العنوان الانتخابات العامة المبكرة في الهند: والمراهنة على أرواح المسلمين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 939
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 31-أكتوبر-1989
سوف تُجرى
الانتخابات العامة في الهند في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر القادم، أُعلن ذلك
بعدما مُني حزب راجيف غاندي الحاكم بنكسة في مجلس الشيوخ حيث فشل في الحصول على
الموافقة على قرارين منفصلين من شأنهما خدمة الحزب الحاكم في الانتخابات
البرلمانية العامة القادمة.
وكانت المعارضة
تمارس الضغط منذ فترة طويلة لإجبار رئيس وزراء الهند على الاستقالة وإجراء
الانتخابات المبكرة خاصة بعد ظهور فضيحة مالية كبيرة وتورط بعض المقربين من رئيس
الوزراء فيها وذلك بقبول الرشوة في صفقة الأسلحة الضخمة مع شركة بوفورس السويدية.
وكان رئيس وزراء
الهند يرفض الاستجابة لمطالب المعارضة ويُصر على عدم إجراء الانتخابات المبكرة غير
أن سياسته الداخلية والخارجية أدت إلى استياء عام لدى جماهير الشعب الهندي، ولما
لم يبق أمام رئيس الوزراء الهندي أي حيلة اضطر إلى إعلان الانتخابات المبكرة
وتعتبر هذه الخطوة انتصارًا للمعارضة، وإن كان رئيس وزراء الهند يهدف من إعلانه
المبكر والمفاجئ تفويت الفرصة على المعارضة لتنظيم صفوفها، واتخاذ موقف موحد ضد
حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
انتخابات أم
مجزرة؟
يرى كل ذي عينين
أن الانتخابات القادمة ستكون أكثر الانتخابات دموية حيث تُراق دماء المسلمين
بغزارة على أيدي الأحزاب الهندوسية المتطرفة وأيدي رجال الأمن على حد سواء، وقد
بدأت فعلًا موجة من العنف ضد المسلمين في طول الهند وعرضها بسبب إصرار زعماء
الهندوس على جعل أرواح المسلمين ثمنًا للفوز في الانتخابات وكسب تأييد الأغلبية من
الهندوس. منذ أسابيع بدأت مجموعات متطرفة من الهندوس تنقل الطابوق لوضع حجر الأساس
لمعبد هندوسي على أنقاض مسجد أثري للمسلمين ويمر الموكب من الهندوس الذين يحملون
الطابوق من مناطق المسلمين بهتافات ضد الإسلام والمسلمين.. ويتعمد أن يمر بالقرب
من المساجد حتى يتمكن من استفزاز المسلمين وجرح مشاعرهم ثم الاعتداء عليهم وإحراق
بيوتهم وهدم مساجدهم. لقد كتبت مجلة الغارديان البريطانية في الأسبوع الماضي عن
خطورة الوضع وتفاقم العنف ضد المسلمين في الهند، وذكرت المدن التي أُقيمت فيها
المجازر وراح ضحيتها الأبرياء من المسلمين. وحدث يوم الثلاثاء الماضي مجزرة رهيبة
في مدينة بهاكلفور قُتل فيها أكثر من 20 شخصًا من المسلمين وأُحرقت ممتلكاتهم، وما
زال المسلمون في المدينة يعانون من ممارسات الشرطة الوحشية لزج المسلمين بالسجون
وإطلاق الرصاص عليهم أثناء فرض حظر التجول.
المحكمة تؤيد
العنف:
أقرت المحكمة
العليا تلك الاجتماعات والمواكب التي تصاحب عملية نقل الطابوق إلى موقع المسجد
الذي تقرر أن يُهدم يوم التاسع من أكتوبر "نوفمبر" ويوضع حجر الأساس
لمعبد هندوسي مزعوم، وقد جاء هذا القرار من المحكمة بمثابة صب الزيت على النار حيث
سبب في زيادة حماس الهندوس لإقامة المجازر ضد المسلمين.
موقف الأحزاب:
الأحزاب الهندية
دائمًا تراهن على أرواح المسلمين ولما كان الحزب الحاكم يشعر بالمخاوف تجاه نتائج
الانتخابات القادمة فهو أيضًا يساند بشكل غير علني خطة الهندوس لإحداث المجازر
الطائفية حتى لا يخسر أصوات الناخبين من الهندوس، كما أن الأحزاب اليمينية
المتطرفة تعتبر الحملة الانتخابية فرصة لتحقيق أهدافها لإبادة وطرد المسلمين التي
تعتبرها هدفًا رئيسيًا وجزءًا هامًا من سياستها. وإن جو تبادل الاتهامات بين الحزب
الحاكم والمعارضة حول المسؤولية تجاه المجازر الدموية يهيئ غطاء للجميع لذهاب
أرواح الأبرياء من المسلمين.
أصوات المسلمين
الضائعة:
يملك المسلمون
في الهند 50 مليون صوت صالح، على أقل تقدير، وقد كان لهذه الأصوات أثرها في
الانتخابات العامة التي أُجريت عام 1977 حيث أدى سخط المسلمين من حزب المؤتمر
الحاكم إلى إلحاق هزيمة منكرة لرئيسة وزراء الهند الأسبق أنديرا غاندي وتنحيتها عن
الحكم. كما أن أصواتهم كان لها تأثير كبير في إيصال راجيف غاندي إلى الحكم عام
1984 في أعقاب مقتل أنديرا غاندي على أيدي حرسها الخاص من طائفة السيخ. غير أن
المسلمين لم يعرفوا قيمة أصواتهم خلال أربعين سنة الماضية رغم المعاناة المستمرة
والمجازر الدموية التي أُقيمت ضدهم وأُريقت فيها دماء الأبرياء من النساء والرجال،
وظلوا مرتبطين بحزب المؤتمر الحاكم أوفياء له مع أن الحزب بدل أن يضمن لهم حقوقهم
وحريتهم سلب منهم كل شيء، وإن ارتباط المسلمين بالحزب الحاكم يعود إلى أسباب
تاريخية وأخرى اجتماعية وسياسية. فمن الناحية التاريخية كان الزعماء المسلمون من
أمثال أبي المكارم آزاد وعطاء الله شاه بخاري، وحفظ الرحمن السيوهاروي وآخرون قد
ناضلوا جنبًا إلى جنب مع غاندي ونهرو وإن كان بعضهم قد شعر بخيبة الأمل تجاه
الزعماء الهندوس الحاقدين الذين نجحوا في خداع المسلمين وجرهم. أما السبب الثاني
لركض المسلمين وراء حزب المؤتمر الحاكم فهو موقف الأحزاب اليمينية المتطرفة ضد
المسلمين، فإن تلك الأحزاب تنادي بقتل المسلمين وطردهم حيث يؤمن الحزب الحاكم
بأسلوب القتل الصامت دون إثارة أي ضجة.
أهمية أصوات
الناخبين المسلمين:
وإن استعراضنا
لأهمية أصوات المسلمين في الدوائر الانتخابية المختلفة يؤكد أهمية تلك الأصوات وإن
كان لا يوجد أي أمل أن يستعيد المسلمون رشدهم في الانتخابات القادمة. يتكون
البرلمان الهندي بأكثر من 500 عضو، وإن في 262 دائرة انتخابية تزيد أصوات المسلمين
عن 10% من مجموع الأصوات الصالحة وفي 74 دائرة انتخابية تزيد أصوات المسلمين عن
20% من مجموع الأصوات الصالحة وفي دلهي والبنجاب بلغ مجموع عدد المقاعد 238 مقعدًا
يمكن لأصوات المسلمين أن تحسم الأمر بحوالي 120 مقعدًا. كما أن في ولايتي
كارناتاكا وتاميل نادو يبلغ عدد المقاعد البرلمانية 129 مقعدًا وفي 67 منها تكون
أصوات المسلمين هي الحاسمة في تقرير نتائج الانتخابات. وفي ولايتي أوديشا وبنغال
الغربية يبلغ عدد المقاعد 77 مقعدًا وفي 52 دائرة انتخابية منها تكون أصوات
المسلمين ذات تأثير كبير. وفي ولايتي غوجارات ومهاراشترا 74 دائرة انتخابية و37
منها يكون لأصوات المسلمين أثر ملموس. كل ذلك إذا قام المسلمون بتوحيد موقفهم
واستخدام أصواتهم استخدامًا صحيحًا.
الفوضى
والانتشار في صفوف المسلمين:
أما على مستوى
الأحزاب فلا يوجد حزب إسلامي قادر على جمع المسلمين تحت راية واحدة وإن معظم
الأحزاب التي تشارك في الانتخابات البرلمانية هي أحزاب محلية وذات تأثير محدود،
فمن الأحزاب القديمة رابطة المسلمين غير أنها محصورة في كيرلا وأما في الولايات
الأخرى فلا يوجد إلا اسمها، كما أن تحالفها المستمر مع حزب المؤتمر الحاكم لم يترك
لها كيانًا خاصًا تتميز به وإن كان هذا الحزب باسمه يذكر بتقسيم الهند، ونشأة دولة
باكستان المسلمة تحت راية رابطة المسلمين. كما أن «مسلم مجلس» الذي أُنشئ لجمع
المسلمين سياسيًا لا يوجد له تأثير يذكر في غير الولاية الشمالية. كما أن مجلس
اتحاد المسلمين له تأثير محدود في مدينة حيدر أباد. وفي هذه الحالة تبقى الأغلبية
الساحقة من المسلمين في الأحزاب الوطنية سواء كانت يمينية أو يسارية ويكون نصيب
الأسد من أصوات المسلمين لحزب المؤتمر الوطني الحاكم منذ استقلال الهند والذي
يربطه بالمسلمين صلات تاريخية وهو يملك أوراقًا كثيرة للتلاعب بأصوات المسلمين.
المخاوف تجاه
مستقبل المسلمين:
المسلمون في
الهند في حالة حيرة وقلق ولا توجد قيادة حكيمة تقود المسلمين إلى طريق سليمة
وتنقذهم من معاناتهم الحالية. الحزب الحاكم يستخدم الوزراء السابقين من المسلمين
ويعمل على إثارة الرعب في قلوب جماهير المسلمين تجاه المعارضة التي تضم بعض
الأحزاب الهندوسية الحاقدة وذلك لكسب أكبر قدر من أصوات المسلمين ويذكر من بين
إنجازاته:
1. أنه حال دون تغيير قوانين الأحوال الشخصية
للمسلمين.
2. أن الهند كانت أول دولة فرضت الحظر على كتاب
سلمان رشدي.
3. أن الهند أعلنت الحداد ثلاثة أيام على موت
الخميني وذلك لكسب أصوات طائفة الشيعة.
حينما تقوم
الأحزاب الأقل تطرفًا من المعارضة بذكر سلبيات حكومة الحزب الحاكم والخسائر التي
لحقت بأرواح المسلمين خلال 40 عامًا رغم وفاء المسلمين للحزب الحاكم.. فإنما تهدف
هذه المعارضة لتشتيت أصوات المسلمين حتى لا تكون عاملًا حاسمًا في تحديد نتائج
الانتخابات. وإن انقسام المسلمين على أنفسهم وغياب الاستراتيجية الموحدة تجاه
الانتخابات وركض بعض ضعاف النفوس من المسلمين وراء المناصب ولو كان على حساب أرواح
إخوانهم من المسلمين من أهم أسباب معاناة المسلمين حاضرًا ومستقبلًا. لذا نناشد
إخواننا المسلمين ونقول لهم: إن الطريقة التي اختاروها هي طريقة الانتحار وكل يوم
تطلع فيه الشمس يزيد في معاناتهم إذا لم يتداركوا الأمر ولم يعرفوا قيمة أصواتهم.
«وهو الهادي إلى سواء السبيل».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل