العنوان الانتخابات الجزائرية.. دلائل ودروس
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 987
نشر في الصفحة 26
الأحد 02-فبراير-1992
كثيرون لم يصدقوا أن تمضي التجربة
الديموقراطية في الجزائر إلى نهاية مطافها الطبيعي بعد أن أعلنت نتائج المرحلة
الأولى من الانتخابات بفوز ساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ مع هزيمة ساحقة لجبهة
التحرير، الحزب الذي استمر يحكم منفردًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا.. ومن أجل ذلك
لم تكن ثمة مفاجأة لهؤلاء الكثيرين من التشنجات التي أصابت الأحزاب العلمانية
والأحزاب التي مازالت ترفع شعارات اندثرت وبليت وتوارت بعد أن تهاوت في عقر دارها
وعند مصدريها، كما لم يكن تنصيب مجلس على رأسه بوضياف- صبغة العسكر فيه أكثر من
واضحة وملموسة- ليحكم القبضة على مجريات الأمور والأموال والأوضاع في الجزائر
أمرًا مفاجئًا بعد أن تم تجميد الانتخابات ونتائج الانتخابات في محاولة للعودة
بالجزائر إلى نقطة الصفر على حد قول فريق من المحللين.
كثيرون أيضًا ربما ظلوا حتى اللحظات
الأخيرة يحدوهم الأمل في أن تمضي التجربة إلى آخر مراحلها حتى يكون الشعب الجزائري
الشقيق أول الشعوب العربية والإسلامية في التحرر من أصفاد الحكم الشمولي الذي ساد
وظل معمرًا في الجزائر وكثير من ديار العرب والمسلمين طوال الفترة الممتدة منذ
جلاء الاستعمار العسكري الأجنبي ورفع رايات الاستقلال حتى اليوم إلا أن تطورات
الأحداث التي أعقبت نتائج الجولة الأولى للانتخابات ومضت على النمط وبالأساليب
الفجة المعهودة والمعروفة في إلغاء إرادة الشعوب وإهدار حقها في الاختيار الحر دون
قيود ودون تزييف وضعت الجميع الذين أحسنوا الظن وتعلقوا بحبال الآمال حبًا في
الجزائر العربية المسلمة والذين غلبت عليهم الشكوك منذ البداية فلم يفاجأوا عند
انتهاء المسلسل بالإعلان عن واحد من المجالس المعروفة والمشهورة في كثير من ديارنا
تتربع على قمة السلطة تحاول أن تتجمل أو تتزين أو تتوارى وراء رموز حظها في
الانحياز إلى حرية الرأي والاختيار ضئيل إن لم يكن معدومًا وضع الجميع كما وضع
الشعوب والأنظمة الحاكمة والشمولية منها على وجه الخصوص أمام عدد من القضايا التي
صارت بعد تطورات الجزائر الأخيرة أكثر من محسومة ومن ذلك.
|
* إن أعداء النظم
الشمولية للإسلام كمنهج حياة هي التي تحرك النظم الأخرى ضد العمل الإسلامي. |
إن الشعوب على مستوى عالمنا وخاصة تلك التي
ظلت ولسنوات طوال تعاني تحت قهر الحكم الديكتاتوري والذي استند فيها إلى تأييد
ودعم المؤسسات العسكرية بعد تطويعها وتطبيعها ورفع شعارات اليسار والماركسية ثم
شعارات الغرب والرأسمالية وأعلن الحرب شعواء على التقاليد والأعراف والقيم في
محاولة لاجتثاث الجذور وتغيير الصبغة ظلت متمسكة بجذورها معتزة بهويتها حريصة على
صبغتها متشبثة بقيمها وتقاليدها منحازة لإسلامها لا يصرفها ولا يحولها عنه ضغوط أو
قيود وتدرك عن إيمان ويقين راسخ أن في نظامه ونهجه خلاصها من أزماتها ونهوضها من كبوتها
وعودتها إلى سالف عزها ومجدها وتبقى صناديق الاقتراع الحر النظيف هي الحكم الصحيح
الذي يميز بين مزاعم النظم المستبدة وحقيقة اتجاه وتوجه الشعوب.
العداء للإسلام
إن عداء النظم الشمولية للإسلام كمنهج حياة
وشريعة تنظم وتضبط وترتب أمور العباد هو الذي يحرك هذه النظم ضد العمل الإسلامي
بكافة فصائله وجماعاته وهو الذي يدفعها لإشهار كل أسلحة القهر ضد الدعاة إلى الله
وبشتى الوسائل وأيضًا هو وراء تسخيرها لأجهزة الإعلام لتعلن حربها بكافة أنماطها
ضد دعاة الإسلام والعاملين في حقل دعوته كما أنها وراء احتضان تلك النظم لزمرة
المتحللين والعابثين والمروجين لشتى الأفكار والاتجاهات التي تقوض وتهدم.. وجميع
العاملين في حقل الإسلام ودعوته هم في نظر هذه النظم الحاكمة إرهابيون متخلفون رجعيون
يسعون لاغتيال الحريات وتصفيد النساء بالأغلال والعودة بالعباد إلى ظلام قرون
الجهل والجهالة.
وإلا فما الذي يمنع هذه النظم من تطبيق شرع
الله من خلال أجهزتها ومؤسساتها وقطع الطريق على الجماعات والجبهات الإسلامية إذا
كان عداء النظم الشمولية في حقيقة كما يزعم رموزها وأبواقها إنما هو عداء لهذا
الجماعات وقياداتها؟!
أيضًا لماذا يصر الأحرار من جانب هذه النظم
المستبدة على الادعاء بأنها وحدها التي تعمل لصالح الشعوب ووحدها التي تعرف
مصالحها ووحدها القادرة على التمييز بين ما فيه خيرها أو شرها دون إتاحة الفرصة
ولو مرة أمام هذه الشعوب كي تقول كلمتها في حرية ودونما إرهاب؟!
فقدان
الشرعية
أيضًا من أين استمدت هذه النظم ما تزعمه من
شرعية في وصايتها التي تفرضها على الشعوب قسرًا وتحت أسنة الحراب وفوهات البنادق
ولسنوات طالت واستطالت حتى باتت تقترب من الأربعين عامًا بالنسبة لبعض الشعوب التي
غلبت على أمرها وسلبت إرادتها.
إن حرمان الدعاة إلى الله من حرية العمل
والدعوة وأيضًا حرمانهم من كل وسائل الإعلام التي ينهضون من خلالها بجانب من
دعوتهم أو يردون عبرها على الأباطيل والدعاوى المغرضة مع إتاحة الفرصة وإفساح
الساحة واسعة أمام الأدعياء والمرتزقة والمتغربين والمتحللين لمهاجمة القيم وتشكيك
الناس في عقيدتهم والتهجم على شخص نبيهم والطعن في شريعة ربهم إنما تؤكد كلها على
عداوة النظم الشمولية لتوجهات شعوبهم لأنها في الأساس تعادي الإسلام شرعة الله
ونظامه ومنهاجه لعباده.
وإذا كانت انتخابات الجزائر بنتائجها وما
لحق بها من ردود أفعال من جانب الحكم قد عرت النظام الجزائري الحاكم وكشفت عن وجوه
أعضاء المجلس الحاكم الجديد وعرتها من كل الرتوش فإنها أيضًا عرت أدعياء
الديموقراطية ودعاة العلمانية الذين طالما زعموا أنهم مع نظام الانتخابات الحر
وأنه وحده السبيل على نمطه الغربي لإلقاء الأضواء على حقيقة الاتجاهات ووحده مقياس
الأحجام والأوزان وأن على الجميع أن يرضوا بنتائجه ويقبلوا بمؤشراته فلقد انتابهم
الهلع مع الإعلان عن نتائج الجولة الأولى لانتخابات الجزائر ورفضوا في تبجح
المنافقين الرضا بها، بل وازدادوا تبجحًا حين أدعو أن جبهة الإنقاذ وقبل أن تتم
المرحلة الثانية من الانتخابات وبالتالي قبل أن تصل إلى كراسي السلطة تهدد الحريات
وتروع الآمنين وتثير العصبيات والطوائف وتشعل الحرب الأهلية وستعود بالبلاد إلى
عصور الظلام وبالمرأة إلى الأغلال والقيود وبالبلاد عامة إلى التخلف والجمود وأن
جميع القوى وخاصة العسكر يجب أن تتحرك لإلغاء الانتخابات والحيلولة دون جبهة
الإنقاذ ومقاعد البرلمان والسلطة!
هكذا ألغى المتشدقون بشعارات الديموقراطية
كل شعارات الديموقراطية كراهية للإسلام أو خشية من حكم الإسلام الذي يؤكد على
احترام الإنسان واحترام حقه في الحرية والأمن وفي نفس الوقت يرفض العبث والفساد
ويأبي التحلل والأغلال ويسمو بالناس إلى مستوى المسؤولية والرسالة.
لو كانوا صادقين
والغريب والعجيب أن المتباكين على الحريات
الموءودة قبل أن توأد المهددة دون تهديد يفضحون أنفسهم حينما يقولون إن خمسة
ملايين صوت صمت أصحابها في الجزائر فلم ينحازوا لأحد هي دليل على هشاشة الانتخابات
وعدم رجحان كفة جبهة الإنقاذ، وكان الأجدر بهم لو كانوا منصفين أن يتساءلوا عن
حقيقة الأسباب وراء صمتها كما كان أولى بهم لو كانوا صادقين، أن يتساءلوا عن شعوب
بأسرها لاذت بالصمت حين أجريت للرئاسات المستبدة وللمجالس التشريعية المزيفة
انتخابات ثم جاءت النتائج ودونما خجل تزعم فوز الرئاسة بتسعة وتسعين ومثلها من
المائة في المائة!
أمر آخر وليس بأخير.. لقد جاءت انتخابات
الجزائر وفي هذا الوقت لا لتفضح نظم الحكم المستبدة فقط وتعري سياساتها من خلال
حصاد الخسارة والغرم ولكن أيضًا لتؤكد لدعاة الإسلام أن الشعوب معهم على الطريق..
لا لأشخاصهم ولكن لإسلامهم وأنهم موضع الثقة والأمل.. طالما بقوا على الفهم الصحيح
للإسلام الصحيح الذي يرعى الحرمات ويصون الحريات ويحقق الأمن والأمان ويجتث جذور
الفساد ويرسي معالم وموازين العدل والإنصاف ويحرص على تكريم الإنسان في مجتمع
شعاره الطهر والأمانة والرحمة والإحسان.
* رئيس تحرير مجلة لواء الإسلام القاهرية