العنوان خطوات لإنشاء مصارف إسلامية
الكاتب غريب الجمال
تاريخ النشر الأحد 10-سبتمبر-1978
مشاهدات 66
نشر في العدد 411
نشر في الصفحة 42
الأحد 10-سبتمبر-1978
كان النشاط الأساسي للمصارف الأجنبية -داخل البلاد العربية- والإسلامية– ينحصر في تمويل عمليات التجارة الخارجية فيما بين هذه البلاد وبين الدول التي تتبعها تلك المصارف، ولذلك لم تهتم الدول الأجنبية بأوجه النشاط الاقتصادي المحلي، كالصناعة والزراعة إلا ما كان منها متصلًا بمواد أولية تستوردها لحاجة مصانعها.
يضاف إلى ذلك أن المصارف الأجنبية بالبلاد العربية والإسلامية لم تكن تخضع لأي نوع من الرقابة المحلية على الائتمان، إما لعدم وجود مصارف مركزية وطنية أصلًا، أو لكون المصارف المركزية – إذا ما وجدت– تدار في الغالب بمعرفة عناصر أجنبية مما جعل إشراف هذه المصارف المركزية– الوطنية شكلًا على المصارف التجارية المحلية، وهي أجنبية بطبيعتها على ما ذكرنا متعذرًا أو رمزيًّا إذا تم.
وعلاوةً على هذه المساوئ كانت المصارف التجارية الأجنبية القائمة في البلاد العربية والإسلامية تعتمد في سيولتها على مراكزها الأجنبية في الخارج، ولضعف الرقابة النقدية سهلت هذه المصارف تحويل أرباح الشركات الأجنبية العاملة في العالم العربي والإسلامي للخارج، بل سهلت في كثير من الأوقات تهريب الأموال للخارج سواء كانت أموالاً للأجانب أو أموالاً لمواطنين غير أوفياء لبلادهم.
كل ذلك كان من نتيجته الحتمية إضعاف اقتصاديات الدول العربية والإسلامية، وبمضي الوقت وبإحساس بضرورة التحرر من التبعية الاقتصادية بدأت هذه الدول تنشئ المصارف الوطنية وبذلك أخذت حدة التبعية تخف.
وفي أيامنا هذه تتولى في المنطقة العربية الأخبار بإقامة مصارف إسلامية تلتزم بمباشرة أعمالها وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية، تلك المبادئ التي ثبتت قدرتها على توجيه المعاملات المالية وفق أسلوب قويم.
ذلك أن اليسر الذي هو عنوان شريعة الإسلام السمحاء يدعو إلى أخذ أمور المعاملات بروح الانفتاح لأبواب التوسعة، وقد عمل أئمتنا الأعلام على توفر هذا اليسر فيما عرضوا له من رأي وما استخلصوه من حكم، لا فرق بين علم وآخر إلا بمقدار ما يدبر للمؤمن الحريص على دينه من ميزة الاهتداء إلى المسار الصحيح.
وإذا كانت الساحة الإسلامية خلال حقب طويلة من الزمن قد خلت من التطبيقات البديلة للعمل الاستثماري القائم على التعامل بالفوائد، فما كان ذلك -بأي حال– بسبب قصور فهم وادراك فقهاء الشريعة للمعاملات التي تتطلبها الحياة، ولكن العيب كل العيب كان يكمن فيمن تشبث في عناد بكل ما حصل عليه من فكر وافد إليه من الغرب أو من الشرق معتبرًا هذا الفكر دون سواه مثلًا أعلى يحتذى ولا سبيل للحياة بدونه في ظل مقتضيات هذا العصر.
وفي الصحيح أن أولئك أقاموا من صنع أيديهم سدًّا منيعًا يحول بين عقولهم وبين متعة تزودها بما أفاء الله به من نور وفكر ثاقب على أئمة شريعتنا الأجلاء الذين ضمنوا بحوثهم –على هدى مبادئ الإسلام وأصوله القويمة– حلولًا نيرة وأساليب حكيمة تقود إلى تطبيقات سليمة لكل ما يطرأ من معاملات متطورة تتطلبها ظروف الحياة.. وإذا ما طرقنا باب العمليات الاستثمارية المعاصرة نلمس أنها في مسيس الحاجة الى تصحيح لتريح ضمائر المدخرين –من جميع الأديان السماوية- الذين يتوقون إلى الحصول على عائد لمدخراتهم بعيدًا عن كل تعامل ربوي وعن الفائدة الثابتة المحددة مسبقًا.
ولا يخفى أن الوصول بالعمليات الاستثمارية إلى هذا المسار في حاجة قصوى الى جهود مخلصة مع المثابرة على التبصير والإقناع دون أن يفت في عضد المجدين في هذا السبيل طول الدرب أو سلطان المكابرين، ومع ذلك فإن ثمة خطوات على الطريق تصلح بادئ ذي بدء لإقامة بعض لبنات في البناء، ومن هذه الخطوات إنشاء صناديق إسلامية للاستثمارات تتولى تجميع مدخرات الراغبين في الاستثمارات الشرعية، وهم في العالم الإسلامي لا حصر لهم ولن يقل عددهم يقينًا عن بضعة ملايين من البشر.
وتتولى الصناديق الإسلامية للاستثمارات توجيه حصيلة ما تجمع لديها من مدخرات لتمويل المشروعات التجارية والصناعية والزراعية البعيدة عن كل شبهة وشائبة في العالم الإسلامي، ويكون التمويل والدعم في صور متعددة وبوثائق وصكوك تقتنيها الصناديق وتصدر هي من جانبها للمدخرين «شهادات الاستثمارات الإسلامية»، ولفعالية الصناديق الإسلامية للاستثمارات يقتضى إقامتها في جميع أرجاء العالم الإسلامي دون استثناء، وبذلك تتكون منها شبكة قوية صلبة التكوين والأداء.
ومن الجائز إقامة الصناديق إما مستقلة وإما ملحقة بالمصارف والمؤسسات المالية القائمة في العالم الإسلامي، شريطة أن تكون لها شخصيتها المعنوية ذات الذمة المالية المستقلة وتتولى شؤونها «لجنة أمناء استثمار» ممن يطمأن إلى كفاءتهم ونزاهتهم ومسلكهم الديني.
وفي شؤون تنظيم هذه الصناديق وأساليب انتقاء الاستثمارات، وإدارتها تفاصيل فنية يضيق المقام دون سردها، وهي جديرة بطبيعتها لأن تستوعبها قواعد ديننا الحنيف ولا تحول دون الأخذ بها.
بهذا ندعم النشاط الادخاري وبالتالي الاستثمارات بأسلوب شرعي وندعم في الوقت ذاته اقتصاديات عالمنا العربي والإسلامي فتصبح هذه الاقتصاديات مرة أخرى لها ثقل دولي يعمل حسابه في ميزان حسابات الدول.
إن الليل مهما طال فلا بد أن يبزغ الفجر.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
(آل عمران: 8). صدق الله العظيم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل