العنوان الانتخابات التشريعية الجزائرية.. هندسة جديدة للمشهد السياسي ومفاجآت غير متوقعة
الكاتب عبدالعالي زواغي
تاريخ النشر الخميس 01-يوليو-2021
مشاهدات 65
نشر في العدد 2157
نشر في الصفحة 32
الخميس 01-يوليو-2021
حزب السلطة البائدة فاز بأغلب المقاعد وهي نتيجة جاءت معاكسة لآمال الكثيرين
الإسلاميون تقدموا حيث حصدت «مجتمع السلم» 65 مقعداً و»البناء الوطني» 39
الانتخابات شهدت انكماشاً كبيراً بالتمثيل النسوي فلم تفُز سوى 35 امرأة مقارنة بـ120 في انتخابات 2017م
البرلمان والحكومة الجديدان يواجهان الكثير من التحديات ولا سيما الاقتصاد وارتداداته على السلم المجتمعي
الجزائر- عبدالعالي زواغي:
جاءت الانتخابات التشريعية (النيابية) في الجزائر، التي انتظمت بتاريخ 12 يونيو الماضي، حاملة معها الكثير من المفارقات والنتائج غير المتوقعة، وسط مقاطعة وعزوف انتخابي كبيرين، ونسبة مشاركة متدنية بلغت 23%، حسب بيان للمجلس الدستوري، عقب الإعلان عن النتائج النهائية لعملية الاقتراع، مع العلم أن الهيئة الناخبة تبلغ أكثر من 24 مليون ناخب، وهي مقاطعة يرى الكثيرون أنها راجعة إلى انعدام جو الثقة في ظل المناخ السياسي العام الذي تعرفه البلاد.
تعتبر هذه الانتخابات الأولى من نوعها بعد الحراك الشعبي الجزائري، الذي أسفر عن تنحي الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وملاحقة العديد من رموز نظامه قضائياً وسجنهم، من بينهم رؤساء أحزاب سياسية كبيرة كانت مؤيدة له أو ما تعرف إعلامياً بأحزاب الموالاة، قبل أن تُـجرى انتخابات رئاسية جديدة، في 12 ديسمبر 2019م، فاز فيها الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي أطلق شعاراً جديداً على مرحلة ما بعد الحراك الشعبي تحت مسمى «الجزائر الجديدة»، ليمضي بعدها في تنظيم استفتاء على تعديل دستوري، في 1 نوفمبر 2020م، تضمن الكثير من التعديلات والإضافات على قانون الانتخابات وطريقة الاقتراع، وهي التعديلات التي صاغت بعض نتائج التشريعيات الأخيرة ورسمت ملامح المشهد السياسي المرتقب، وأهمها تراجع العديد من الأحزاب السياسية وخسرانها للمقاعد التي كانت لها في العهدة السابقة، لصالح القوائم الحرة وأصحاب الشهادات الجامعية الذين باتوا يمثلون نسبة 75% من تشكيلة البرلمانيين.
تراجع الأحزاب وبروز القوائم
وبعكس جميع التوقعات، فقد فاز حزب السلطة البائدة جبهة التحرير الوطني بأغلب مقاعد البرلمان الجديد؛ حيث حصد الحزب 98 مقعداً من أصل 407 مقاعد في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى)، وهي نتيجة جاءت معاكسة لآمال الكثير من الجزائريين الذي خرجوا في الحراك الشعبي، وطالبوا بإزالة هذا الحزب من المشهد السياسي وتحميله المسؤولية عن الوضع العام؛ كونه كان شريكاً قوياً في السلطة السياسية وصناعة القرار في العهد السابق، فقد كان يحصل منذ عام 2002م على الأغلبية البرلمانية التي تمكنه من قيادة الحكومة أو مجلس الوزراء، وهذه المرة الأولى التي يخسر فيها الأغلبية بعد أن تشتت أصوات الناخبين وتغيرت الكثير من المعطيات.
بينما يرى متابعون بأن فوز جبهة التحرير جاء بناء على توظيف وعاء انتخابي له الولاء الكامل للحزب بغض النظر عن الظروف والشخصيات التي تتولى قيادته، وهو عادة يتشكل من طبقة المجاهدين وأبنائهم وأبناء الشهداء، كما أن المقاطعة كان لها أثر واضح في ترجيح الكفة لصالح الحزب العتيد ومضاعفة حظوظه في الفوز.
كما ظفر الحزب الثاني الذي كان في السلطة، التجمع الوطني الديمقراطي، بـ58 مقعداً، متبوئاً المرتبة الرابعة ومتقهقراً عن المراتب التي كان يحصدها خلال العهدات السابقة عندما كان في أوج قوته وقربه من السلطة، وقبل أن يسجن أمينه العام أحمد أويحيى، الذي يقبع حالياً في السجن بسبب تهم فساد كبيرة.
من ناحية أخرى، حصدت القوائم الحرة المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد، بمجموع 84 مقعداً، وهذا نتيجة للمزايا والتحفيزات التي أعلنت عنها السلطة لفائدة الشباب الراغبين في الترشح وخوض غمار الانتخابات التشريعية، أهمها خفض عدد التوقيعات التي تسمح بدخول المعترك الانتخابي، وتخصيص إعانة مالية من الدولة لكل شاب يترشح في قائمة حرة ولم تتجاوز سنه 40 عاماً، قدرها 30 مليون سنتيم (2250 دولاراً)، ما حفز عدداً كبيراً من الشباب على الترشح ضمن قوائم بلغ عددها حسب سلطة الانتخابات 1114 قائمة، راهنت كلها على العمل الميداني والتعويل على مقاطعة الناخبين للأحزاب السياسية، على أمل أن يشكل ذلك توجهاً جديداً نحو تفضيل الناخبين لجيل جديد من الشباب الذين لم يكونوا جزءاً من المشهد السياسي السابق، ولم يتورطوا في أي قضايا كتلك التي تورط فيها مسؤولون في الأحزاب السياسية المعروفة.
تقدُّم الإسلاميين
من جهتهم، تقدم الإسلاميون في الانتخابات التشريعية، حيث حصد أكبر حزب إسلامي بالبلاد (حركة مجتمع السلم) 65 مقعداً، وكانت جميع التوقعات تفترض اكتساح الأحزاب السياسية الإسلامية للمشهد الجديد، تبعاً للكثير من المتغيرات، لعل أبرزها كما يقول الأمين العام للإعلام والاتصال لحركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش، أن الحركة الإسلامية راكمت خبرة سياسية وتجربة انتخابية أهَّلتها لتكون من أقوى الأحزاب الجزائرية تنظيماً وانتشاراً شعبياً، ما أهَّلها لأن تتصدر جمع التوقيعات وتغطية الترشح في الدوائر الانتخابية، بما فيها الجالية، كما أنها تجمع بين البعد التنظيمي والانضباط الحزبي والبعد الشعبي والمصداقية الاجتماعية للمترشحين.
وخلافاً للمتوقع، حاز الحزب الإسلامي الآخر، حركة البناء الوطني، على 39 مقعداً، وهو الحزب الذي برز رئيسه عبدالقادر بن قرينة، خلال الحملة الانتخابية بشكل لافت من خلال تصريحات نارية ودعم مطلق أبداه لسياسة الرئيس تبون، حتى ظن الكثيرون أنه سيكون حزب السلطة الجديدة.
واللافت أن هذه الأحزاب أبدت رضاها عن النتائج ولم تقدم الكثير من الاحترازات حول شفافية الانتخابات.
الملاحظ في هذه الانتخابات هو الانكماش الكبير الذي طال تمثيل العنصر النسوي في البرلمان الجديد، حيث لا يتعدى عدد النساء اللواتي ظفرن بمقعد نيابي 35 امرأة من بين 5744 مترشحة؛ أي ما نسبته 08% فقط من إجمالي مقاعد المجلس الشعبي الوطني، ورغم أن القانون العضوي للانتخابات نص في المادة (202) على المناصفة بين النساء والرجال في قوائم المترشحين؛ فقد يتبين في النهاية أن أغلب القوائم حادت عن احترام هذه القاعدة، ليسفر ذلك عن سقوط مدوٍّ للمرأة في التمثيل النيابي مقارنة بالانتخابات السابقة، حيث شهدت الانتخابات البرلمانية عام 2017م استحواذ النساء على 120 مقعداً من أصل 462، بينما شهدت الانتخابات التي جرت عام 2012م أزهى مراحل التمثيل النسوي في تاريخ الانتخابات الجزائرية، من خلال فوز 145 امرأة بمقعد نيابي.
وبرغم حزمة القوانين والتشريعات التي أعطت للمرأة الجزائرية حقوقاً كثيرة ومشجعة على المشاركة السياسية والترشح لمختلف الاستحقاقات الانتخابية، فإنها تواجه الكثير من المعوقات النفسية والاجتماعية، التي تكبح اندماجها في المجال السياسي وتقلل من مساهمتها في عملية التغيير وحلحلة أوضاع البلاد؛ حيث ما يزال النظر إليها مقروناً بالطابع المحافظ للمجتمع الجزائري الذي يتوجس من ظهور المرأة سياسياً، على اعتبار أن هذا المجال ذكوري أكثر، ويتميز بممارسات لا تقوى المرأة على تحملها أو تقبل إكراهات الواقع السياسي، ولا سيما بعد تلطيخه بممارسات فاسدة وغير أخلاقية خلال العقدين الماضيين.
الرئيس وخيار الأغلبية
بعد إعلان النتائج، بدأت دفة النقاش العام تتحول إلى الشكل الذي سيصير إليه البرلمان وشكل الحكومة التي سيفرزها، وكيف سيتعامل الرئيس مع تركيبة المجلس، حيث بات يتمتع بفضل نتائج الانتخابات بأريحية كبيرة قد تمكنه من الاستغناء عن أحزاب الموالاة السابقة، خاصة بعد إعلان الولاء لبرنامج الرئيس الذي أطلقته الكثير من الأحزاب والقوائم الحرة الفائزة، ما قد يقود إلى تكتلات تسمح بتشكيل أغلبية رئاسية ينجم عنها حكومة يقودها وزير أول يعينه رئيس الجمهورية، كما تنص على ذلك المادة (103) من التعديل الدستوري الأخير، ويكلفه باقتراح تشكيل الحكومة وإعداد مخطط عمل لتطبيق البرنامج الرئاسي الذي يعرضه على مجلس الوزراء.
أما في حالة بروز أغلبية برلمانية غير الأغلبية الرئاسية، وبحسب المادة (110) من التعديل الدستوري، فيعين رئيس الجمهورية رئيس الحكومة من الأغلبية الفائزة، ويكلفه بتشكل فريقه الحكومي، وإعداد برنامج الأغلبية البرلمانية التي انبثق عنها.
ومهما يكن في الحالتين، فإن البرلمان والحكومة الجديدين سيواجهان الكثير من الرهانات والتحديات التي تعرفها الجزائر، ولا سيما في مجال الاقتصاد الذي يعاني من الكثير من الصعوبات، وله ارتدادات عميقة على السلم الاجتماعي، إضافة إلى ذلك؛ فإن الطبقة السياسية الجديدة ستواجه مناخاً سياسياً جديداً أيضاً أفرزه حراك 22 فبراير 2019م، ما يستدعي رؤية جديدة وتعاملاً مختلفاً عن سابقه مع الفاعلين الجدد.