; مسيرة الاستسلام ونهوض الأمة من كبوتها | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة الاستسلام ونهوض الأمة من كبوتها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

مشاهدات 48

نشر في العدد 1123

نشر في الصفحة 5

الثلاثاء 01-نوفمبر-1994

الإجراءات الأمنية المشددة وغير المسبوقة التي صاحبت حفل التوقيع على الاتفاق الأردني "الإسرائيلي" في وادي عربة يوم الأربعاء الماضي، والتي شاركت فيها قوات أمريكية و"إسرائيلية" وأردنية، أكدت على حقيقة هامة شاركتنا فيها كثير من وسائل الإعلام العالمية، هي أن هذا الاتفاق مرفوض من شعوب المنطقة، بل ومن الأمة كلها، وأنه لم يكن سوى إرضاء لمطامع الصهاينة وتحقيقًا لآمالهم.

حقيقة أخرى أهم من هذه أكدتها نتيجة التصويت الذي تم في الكنيست "الإسرائيلي" في الليلة التي سبقت حفل التوقيع، ففي جلسة مطولة امتدت إلى فجر الأربعاء ناقش أعضاء الكنيست بنود الاتفاقية "الإسرائيلية" الأردنية بندًا بندًا، ثم أجمعوا على اختلاف توجهاتهم على تأييدها عدا ثلاثة أعضاء، وشبه الإجماع هذا يؤكد على أن الاتفاقية قد حققت للصهاينة أكثر مما كانوا يحلمون به، كما أن المعترضين الثلاثة كانوا يطمحون إلى مكاسب أكبر، ولم يكونوا بطبيعة الحال مشفقين على بعض قادة العرب الذين جاؤوهم أحادي وجماعات يلتمسون منهم الصفح عما مضى، ويقدمون لهم العطايا والهدايا والهبات من حقوق الأمة وثوابتها وأرضها وميراث جهاد الأجداد، كأنما أصبحت ثوابت الأمة تكايا ومواريث لهم الحق أن يتصرفوا فيها بالتنازل أو الهبة أو التأجير. وإن نظرة فاحصة لما يجري على الساحة من أحداث كفيلة بأن تؤكد على أن «إسرائيل» تتبع سياسة محكمة في تحقيق مآربها والوصول إلى ما هو أكبر من مطامعها، بينما ينهج الحكام العرب نهجًا استسلاميًّا متخاذلًا يزيد من مطامع الأعداء ومن سيطرتهم.

 والعجيب أن الحكومات العربية التي تفاوضت مع "إسرائيل"، أو التي تنتظر دورها في التفاوض معها أصبحت تنظر إلى حدود العام ١٩٦٧ على أنها بداية الصراع بين العرب و"إسرائيل"، وأن ما سبقها من جرائم للعصابات الصهيونية في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، ثم اغتصاب أرض فلسطين وإعلان قيام دولة "إسرائيل" على أطلالها في العام ١٩٤٨، وما تلا ذلك من احتلال للضفة والقطاع وإزالة لفلسطين من على الخارطة ليس له مكان أو ذِكر لدى المتفاوضين، وهذا مما يزيد في الشعور بالهزيمة والنكبة التي تعيشها الأمة. 

إن السلام لا يمكن أن يُصنع من خلال اتفاقات بُنيت على الغش والغبن ونهب حقوق الشعوب وثوابت الأمم، وإن رفض شعب مصر الأبي لاتفاقات كامب ديفيد التي وقعها السادات مع اليهود قبل خمسة عشر عامًا ومقاطعته للتطبيع بكافة صوره وأشكاله، يؤكد على أن الصراع الذي تخوضه الأمة مع الصهيونية هو صراع وجود وهوية وبقاء، صراع مكتوب له أن يتواصل جيلًا بعد جيل إلى أن يكتب الله النصر لهذه الأمة ولو بعد مائة عام. 

وإذا كانت الأمة تعيش الآن مرحلة من الضعف والتشرذم والهوان تزداد رقعتها يومًا بعد يوم، فقد عاشت خلال تاريخها المرير فترات شبيهة، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلًا من قبل ولن تدوم -إن شاء الله- فسرعان ما كانت تنهض الأمة من كبوتها وتفيق من غفوتها وتعود لقوتها وسلطانها ووحدتها، وسوف تقهر الأمة عوامل الفرقة التي شرذمت صفوفها، وأسباب الضعف التي مكنت أعداءها منها، لأنها تملك من أسباب القوة ما لا يملكه غيرها، غير أن الأسباب بحاجة إلى قائد ملهم يجمع الصفوف ويوحد الكلمة ويرد الأمة إلى ثوابتها وإلى عقيدتها، فالروابط التي تجمع بين شعوب هذه الأمة من الدين واللغة والحضارة والتاريخ روابط لا تتوفر لغيرها من أمم الأرض وشعوبها، ومن ثم فإن عوامل الوحدة والقوة متوفرة وليست بحاجة إلا لمن يجمعها ويحييها في الناس. 

وإذا كانت شراذم الأرض في أنحاء العالم قد جمعت نفسها في كيانات سياسية واقتصادية وعسكرية، وكانت قبل ذلك جمعات ممزقة تطحنها الحروب والصراعات وعوامل الضعف والتفكك، فإننا بذلك لا نرى صعوبة في أن تستعيد الأمة عافيتها وتوحد كلمتها وصفوفها ضد مكائد العدو المغتصب، وليست شواهد التاريخ أو معطيات الحاضر عنا ببعيدة، فإن ما تعرضت له الأمة من قبل على أيدى الصليبيين والمغول والتتار وأحفاد الصليبيين كان أقوى وأعتى مما يحدث الآن، ومع ذلك فقد نهضت وسوف تنهض -إن شاء الله- طالما بقيت العزائم في نفوس الشعوب عالية، وبقي هذا الدين محفوظًا بأمر الله وحافظًا لهذه الأمة من الضياع.

وأما المنهزمون الذين يعيشون عصر الهيمنة الصهيونية دون أن يقوموا بأدنى مقاومة، فإنهم لا يستحقون أن ينسبوا من قريب أو بعيد لهذه الأمة التي كتب الله لها السيادة والخيرية من الأزل على سائر الأمم.

وبالتالي فإن كل ما بُني على الباطل فهو باطل، وإن الاتفاقات التي قامت على الغش والغبن والسلب والنهب وضياع الحقوق لا يمكن أن تُبصر النور، وإن حتمية النصر ضرورة حتمية للأمة ولو بعد حين، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
 

الرابط المختصر :