; الانتخابات الرئاسية في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الرئاسية في الجزائر

الكاتب محمد مصدق يوسفي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 06-أبريل-1999

الانتخابات الرئاسية في الجزائر

محفوظ نحناح رئيس «حركة مجتمع السلم» لـ المجتمع:

إقصائي من الترشح للرئاسة أفاد «حمس» وضرب مصداقية النظام

حوار: محمد مصدق يوسفي

* الإقصاء عمل ماكر يجعل الطعن في مصداقية الرئيس المقبل سيفًا مصلتا على رقبته قبل وصوله!

* إذا لم يتم نزع الألغام من الانتخابات المقبلة فستكون بداية لأزمة جديدة مجهولة العواقب.

رفض المجلس الدستوري بالجزائر الذي تشكل للنظر في جدارة المتنافسين للترشح في الانتخابات الرئاسية 15 أبريل الجاري- قبول ترشح محفوظ نحناح رئيس حركة «مجتمع السلم» لهذه الانتخابات مما سبب صدمة كبيرة للدوائر السياسية والشعبية داخل البلاد وخارجها، نظرًا لكون نحناح من أكثر العناصر المرشحة للفوز بمقعد الرئاسة.

وفي هذا الحوار مع المجتمع يشرح رئيس «حمس» كيف استقبل خبر الرفض؟ وماذا يقول عن الأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار؟ وآثاره سواء على صعيد ما قبل الانتخابات أو بعدها.. على عموم «الشأن الجزائري».

* لماذا كان رد فعل «حمس» أشد غضبًا من ردود فعل أي مرشح آخر رفض المجلس الدستوري قبول ترشحه؟

* إنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة التي تعرضنا فيها للإقصاء والتعسف، فعشية الاستقلال وبعد مشاركة جماعية في ثورة التحرير تعرض تيارنا الوطني الإسلامي إلى التهميش والإقصاء نتيجة صراع طائفة 62 ومن المعارضين من حملوا السلاح آنذاك، ومنهم من سجن مثلما حصل لمحمد بوضياف وهو أبو الثورة الجزائرية، ومنهم من توفي تحت الإقامة الجبرية مثلما حصل لمحمد البشير الإبراهيمي، وبرغم ذلك، واصلنا نضالنا، ووقفنا في وجه التوجه الأحادي والخيارات الاشتراكية في عهد الراحل هواري بو مدين، ودعونا حينها، وفي وقت مبكر، إلى توسيع هوامش الحريات، وفتح المبادرة الاقتصادية، وبرغم أن النظام واجهنا بالضغط إلا أنه وبعد مدة فتحت أبواب الحريات، واليوم وبعد عمل دؤوب وخصوصًا بعد الأزمة الدموية التي جاءت نتيجة للإقصاء والحسابات الضيقة وغير المحسوبة وغير الإستراتيجية، والتي كانت وراء إقصائنا، فاليوم نحن أمام حلقة أخرى من حلقات النضال من أجل الحريات السياسية والاقتصادية، ومن أجل الدفاع وصيانة حقوق الإنسان في الإطار السلمي والقانوني، وقد تمكننا من نشر ثقافة السلم والقانون في أوساط المناضلين والمواطنين ونحن اليوم مزودون بوسائل وآليات عصرية لحماية حقوقنا المغتصبة، وفي بلادنا مخلصون في كل المواقع، وفي العالم عقلاء ومدافعون عن الحقوق لأن قضيتنا هي من القضايا المتعلقة بجوهر حقوق الإنسان في العالم، ونحن برغم ما حدث لنا مستمرون في تعميق الفعل السياسي الديمقراطي التعددي الجمهوري، متمسكين بمبادئنا، وقيمنا الحضارية، ومستفيدين من التجارب الإنسانية في العالم.

ونحن ممن أسهم في إعادة العافية لمؤسسات البلاد، ومنها المجلس الدستوري الذي أبى إلا أن يركب رأسه متجاوزًا قناعاته القانونية والتاريخية ويقضي بإقصائي من التنافس متجاوزًا المواد الدستورية، وهاتكا ستره وسترها، بما يؤدي بشكل حتمي إلى فكرة انخداش الشرعية وانسداد المصداقية، خصوصًا أن الأمر لا يتعلق بوثيقة كما أراد بعضهم أن يزج بنا في المهاترات حولها، وإنما يتعلق بمصير حقيقة الانتخابات التي غيبنا عن التفاعل معها حتى تتمكن أصابع التزوير من أن تعبث كيفما تشاء بالأرقام والمكاتب والنتائج في غياب مراقبتنا الفعالة حزبيًا وشعبيًا

قفز فوق الحقائق

* كيف تفسرون قبول ترشحكم في انتخابات 1995م ورفض ذلك في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

* لا فرق من ناحية الشكل ولا المضمون بين الموعدين الانتخابيين، فالشخص نفسه والمادة القانونية نفسها، ورئيس المجلس الدستوري نفسه، ورئيس الجمهورية هو نفسه، إنما الذي تغير هو الحسابات الضيقة، وإرادة التعفين، والرغبة في إفراغ الانتخابات من محتواها، والعمل على الاستمرار في اللاشرعية واللا استقرار، ولذلك انعكاسات مباشرة على ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها وثقة المتعامل الاقتصادي والمستثمر الوطني والأجنبي في دخول عالم الاستثمار المتاح بقوة في الجزائر، وهو بذلك تعطيل لقدرات وإمكانات بلد مثل الجزائر يمكنه أن يشارك في استقرار منطقة المتوسط، وأن يؤدي دورًا كبيرًا في إرساء الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة، وفي العالم.

إن الممارسات التي تعرضنا بموجبها للإقصاء تنم عن تخلف عميق، وضيق في الأفق، وغياب بعد النظر، وتلك هي مصيبتنا في الجزائر، وهي من التحديات التي تواجهنا في الدخول القوي إلى الألفية الثالثة، وليكن في علم الديمقراطيين أننا طلبنا إظهار حقيقة لجنة التحقيق البرلمانية في الانتخابات السابقة، وألححنا على ذلك، فتم الرفض وهرب رئيس لجنة التحقيق، وطوق المسؤولون موضع التحقيق ولغموا به الرئيس المقبل من أجل العودة إلى نقطة الصفر.

كما أن رفضهم إياي ومنعي من الترشح هو نتيجة طبيعية لخلط الأوراق ومحاولة تغيير الخارطة السياسية، وضاعف من هذه المحاولات إقصاء مرشحين آخرين بإمكانهم أن يحدثوا توازنات حيوية، وتجسدت هذه الخشية في توفير مناخ جغرافي وانتخابي يفرض التوجه نحو شخص واحد فقط.

إذن: المتغير الوحيد هو الرغبة في التعسف والقفز فوق الحقائق، لأن الشعب أعطى صوته لمحفوظ نحناح عبر كل عمليات سبر الآراء المتعددة التي امتنعوا عن إظهارها للرأي العام.

* معلوم أن قرار المجلس الدستوري نهائي وغير قابل للطعن فيه، لم مواصلة الاحتجاج إذن؟

* إن عملية الاحتجاج تعبير شعبي وقاعدي عن رفض الإقصاء وهو دلالة على الوعي المتنامي في المجتمع الجزائي، الذي أصبح يعرف كيف يعبر عن إرادته، وعن رفضه لكل الأشكال المنافية للممارسة الديمقراطية، وذلك في إطار سلمي، وفي إطار القانون، وهو مؤشر على أن مدرسة السلم والمشاركة تركت بصماتها في المجتمع.

ولقد جاء قرار الإقصاء بنقيض ما كان يقصد منه، إذ توالى التأييد والمساندة الشعبية والتعاطف معنا لمظلوميتنا، بما حقق لنا ارتفاع الحجم الانتخابي وارتفاع نسبة السخط والتذمر من النظام السياسي الذي اتسعت هوة فقدان الثقة فيه، وأحس كثير من الأوساط بالتعسف والعدوانية علينا، وتحرك بعض الشخصيات المرشحة للرئاسة ونددوا كما تحركت الأحزاب الخمسة ونددت وأدلت إطارات الثورة بشهادتها في مشاركتنا الفعلية في حرب التحرير، وأصبح النظام والمجلس الدستوري يعاني عقدة التزوير والانقلاب المسبقين، ورب محنة صاحبتها محنة! ولم يكن هذا إلا في إطار السلم ووفق قوانين البلاد وننتظر الآن مزيدًا من التعسف الذي سيفضح المورطين والمغرضين لا محالة.

مؤشرات لفرض مرشح بعينه

* أكد البيان الختامي لحركتكم أن قرار إقصائكم جائر ومتعسف وأن ذلك بداية للتزوير والتلاعب بالانتخابات، فهل تعتقد فعلًا أن نتيجة هذه الانتخابات معروفة منذ البداية؟

* الذي خطط لعملية الإقصاء هدفه القضاء على الفعل الديمقراطي، وإجهاض التعددية الحقيقية بالدرجة الأولى، لأن عملية الإقصاء لا يمكن عزلها عما حدث للطبقة السياسية من تمزيق وانقسامات وتدجين على اختلاف توجهاتها وأفكارها، ولما استعصى عليهم الأمر بالنسبة لحركتنا برغم المحاولات الكثيرة والضغوط المتكررة عملوا على القيام بعمل مفضوح كان انتكاسة عليهم بدرجة أكبر، وسترون مع الزمن نتائج هذا الفعل على من خطط له، ومن نفذه.

إن المتضرر الأول من عملية الإقصاء هو مؤسسات الدولة التي التزمت الحياد والنزاهة الدولية إنما يخطط لمزيد من «التعفين» الذي عملنا رفقة المخلصين على إزالة الجزء الكبير منه عبر المرحلة الانتقالية وخصوصًا عبر انتخابات 1995م.

والمتضرر كذلك هم المترشحون للرئاسيات الآن المطعون شعبيًا في مصداقية مشاركتهم ونحن لم نرغب أن نكون  عقدة لزملائنا الراغبين عبر الترشح في الإسهام في حل الأزمة وكان لدينا العزم على التعاون مع الجميع لخدمة وطننا.

إلا أن الذي عمل على إقصائنا أراد توجيه ضربات موجعة والطعن في مصداقية الرئيس القادم قبل وصوله وهي إرادة ماكرة تتنافى مع الأخلاق والقيم الإنسانية وتتعارض مع نص القانون والدستور.

والمتضرر أيضًا هو المجتمع الدولي الذي يدخل ينادي، ويدعو إلى الديمقراطية والتعددية والشفافية وحقوق الإنسان من أجل تعميق المشاركة مع الجزائر، ويبدو لنا بالأدلة أن محاولة فرض أحد المرشحين على الشعب أصحبت واضحة ومن دلائلها:

- ارتفاع نسبة الناخبين التي وصلت في خلال سنة إلى سبعة عشر مليون ناخب بعد أن كان العدد خمسة عشر مليون ناخب.

- إرغام الأحزاب وبعض المنظمات والجمعيات على المساندة.

- تكليف الإدارة بشكل سري للوقوف إلى جانب هذا المرشح.

- إقصاء المرشحين المنافسين في الجهة والمرشحين الذين يملكون القدرة على مراقبة الانتخاب، ورفع شعار نزاهة الانتخاب.

- توريط بعض الأجهزة الأمنية للوقوف إلى جانب المرشحين المعين.

- تمييع دور اللجنة المستقلة لمراقبة الانتخابات.

- رفض تعديل قانون الانتخابات.

- رفض وجود لجنة برلمانية لمراقبة الانتخابات.

لا نتصرف بردود الأفعال

* يتوقع الكثيرون أن يكون رد فعلكم المقبل الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، هل ذلك فعلًا ما تنوون فعله؟

* إن حركة «مجتمع السلم» حركة واعية ومسؤولة ولا تتصرف بردود الأفعال، لذلك فالحديث عن موقفنا من الانتخابات من السابق لأوانه برغم قدرتنا على إعادة فتح اللعبة الانتخابية بشكل نهائي أو غلقها بشكل نهائي في أي لحظة، وفقًا لما تقتضيه مصلحة وطننا وشعبنا وما يمليه علينا ضميرنا الوطني والقومي والإسلامي وبما يحقق طموحات مواطنينا ووحدة حركتنا.

ونحن اليوم في مشاورات واسعة مع كل من يعنيهم أمر الانتخابات، وإننا لعلى موعد مع شعبنا في الوقت المناسب بالموقف المناسب، وإذا ما اختار غيرنا الفوز بالمقام الأول في البلاد بأي طريقة كانت، فإننا حظينا بعز والتفاف جماهيري لا يحلم به المفروضون على الشعب، وهذا ما يدفعنا لتقدير المسؤولية ونتحملها بكل صدق وأمانة رغبة في بناء المستقبل.

* ما حظوظ الإسلاميين الذين قبلت ترشحاتهم في الفوز بالانتخابات المقبلة في تقديرك؟

* الأمر لا يتعلق بالأسماء ولا بالنعوت المتداولة في الصحافة، بقدر ما يتعلق بثقة الشعب في البرامج والرجال والمؤسسات الحزبية، ولعل الذي خطط لإقصائنا استند إلى نتائج سبر الآراء المتعددة والمخفية التي كانت تؤكد جميعًا أننا نحن الفائزون بالانتخابات، ولقد صرحنا في خطاب الترشح أننا الفائزون إذا لم يحدث التحايل القبلي، والمشاكسة الإثنائية، والتزوير البعدي، ونحن اليوم أمام تزوير مسبق، وتحايل قبلي، لذلك يصعب التكهن بنتائج الانتخابات المفرغة المحتوي، ويصعب الكلام عن نسبة مشاركة مقبولة.

والجزائريون يرفضون مصطلح «الأصوليين» المتداول والمستورد، كما يرفضون الاستئصاليين والتغريبين، ويرفضون كذلك المتسترين بألبسة غيرهم أو المتسترين بالمؤسسة العسكرية.

وكان المفروض أن يقول الشعب كلمته بوضوح للواضحين، أما المتلاعبون والعابثون، فإنهم حتى وإن فازوا فإنهم لن يحظوا بالمصداقية أو الثقة، وهما أساس التعاطي بين الحاكم والمحكوم.

عنف.. وألغام

* هل يتوقف في رأيكم العنف في الجزائر إذا فاز التيار «الأصولي» في الانتخابات؟

* إن توقف العنف مرتبط بالقضاء على أسبابه التي من أبرزها الحقرة وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم، وغياب الشرعية والمصداقية المفضية إلى غياب الاستثمار، ونفور المتعامل الاقتصادي الوطني والأجنبي، وفي هذه الأجواء التي قمنا بتحسين جزء منها سابقًا عبر نزع الغطاء الديني والسياسي عن الإرهاب والعنف، لذلك فالتحديات التي تواجهنا اليوم صعبة وأهمها إقناع المواطنين بالتعبير عن مطالبهم وحقوقهم بالطرق والوسائل السلمية، وهو ما نعمل بكل قوانا في هذه الأثناء من أجل ترسيخه في المجتمع، ولنا أمل في أن شعبنا وبفضل فطنته وذكائه له القدرة على الإبداع في وسائل التعبير السلمية لرفض الظلم، والحقرة، والاستبداد.

لقد وفرت لسلبيات السلطة المتراكمة أسباب بقاء العنف، وهذه الوفرة جاءت عن قانعة لدى بعض الأجهزة المتنفذة التي يهمها أن تقتات من الأزمة الدموية لأسباب تكشفها الأيام، ولذلك توزع كثير من القيادات التي حكمت البلاد عقودًا على بعض المرشحين طمعًا في أن يستر بعضهم بعضًا.. وهذا من المستحيلات، لأن تقاليد الحكام عندنا هي تصفية الحسابات التاريخية، لذلك فالحل في قوة سياسية خارج تلك الحسابات يمكن أن تطوي الصفحة، وتفتح أفاقًا جديدة نحو المستقبل.

* وأخيرًا: كيف ترى الجزائر بعد هذه الانتخابات؟

* القائمة المعلنة من طرف المجلس الدستوري يشتم منها رائحة، «التلغيم السياسي» الذي- لا قدر الله- يكون سببًا في بروز الجمهورية بشكل خطير، وانتعاش الصراع بين الولايات التاريخية، فعلى المترشحين بدرجة أولى التفكير العميق في مآلات الانتخابات المقبلة، إذ لم تستدرك بما ينزع الألغام ويوحد الصف، ويوفر الانطلاقة السياسية والتنموية للجزائر، وإلا ستكون هذه الانتخابات- لا قدر الله- بداية لأزمة جديدة مجهولة العواقب.

لذلك، فنحن اليوم وبرغم الإقصاء المر الذي تعرضنا له نعمل بكل قوانا برفقة المخلصين في الأحزاب وفي السلطة لتدارك الوضع، وتوجيه الأحداث بما يعود بالخير على وطننا، وما يحقق أهدافنا الوطنية والقومية، وكل هذا في إطار سلمي وقانوني، كما نناضل دائمًا من اجل وجود دولة القانون التي ينصاع لها كل المواطنين، ونرفض الكيل بمكيالين، كما تفعل الشرعية الدولية.

الرابط المختصر :