزاب السياسية بما فيها الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي.

 إن إيهام الناس ببناء المؤسسات لا يمكن قبوله دليلًا على الاستقرار، إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تزوير إرادة الشعب وقهر قطاع كبير منه... وتجنيب شريعة الله وإقصائها، كما أنه لا يقوم على التوجهات العلمانية التي تدين بالولاء للغرب وتنخلع من عقيدتها ومبادئها؟

3- ويحاول البعض خداع الناس بالقول بأن الأوضاع الاقتصادية في طريقها للتحسن وأن ذلك سيكون مفتاحًا لحل المشكلة الأمنية والسياسية، والواقع يقول إن المؤشرات الاقتصادية الإيجابية التي تحاول الحكومة إبرازها لم تمنع استمرار العنف، بل وتصاعده. 

ومن المؤسف أيضًا أن المسؤولين الجزائريين يحاولون التهوين من شأن الأحداث والتعتيم عليها، وحين نفجع بخبر مقتل ٤١٢ شخصًا في رمضان ترد الحكومة بأن القتلى هم ۷۸ شخصًا فقط، وكأن هذا الرقم لا يكفي دليلًا لإدانة الحكومة.

إذا كان للحكومة الجزائرية ضلع فيما يحدث فتلك جريمة كبرى تستحق موقفًا من الشعب يتناسب وحجم الجريمة.

 وإذا كانت غير ذلك فإن الفشل الذي منيت به سياساتها طوال ست سنوات وعدم تمكنها من إيقاف المجازر واستتباب الأمن يدعو إلى استقالة الحكومة وأن يعاد بناء المؤسسات على أسس صحيحة وسليمة، وباختيار شعبي حر ونزيه يقنع الناس بالمسؤولية ويكون أساسًا للاستقرار الحقيقي. 

إن استمرار هذا الوضع المأساوي في الجزائر يعطي مبررات لتدخل الدول الأجنبية عبر إرسال قوات للمحافظة على الأمن كما بدا من التصريحات التي أذيعت بهذا الشأن، وهذا معناه استعمار جديد، ولا شك أن هذا يدخل ضمن مسلسل العنف الواقع في الجزائر لتبرير التدخل؛ إذ إن هناك صراعًا بين الدول الغربية على الساحة الجزائرية.

 إن الأمر لم يعد يحتمل الصبر، وعلى العقلاء في الجزائر أن يبادروا بإنقاذ البلاد من خطر ماحق أكبر مما هي فيه الآن.

الرابط المختصر :