; الافتتاحية .. بانتظار حل مشكلة المسلمين في بلغاريا | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية .. بانتظار حل مشكلة المسلمين في بلغاريا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

مشاهدات 107

نشر في العدد 938

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

 

المهام التي أُنيطت بقيادة منظمة المؤتمر الإسلامي والمتمثلة بدولة الكويت كثيرة جدًّا، وخلال ما يقرب من ثلاث سنوات مضت أنجزت الكويت وهي تقود المنظمة عددًا من القضايا، وحلت جملة من المشكلات التي تخص شعوب العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية في مواضع مختلفة من هذا العالم.

وتعتبر مشكلة المسلمين المنحدرين من أصول تركية في بلغاريا واحدة من أشد المشكلات التي عانى منها حوالي مليوني مسلم. ومع تقادم هذه المشكلة خلال خمسين سنة مضت، ومع تعدد الاتفاقات والمعاهدات بين تركيا والبلغار بشأنها طيلة نصف قرن من الزمان، وإزاء عدم التوصل إلى حل يعيد المسلمين المهاجرين إلى ديارهم ويرد لهم أملاكهم ويرجع إليهم أموالهم ويحافظ لهم على هويتهم الدينية وشعائرهم الإسلامية، ويدفع عنهم أشكال التعسف والاضطهاد. إزاء كل هذا، كان لا بد لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تأخذ المبادرة لمعالجة هذه المشكلة، وذلك بناءً على البند الثاني "أ" "66" من ميثاق المنظمة الإسلامية والخاص بالأهداف والمبادئ، والذي يقتضي عدم قبول منظمة المؤتمر الإسلامي أي اعتداء على المسلمين.

واليوم، تتجه أنظار العالم مرة أخرى إلى الكويت؛ حيث تنتظر بروز دور رائد جديد تقوم به الكويت التي تمكنت من تحديد يوم "30" من الشهر الجاري موعدًا للقاء كاد أن يكون مستحيلًا بين وزيري خارجية كل من تركيا وبلغاريا لبحث مشكلة "350" ألف مسلم يعيشون فيما يشبه المدن الصناعية التي هيأتها تركيا لهم من الخيام والبيوت الخشبية بعد أن هربوا تاركين ممتلكاتهم وأموالهم وبعض ذويهم وأهليهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستنجح مائدة المفاوضات الكويتية بإزالة المظلمة عما ينوف عن "ثلث" مليون مسلم ينتظرون القرار الذي يأتي لمصلحتهم من أرض الخير "الكويت"؟

إننا إذ نرقب اجتماع الوفدين بحضور كويتي قد تعرّف على المشكلة وعايشها من خلال الزيارات الكويتية المتعددة لكل من تركيا وبلغاريا ووقف على تفاصيلها وجزئياتها، فإننا نأمل أن تخوض الكويت تجربة محنكة ناجحة جديدة للمصالحة بين دولتين جارتين، آملين أن تأخذ الكويت بعدد من الأساسيات التي تميز مواقفها الخارجية التي أهلتها للنجاح في وساطات سابقة مثل:

•       الحيادية: التي لا بد منها في كل المفاوضات التي يؤمل لها النجاح. وإذا كانت الكويت بحنكتها وحياديتها قد أقنعت الطرفين التركي والبلغاري للجلوس على مائدة مفاوضاتها بعد أيام قليلة، فإنها لا بد وأن تنظر في مطالبة الطرفين وتبحث معهما كافة ما في ملفاتهما من حيثيات للمشكلة مع الأخذ بالاعتبار الكامل إنصاف المهاجرين الأتراك إنصافًا لا يضيع عليهم أي حق من حقوقهم. وإذا كانت حكومة بلغاريا مصرة طيلة الفترة الماضية على عدم اللقاء للتفاوض مع الأتراك الذين تركوا أبواب اللقاء مفتوحة، وقبلت بعد كل ذلك الإصرار دعوة الكويت، فإن هذا مما يشهد للكويت بحياديتها ومصداقيتها في حل واحدة من المشكلات التي دخلت في الأروقة الدولية مدة من الزمان دون أن يكتب لها النجاح.

•       العدل: وهو المنهج الذي ننتظر من الكويت أن تنتهجه خلال المفاوضات، ويقتضي ذلك سماع وجهتي النظر "التركية - البلغارية" كاملتين، إضافة إلى شهادات كل من الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي والتي يمثلها د. فؤاد العابد، ولجنة الاتصالات التابعة للمنظمة، والتي يرأسها الدكتور عبد الله عمر نصيف الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، إضافة إلى تقارير المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية التي زارت كلًّا من تركيا وبلغاريا. والكويت التي تعرفت عن كثب على جذور المشكلة وحقيقتها ستضيف إلى شهادات المنظمات الإسلامية والدولية خلفية ناضجة للحكم في النزاع بين الطرفين التركي والبلغاري. ومن المنتظر أن تثمر تجربة الكويت واطلاعها على المشكلة إضافة إلى الأخذ بشهادات الشهود عن حكم عادل يجب أن يقبل به كل من الأتراك والبلغار. وإذا كنا نعتقد أن الحيادية والعدل صفتان ضروريتان للحكم، فإننا نعتقد أيضًا أنهما متوفرتان في موقف دولة الكويت من قضية الأتراك المهاجرين من بلغاريا.

بقي أن نقول:

1.     إنه من المنتظر من كل من تركيا وبلغاريا أن تثمنا موقف الكويت تثمينًا عمليًّا، وذلك بتقدير موقفها والقبول به حكمًا نهائيًّا لحل مشكلة "ثلث" مليون مسلم يعيشون في جو من الصقيع البارد وتحت وابل الأمطار في المساكن القماشية التي أعدتها لهم تركيا.

2.     لا بد من بحث الكيفية المضمونة لرد ممتلكات الأتراك المهاجرين من بلغاريا، وعودة أموالهم إليهم دون أي تحفظ من أي من الطرفين على ذلك.

3.     البحث العاجل في وسائل إغاثة المهاجرين ومدهم بالمعونات اللازمة لئلا يتساقطوا فريسة لأوجاع الشتاء وآلامه، فهم ليسوا بسياح اختاروا الهجرة للعيش تحت الخيام بعد أن تركوا منازلهم الفارهة وبيوتهم الدافئة وأموالهم الخاصة لتبقى إرثًا لغيرهم، وإنما هم لاجئون اضطروا إلى ترك كل ممتلكاتهم للحفاظ على هويتهم الإسلامية المتميزة.

4.     ليس من الفطنة البشرية والذكاء الإنساني أن نقول إن مشكلة "ثلث مليون" تركي مسلم مشكلة داخلية لبلد ما، وإنما هي في الحقيقة مشكلة إسلامية عامة تخص كل المسلمين أينما كانوا، وذلك كما ورد في تقرير لجنة الاتصالات التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، والتي ذكرت في تقريرها الثاني عقب زيارتها التي تمت للمهاجرين الأتراك ما بين "10-13" من أغسطس 1989، أن مشكلة هؤلاء هي مشكلة إسلامية "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وإذا كان مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية في دورتيه "السابعة والثامنة" قد أقر ما ورد في تقريري لجنة الاتصالات، فإن المأمول أن يتم الأخذ بسائر التوصيات الواردة في تقريري اللجنة الأول والثاني مع بحث الضمانات الكفيلة بالتنفيذ. ونحن بالانتظار.

 

الرابط المختصر :