العنوان هل من قرار جريء لإنقاذ الميزانية؟؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1994
مشاهدات 107
نشر في العدد 1085
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 25-يناير-1994
البيان الذي تلته الحكومة بلسان وزير المالية
ناصر الروضان على مجلس الأمة الأسبوع الماضي جاء ليؤكد ما حذر منه الاقتصاديون
والسياسيون خارج الحكومة طوال السنوات الثلاث الماضية من الخطر الذي يتهدد الكويت
في جانب الإيرادات العامة ومن تزايد العجز عن تغطية بنود الإنفاق الحكومي
المتضخمة.
ففي هذا البيان اعترفت الحكومة بأن معدلات
تحصيل مبيعات النفط تشير «إلى تراجع حجم الإيرادات النفطية نتيجة لانخفاض الأسعار
في السوق العالمية» في حين أن التوقعات المستقبلية لهذه الأسعار «يشوبها الحذر ولا
تدعو إلى كثير من التفاؤل». ويؤكد وزير المالية على استمرار اعتماد الكويت بنسبة
90% على الإيرادات النفطية، أما الإيرادات غير النفطية «فذات تأثير هامشي إذ تبلغ
نسبة مساهمتها في الإيرادات العامة 10%».
ويفيد بيان الوزير بأنه بالرغم من لجوء الكويت
لزيادة إنتاجها النفطي بواقع 200 ألف برميل يوميًا.. فإن الإيرادات النفطية
المتوقعة للسنة المالية 93/ 1994م ستكون 2.179 مليون دينار أي بزيادة 100 مليون
دينار فقط عن الإيرادات نفسها للسنة المالية 92/ 1993 والبالغة 2.080 مليون دينار.
ويكشف الوزير عن أنه في حين كان يتم تقدير سعر برميل النفط الكويتي بـ 14 دولارًا
في الميزانية التقديرية 93/ 1994م فإن السعر الحقيقي انخفض في السوق عن ذلك مما
سبب عجزًا في هذه الميزانية في بند الإيرادات النفطية بواقع 210 ملايين دينار، وبدأت
وزارة المالية بإعداد ميزانيتها على أساس أن برميل النفط سيساوي 10.5 دولار.
ويخلص الوزير الروضان في بيانه إلى أن مشكلة
العجز المستمر في ميزانية الدولة «ما زالت في مقدمة التحديات التي تواجه الاقتصاد
المحلي وخاصة في ظل التراجع الملحوظ في حجم الاحتياطات العامة للدولة». كما يقر
بوجود «قيود كبيرة تعوق تكييف الإنفاق الحكومي في ظل التطورات المالية والاقتصادية
المحلية والخارجية».
ولعل أبرز جوانب الضعف في الإنفاق الحكومي هذا
الثقل المتزايد للباب الأول في الميزانية «الرواتب» والذي بلغ 30% من الميزانية
الأخيرة بواقع 1.160 مليون دينار وذلك دون اعتبار رواتب الهيئات والمؤسسات ذات
الميزانيات الملحقة والتي يقدم لها دعم بواقع 472 مليون دينار معظمه يصرف على شكل
رواتب، مما يرفع نسبة الرواتب ضمن المصروفات العامة إلى ما يقارب الـ 40%.
وإلى جانب الرواتب تصرف الحكومة 37.7% من
إيراداتها على الخدمات العامة التي تتولاها في الدول المتقدمة مؤسسات خاصة ويدفع
المواطن تكاليفها بالكامل، وللمقارنة فإن الكويت خصصت 11% فقط من الميزانية
للنفقات الرأسمالية والمشروعات الإنشائية. وتكمن خطورة الخلل في الميزانية العامة
فيما صرح به رئيس اللجنة المالية بمجلس الأمة الدكتور إسماعيل الشطي من أنه في حال
استمرار نمو الرواتب الحكومية بنفس معدلها واستمرار أوضاع الإيرادات النفطية فإن
كل إيرادات الكويت من النفط عام 1998م لن تكون كافية لسداد بند الرواتب وحده، فما
بالك بالبنود الأخرى مثل الخدمات والأمن والدفاع؟
هذه الصورة الشاحبة لمستقبل الإيرادات
الحكومية تواجهها حالة مقلقة من التآكل في الأصول المالية للدولة في الخارج إذ
خسرت الكويت 60% من هذه الأصول خلال الاحتلال العراقي وما خلفه من أضرار، ولجأت
الدولة إلى الاقتراض لسد العجز في الميزانية وهو عجز حقيقي وليس عجزًا شكليًا كما
كان الحال في الثمانينات. ولو استمرت الإيرادات في التقلص مع استمرار البذخ في
الإنفاق فإن الأصول الخارجية ستتآكل حتمًا وربما تثقل الكويت بالمزيد من الديون
وتقع في خانة الدول النفطية المدينة.
وهذه الإشارات الاقتصادية الصاخبة على خطورتها
لا تزال تفتقر إلى التحرك السريع والحاسم لمواجهتها، فالمسؤولون يتحدثون تارة عن
رسوم تفرض على الخدمات، وتارة عن خصخصة المؤسسات الحكومية، وتارة أخرى عن تنشيط
الاقتصاد المحلي، وهو اقتصاد قام أساسًا على الاستفادة من الإنفاق الحكومي وهو ليس
باقتصاد حقيقي يعتمد عليه.
وكل تصريحات المسؤولين هذه لا تغني عن تحرك
جاد وسريع لكبح جماح الإنفاق الحكومي.. واتخاذ قرار جريء كالذي اتخذته المملكة
العربية السعودية بتخفيض الميزانية العامة للدولة وإلزام كل الهيئات والجهات
الحكومية المترهلة والمكتظة بالبطالة المقنعة بسقف جديد للإنفاق عليها أن تتدبر
أمورها على أساسه.
وهناك جوانب عديدة في الإنفاق الحكومي تحتاج
إلى إعادة نظر في جدواها وأولويتها، من ذلك المخصصات الضخمة لشراء السلاح والتي لا
يرافقها خطط جادة لبناء القوات المسلحة، ومنها بنود الاستهلاكات في العقارات والتي
لا يزال ينتفع منها أطراف حصدت مئات الملايين من أموال الدولة بهذه الطريقة منذ
عقود من الزمن. وليست الأولوية في ترشيد الإنفاق الحكومي في تحميل المواطن والمقيم
المحدود الدخل برسوم باهظة للخدمات، أو في تأجيل المشروعات الإنمائية المفيدة
للمواطن بل لعل الأولوية في إيقاف السيل المستمر من المساعدات المالية لدول وأطراف
خارجية وهي المساعدات التي لا مكان لها في الكويت بعد أن نال اقتصادها ما ناله من
نكبات.
ولعل الحديث هنا موجه بشكل أساسي إلى النواب
الفضلاء في مجلس الأمة والذين لا نزال نسمع منهم اقتراحات ودعوات لصرف المزيد من
الأموال عبثًا وتدليل المواطنين بمبالغ تصرف في غير سبيلها الصحيح. والأجدر من ذلك
أن يتحلى المجلس بالشجاعة ويتقدم بمشاريع لإنقاذ عنق البلاد من شبح الديون
المستقبلية باتخاذ خطوات جادة وموحدة مع الحكومة بضبط الإنفاق العام وإيقاف
صنابيره الهادرة في غير محلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل