; الانبعاث الإسلامي في الصحافة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان الانبعاث الإسلامي في الصحافة الغربية

الكاتب محمد مصطفي رمضان

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1980

مشاهدات 80

نشر في العدد 472

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-مارس-1980

• حركة الانبعاث الإسلامي الجديدة تعكس فشل الحركات اللادينية «العلمانية».

• لينارد بايندر: القوى الإسلامية في بعض الدول هي والمؤسسة الحاكمة شيء واحد!

• ماجد خدوري: البعث الإسلامي حدث من قبل ثلاث مرات في تاريخنا المعاصر.

• بروس لورنس: الدين والسياسة كل لا يتجزأ عند العقل المسلم.

منذ ثمانية عشر شهرًا تقريبًا وصحافة أوروبا وأمريكا لا تفتأ تنشر مقالات وأبحاثًا وتعليقات عن البعث الإسلامي والثورة الإسلامية ولم يكن هذا الاهتمام المفاجئ بالإسلام والمسلمين سوى رد فعل مباشر لثورة الشعب المسلم في إيران على محمد رضا بهلوي ومؤسساته التي حكمه بها أكثر من قرن حكمًا استبداديًا سمته الأساسية الإرهاب والطغيان.

عداء واستعداء

والقارئ لهذه المقالات وتلك الأبحاث والتعليقات يلمس فيها أول ما يلمس مزيجًا من العداء والاستعداء يشيع بين كلماتها وسطورها العداء لهذا البعث الإسلامي الذي بدأت تباشيره مع نهاية القرن الرابع عشر الهجري واستعداء حكومات الدول العربية على تلك الصحوة الإسلامية التي أخذت العالمين الرأسمالي والاشتراكي على حين غرة وهما اللذان كانا يظنان أن العالم الإسلامي قد أخلد إلى نومة أهل الكهف إلا أن أمر تلك المقالات والدراسات لا يخلو أحيانًا من استقراء موضوعي للأحداث تبنى عليه تعليقات فيها إنصاف أو شيء من الإنصاف.

واليوم نبدأ دراسة في حلقات عما نشر في الصحافة الغربية عن ظاهرة البعث الإسلامي وسوف يعرض جزؤها الأول لأبرز المقالات التي ظهرت في كبرى الصحف الأمريكية اليومية: نيويورك تايمز وواشنطن بوست ولوس أنجلوس تايمز أما جزؤها الثاني فسيعرض لما نشرته أبرز صحف بريطانيا اليومية: التايمز والغارديان.

* * *

في عدد السبت والأحد 16 و17 ديسمبر الماضي من الهرالد تريبيون الدولية وهي الطبعة الدولية لأهم ما ينشر في النيويورك تايمز والواشنطن بوست من أخبار وتعليقات عن الشؤون الدولية نقلت الصحيفة عن النيويورك تايمز مقتطفات من ندوة استغرقت ثلاث ساعات عقدتها التايمز الأمريكية لسبعة من المتخصصين في الدراسات السياسية والتاريخية والدينية ووجه فيها الأسئلة إليهم بعض محرري ومندوبي التايمز وهؤلاء المتخصصون هم: 

• إقبال أحمد من معهد الدراسات السياسية في واشنطن.

• فؤاد عجمي الأستاذ المساعد لعلم السياسة بجامعة برنستون.

• لينارد بايندر أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو.

• نسكي كيتري أستاذة التاريخ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

• مجيد خدوري مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بكلية الدراسات الدولية العالية بجامعة هوبكنز.

• بروس لورانس أستاذ تاريخ الأديان بجامعة ديوك.

• ولفرد كانتيول سميث أستاذ تاريخ الأديان المقارن ورئيس الدراسات الدينية في جامعة هارفارد.

* * *

قدمت التايمز الأمريكية للندوة بقولها:

«في البداية جاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران من قبل أتباع زعيم ديني أعلن أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة هو صراع بين الإسلام والكفر وتلا ذلك حرق السفارة الأمريكية في إسلام أباد على أيدي شبان باكستانيين اعتقدوا خطأ أن الولايات المتحدة كانت وراء الهجوم على أقدس المقدسات الإسلامية في مكة».

استياء في كل مكان

وقد بدا وقتها أن الاستياء من الولايات المتحدة ينتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي الواسع الذي يمتد من المغرب إلى إندونيسيا ولكي نفهم المشاعر التي يبدو أنها تحرك كثيرًا من المسلمين وحتى نحصل على معرفة مباشرة بالطرق التي يمكن للقيم الدينية أن تؤثر على العمل السياسي في إيران وغيرها من الأقطار الإسلامية دعت النيويورك تايمز مجموعة من العلماء البارزين لمناقشة الأحداث والاتجاهات التي حيرت الغربيين [ونبهتهم إلى الخطر!]، وما يجمع بين هؤلاء العلماء هو الاهتمام بالإسلام ولكن تخصصاتهم وفروع دراستهم ووجهات نظرهم تتباين إلى حد كبير وبعضهم يرى في انبعاث القيم الإسلامية التقليدية أمرًا يبعث على الأمل أما الآخرون فهم يشعرون بأن هذا الانبعاث الإسلامي الجديد إنما يعكس فشل الحركات اللا دينية [العلمانية].

أمريكا هي المسؤولة

وقد اتفق الجميع على أن سياسات الولايات المتحدة وأعمالها هي المسؤولة جزئيًا عن الأزمة الحالية، وعلى أن من المحتمل أن يؤثر ما ستقوم به أمريكا من أعمال على الأحداث في إيران والشرق الأوسط وفي الأماكن الأخرى من العالم الإسلامي.

• وقد تساءل أحد موظفي التايمز الأمريكية عما إذا كانت المظاهرات التي يعرض صورها التليفزيون الأمريكي كل ليلة والتي تشاهد فيها جماهير الشعب الإيراني المسلمة وهي تهتف: الموت لأمريكا والموت لكارتر، هي مظهر محلي يتعلق بإيران وبتجربتها مع الشاه والنفوذ الأمريكي أم أنها أيضًا جزء من حركة أعم من ذلك في العالم الإسلامي، وإذا كانت هناك حركة إحياء على امتداد العالم الإسلامي فهل تلك المظاهرات هي تعبير عنها؟

وقد أجاب على ذلك لينارد بايندر قائلًا:

• «هناك أقطار معينة من الواضح أن شيئًا ما يحدث فيها، فباكستان وأفغانستان وإيران هي أقطار يبدو أن القوى السياسية فيها تعبر عن نفسها في إطار الإسلام أو شعارات إسلامية أو استغلال الإسلام أو شيء من هذا القبيل. وهناك أقطار أخرى واضح فيها جدًا أن القوى الإسلامية إما أنها خامدة أو أن نجمها ليس في الصعود أو أنها تعبر عن نفسها باعتبارها رمزًا شرعيًا هو والمؤسسة (الحاكمة) شيء واحد، مثل المغرب والسعودية، وحتى ليبيا من المحتمل أنها دولة تعتبر فيها المؤسسات الإسلامية وما يرمز إلى الإسلام هما ونظام الحكم القائم شيئًا واحدًا وليسا تحولًا ثوريًا، وربما كان ما نعتبره بعثًا إسلاميًا هو دمج رمز إسلامي يرمز للمعارضة في أقطار معينة».

أربع مرات في مائة سنة...

• أما ماجد خدوري فقد قال: «ما من شك في أن هناك بعثًا إسلاميًا، ولكنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك، فقد تحقق من قبل في نهاية القرن التاسع عشر، وعاد في العشرينات والخمسينات أيضًا، وها نحن نجده الآن بعد ذلك بعشرين سنة».

• وقال ولفريد كانتول سميث: «... إن لديهم (الإيرانيون والمسلمون بصفة عامة) إحساسًا بأننا نحن هنا في المغرب نرى أن الأسلوب الغربي في الحياة والإسلام هما بديلان أحدهما عن الآخر، فإذا ازدهرنا نحن فليس لهم إلا أن يخضعوا للكبت والقمع، وإذا ازدهروا هم فإن علينا أن نشعر بالهلع لذلك ... ويبدو لي بصفة أساسية أن هناك شعورًا عامًا يسود العالم الإسلامي بأن فترة القرنين التي تأخر فيها المسلمون واستعبدوا وفقدوا زمام المبادرة ... إلخ ربما تكون قد أشرفت -أخيرًا- على نهايتها، وبأن ذلك لن يتحقق إلا بطرد الغرب وإقصائه».

هذا التناقض هو في عقولنا نحن فقط!

• وقال بروس لورنس: «لكي يتحدث المرء عن بعث إسلامي أو حركة إسلامية يجب عليه أولًا أن يدرك إلى أي مدى يرتبط ذلك البعث أو تلك الحركة بالأحداث التي وقعت في القرن السابع (الميلادي) في شعب الجزيرة العربية (يقصد فترة الرسالة وربما بدء الفتوحات) وفي المناطق الواقعة وراءها مباشرة، وهي الأحداث التي لا ينظر إليها ببساطة على أنها جزء من الماضي وإنما فترة زمنية تعاش مرة أخرى في كل جيل -بل حتى كل سنة- من حياة بعض المسلمين، والأمر المهم الذي يجب أن نواجهه في رأيي هو التناقض الظاهري بين الدين والسياسة، وهو تناقض بالنسبة لنا نحن (المسيحيين) فقط، لأن الدين والسياسة عند العقل المسلم هما كل لا يتجزأ أساسًا، وربما حدث فصل بينهما بسبب الظروف التاريخية، ولكن في عملية إيجاد المجتمع الإسلامي، وفي تلك الفترات الأولى من التاريخ (الإسلامي) كان زعيم هذا المجتمع يقوم بعملين: ديني وسياسي، وكانت سلطته مزيجًا لا يتجزأ من الدين والسياسة».

لا ... ليس هناك بعث إسلامي!!

• أما فؤاد عجمي فقد قال: «أظن أنه مسموح لي -ما دمت مسلمًا- ألا أضفي على موضوع عودة الإسلام برمته أي احترام (!). فأنا أشك بقوة في وجود شيء اسمه العودة إلى الإسلام الأساسي. لقد ولدت سنة 1945م، وحين بدأت أؤكد ميلي السياسي أو أعي الأمور السياسية كنت أعيش في فترة من القومية الموغلة في الجذرية كان بطلها شخص مثل جمال عبد الناصر. وكانت تلك نمطًا غير متعاون مع العدو من القومية -إن شئت- أو لا يخشى الأجانب على حد تعبيري، وقد بدا أن تلك القومية ولدت الولاء لها لدى معظم الناس أو عدد كبير منهم، وفجأة يقال لنا اليوم إن هناك بعثًا إسلاميًا، تلك القوة التي كانت تعتبر إلى عهد قريب -وحتى أثناء حياتي- قوة رجعية متعاونة مع العدو أو قوة مكانها الماضي ينظر إليها الآن على أنها شيء ربما يدخل معه بقية أنحاء العالم في صراع، وهذا يجعلني طبعًا مرتابًا ومتشككًا إلى حد ما في الادعاء بأننا نعيش فترة نهضة إسلامية وبعث إسلامي»!!

• ويعود ولفرد كانتول سميث فيقول: «عندما جاء الشاه إلى السلطة بدأ حكمة بداية متحررة تقدمية وحديثة (!) وقد أيده الغرب في ذلك. ولكنه تحول تدريجيًا إلى حكم استبدادي يتصف بالطغيان والقمع. وقد علمت دول العالم الغربي الحر وخاصة الدول التي أيدت الشاه ودربت شرطته السرية «السافاك» علمته هو وشرطته كيف يعذبون أفراد شعبهم ... إلخ. ولذا يشعر طلبة الخميني الصغار أن الغرب الحر هو الذي دعم وساند أولئك الذين يعملون على تحطيمهم ... ما هو الخطأ الذي فعلناه في الأشهر القليلة الماضية أو الخمس عشرة سنة الأخيرة أو القرون الثلاثة الماضية لكي يسبب هذا النوع من الانفجار؟ إنه -جزئيًا- الاستعمار الغربي. (وكليًا التمكين بالانقلابات العسكرية لطائفة من الحكام تستأسر على شعوبها بالجيوش والاستخبارات والشرطة السرية فتذيقها ألوانًا من الخسف والتعذيب والإرهاب، وتبدد أموالها وثرواتها في العبث والتخريب، وفي نفس الوقت تتخاذل بذلة وانحناء مشهودين أمام أعداء الأمة الإسلامية).

أي شخص كان بإمكانه أن يتنبأ بما حدث

• أما إقبال أحمد فقد عاد ليقول: «بالإضافة إلى الصداقة الطويلة جدًا مع إيران التي بدأت عام 1953 (حين أعادت الاستخبارات المركزية الأمريكية الشاه إلى الحكم -بعد فراره من إيران إلى إيطاليا- في الانقلاب المشهور الذي نظمه كيرفت روزفلت وأنفق عليه عشرة ملايين من الدولارات) والتي اتسع نطاقها إلى حد كبير بعد سنة 1969م في أشكال جديدة تحت (إشراف) كيسنجر، بالإضافة إلى ذلك حدث مؤخرًا جدًا فشل في مجال الاستخبارات وفي مجال اتخاذ المواقف. ودعني أقول بسرعة إن أي شخص كان بإمكانه أن يتنبأ -وقد تنبأت به فعلًا وزارة الخارجية (الأمريكية) وأفادت الأنباء بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وآخرين تنبأوا به- بأن السماح للشاه بدخول هذا البلد سيلهب مشاعر الإيرانيين، وبالفعل سمح له بذلك بعد ستة أشهر من مقاومة الحكومة الإيرانية والمشكلة ليست في مصافحة برجنسكي (مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي) لبازرجان (في لقاء قيل إنه سري في الجزائر وإنه كان من أسباب استقالة وزارته)، لقد جاء الشاه إلى أمريكا في الثامن والعشرين من أكتوبر، والرهائن أخذوا في الرابع من نوفمبر، اثنا عشر يومًا طويلة مرت فعل الإيرانيون فيها ما يقول الناس إنه كان يجب عليهم أن يفعلوه، وبالتحديد الاحتجاج سلميًا على المستويين الحكومي والشعبي. إلا أن تلك الاحتجاجات السلمية لم تسفر عن نتيجة مطلقًا».

سنواصل في الأسبوع المقبل إن شاء الله نقل أبرز ما دار في تلك الندوة التي نظمتها جريدة النيويورك تايمز الأمريكية مع التعليق عليه في النهاية.

الرابط المختصر :