; الانتفاضة.. فجرت حكومة العدو | مجلة المجتمع

العنوان الانتفاضة.. فجرت حكومة العدو

الكاتب عبدالعزيز العمري

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990

مشاهدات 57

نشر في العدد 960

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 27-مارس-1990

  • بيريز: سنشكل حكومة سلام، ونعقد اجتماعًا تاريخيًا بين إسرائيل والفلسطينيين.
  • الحوار الفلسطيني - «الإسرائيلي» سيكون قابلًا للتوقيف والتجميد، وسيهدف إلى ابتزاز وتحييد الطرف الفلسطيني.

الانتفاضة المباركة فجرت الخلافات بين حزبي العمل والليكود... ونسفت حكومة العدو نفسها، بسبب الخلافات الحادة بين الطرفين في أسلوب وطريقة التعامل مع الانتفاضة... هذه الانتفاضة الباسلة أجبرت قطاعًا واسعًا من اليهود على الاعتقاد بعقم أسلوب القمع في القضاء على جهاد الشعب الفلسطيني وتضحياته... فأرادوا تبني سياسة أخرى... ولكن للوصول إلى نفس الهدف: أمن إسرائيل، ووقف الانتفاضة، وكسب مزيد من الوقت، هذان النموذجان يمثلان الليكود والعمل... الهدف هو هو... والأطماع هي هي.. والوسائل فيها اجتهاد... ذاك يريد أن يستمر في أسلوب الحسم وتهشيم العظام وتكسير الرؤوس... وهذا يريد أن يلف ويدور ويخادع ويراوغ... من أجل نفس الشيء.

لا أشعر بالندم:

ربما تكون تصريحات الرئيس الأمريكي بوش، قد عجلت بانهيار التحالف بين الليكود والعمل، وذلك عندما قال في وقت سابق من هذا الشهر: إن الولايات المتحدة تعارض بناء مستوطنات إسرائيلية في القدس الشرقية، التي تعتبر قطاعًا عربيًا. وبعد حدوث الأزمة في الكيان الصهيوني وانهيار الحكومة، قال بوش في معرض رده على سؤال يتعلق بموضوع القدس، وما إذا كان سيعيد النظر بموقفه إزاءها، قال: «لا، لا أشعر بالندم على ما قلت بشأنها... وقال: إن تعليقاته لم تكن أكثر من تكرار للسياسة الأمريكية القديمة التي تعتبر القدس أرضًا محتلة». وإذا كان المحللون يعزون إلى تصريحات بوش أسباب انهيار الحكومة.. إلا أننا نعتقد أن العامل الحاسم الذي كان سبب ذلك وسبب الكثير من التحولات في المجتمع اليهودي سلبًا أو إيجابًا هو الانتفاضة المباركة.

شامير: كسب الوقت

إسحاق شامير كان باستمرار يناور ويحاول كسب الوقت لتحقيق مكاسب على الأرض، وفي حقيقة الأمر أنه لم يكن يومًا ما مقتنعًا بأي شكل من أشكال التسوية مع الفلسطينيين، وحتى مبادرته نفسه الداعية إلى إجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية المحتلة لإيجاد وفد فلسطيني يفاوض «إسرائيل» كانت- رغم ما يكتنفها من غموض في كثير من نقاطها- عبارة عن مناورة اضطر إليها شامير اضطرارًا للتخلص من الإحراج الذي وجد نفسه به بسبب ما يسمى بـ «مبادرة السلام الفلسطينية».. إضافة إلى رغبته ومحاولته الالتفاف على الانتفاضة المباركة، والعمل على وقفها من خلال أطروحاته تلك. وحول هذه النقطة قال سام لويس السفير الأمريكي السابق في إسرائيل، والذي يرأس الآن معهد السلام الأمريكي: لقد كان شامير في مأزق، فقد كان على وشك أن يقبل مضطرًا خطة بيكر، إلا أن ما حدث وفر له المخرج...

الأزمة... مفيدة؟

المختصون بشؤون الشرق الأوسط- داخل وخارج الحكومة الأمريكية- قالوا: إن ائتلاف «العمل- الليكود» ما كان يمكن أن يستمر أطول من ذلك على أية حال... الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي قام بجولة التقى بها بقادة كل من مصر والأردن والكيان «الإسرائيلي» وبشخصيات في فلسطين المحتلة، وذلك لكسر الجمود الذي أحاط بعملية السلام في المنطقة الشرق أوسطية... علق على النقطة السابقة قائلًا: «لقد كان ينتابني دائمًا الإحساس بأن زعامة إسرائيل من جانب الليكود أو العمل أفضل من وجود حكومة ائتلاف، التي دائمًا ما تخفق في التوصل إلى قرار مشترك، بل دائمًا ما تصل إلى طريق مسدود». وفي السياق نفسه يقول وليم كوانت، عضو مجلس الأمن القومي سابقًا: «إن السبب الرئيسي لسقوط الحكومة هو الخلافات الجوهرية بين كلا الفريقين». ويؤكد كوانت أن سقوط الحكومة هو التمهيد المناسب لدفع عملية السلام بقوله: «إن سقوط الائتلاف الإسرائيلي الحاكم قد يكون في النهاية تطورًا ملائمًا لعملية السلام... إن أية حكومة متعثرة لا تستطيع التحرك نحو أي شيء، وأعتقد أن بيكر دفع الحكومة الإسرائيلية لأقصى حد كي يحصل على رد إيجابي، لكن قد يدخل في باب التمني الاعتقاد أن شامير يمكن أن يقتنع بالقيام بدوره في اللعبة طبقًا لاصطلاحاتنا، ولهذا كان لا بد وأن تكون الأزمة حتمية، وربما مفيدة أيضًا».

تشكيل الحكومة

إثر سقوط حكومة العدو... اختلطت الأوراق مرة أخرى.. وأصبح كل من حزبي العمل والليكود في سباق مع الزمن من أجل ترتيب نفسه، وكسب التأييد من الأحزاب الصغيرة حتى يصبح مؤهلًا لتكليفه بتشكيل الحكومة. حزب الليكود... يمر حاليًا بأزمة واضحة... فعليه أولًا أن يتجاوز آثار النكسة التي أصابته بسبب حجب الثقة عن الحكومة التي يرأسها... وهي أول مرة تسقط فيها حكومة إسرائيلية في اقتراع حجب الثقة في تاريخ إسرائيل... ثم عليه بعد ذلك محاولة كسب الجولة لتشكيل الحكومة... وكان المتشددون في الحزب قد بذلوا جهودًا للإطاحة بشامير كزعيم لليكود... كما نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن شامير يفكر في اعتزال الحياة السياسية بعد هزيمته... لكن صحيفة معاريف نسبت إليه قوله: «إنني لا أرى سببًا للاستقالة». وفي السباق لتشكيل الحكومة حصل حزب العمل على «60» صوتًا- حتى الآن- وهو يحتاج إلى صوت واحد ليصبح مؤهلًا لتشكيل الحكومة.... وكان حزب شاس الديني الذي أدى موقفه إلى سقوط شامير حيث امتنع نواب الحزب «5» أو «6» عن التصويت وعرض بيريز على حزب شاس منصب وزارة المالية... لكن عند لقائه مع رئيس الكيان اليهودي، أوصى حزب شاس بتكليف شامير بتشكيل الحكومة مع اشتراط موافقة الليكود على السير في تنفيذ بنود خطة بيكر ومفاوضة الفلسطينيين. وهذا الموقف جعل موقف العمل أكثر صعوبة من ذي قبل، وإن كان ما زال يعتبر أوفر حظًا بتشكيل الحكومة من الليكود... باعتبار أنه لو لم يستطع العمل من الحصول على أكثر من «60».. فالأغلب أن يتم تكليفه بتشكيل الحكومة باعتباره الحزب ذا الأغلبية في البرلمان.

بيريز: حكومة سلام؟!

شيمون بيريز زعيم حزب العمل، أعرب عن أمله في الفوز بتشكيل الحكومة... وقال: «إننا سنشكل حكومة سلام مع الفلسطينيين... وسنقول لبيكر نعم، ونذهب إلى القاهرة، ونعقد اجتماعًا تاريخيًا بين إسرائيل والفلسطينيين، ونواصل ذلك لجلب السلام إلى إسرائيل...». وأضاف أنه يوافق على عقد المؤتمر الدولي للسلام في حالة اشتراك الأردن كطرف في المفاوضات..... وأوضح بأن حزبه عند تشكيل الحكومة لن يخيب «آمال» الإسرائيليين أو الفلسطينيين أو العالم العربي في تحقيق السلام... وذكر أن حزب العمل تقدم باقتراح إلى الكنيست لإلغاء القانون الذي يحظر الاتصال بمنظمة التحرير الفلسطينية؛ بحيث تكون اللقاءات بالمنظمة- بعد إقرار هذا التعديل- علنية وغير معاقب عليها...». ويحلو للبعض من أبناء جلدتنا أن يسبح في أحلامه وأوهامه... ويعلق هذا «البعض» من أبناء الشعب الفلسطيني ومن الزعماء العرب آمالًا على فوز حزب العمل في حكومة العدو... وهؤلاء الواهمون ليسوا «أبناء اليوم فقط... فهم الذين وجهوا من قبل نداءً للناخب الإسرائيلي ليختار السلام... موحين إليه من قبل باختيار وانتخاب حزب العمل... وهؤلاء الواهمون هم الذين حامت حولهم الأقاويل والشائعات «أو الحقائق» بدعم وتمويل الحملة الانتخابية لحزب العمل في الانتخابات قبل الماضية... ظانين أن خنجر حزب العمل «أرحم» من خنجر الليكود؟!... ناسين أو متناسين أن مصائب ومآسي شعبنا الصابر كانت في معظمها- وما أكثرها- على أيدي جزارّي حزب العمل.... وناسين أو متناسين قصدًا عن عمد أن حزب العمل هو مؤسس دولة الكيان اليهودي، وأن من بين قادته كبار المجرمين الذين ساموا شعبنا وأهلنا سوء العذاب، من أمثال بن غوريون، وموشي دايان وغولدا مائير وغيرهم.... وأن منهم إسحاق رابين وزير الدفاع الحالي الذي يصب كل يوم كل أشكال القمع والتنكيل والإرهاب على رؤوس أبطال فلسطين.

احتمالات:

وعلى كل الأحوال، يمكننا القول أن شكل حكومة العدو القادمة لا يخرج- في الأغلب- عن أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:

  • الأول: أن يشكل حزب العمل الحكومة بالتحالف مع بعض الأحزاب الصغيرة.
  • الثاني: أن يشكل حزب الليكود الحكومة بالتحالف مع الأحزاب الدينية واليمينية المتشددة.
  • الثالث: أن يصار إلى تفاهم وائتلاف جديد بين حزب العمل والليكود برئاسة أحدهما «العمل على الأرجح».

ومستقبل التسوية- التي يراهن عليها البعض- سيكون محكومًا بشكل الحكومة القادمة.

  • ففي حال تولي حزب العمل لرئاسة الحكومة دون مشاركة الليكود... يغلب على الظن أن يحاول الإيحاء بأنه قد وفى بوعوده... وبالتالي فسيمشي حزب العمل شوطًا في طريق التسوية الطويل، الذي يمكن للطرف «الإسرائيلي» أو الطرف الفلسطيني تحديد بدايته... ولا يمكن تحديد نهايته... فقد يفتح حوارًا مع المنظمة... ويبدأ بجولات حوار جديدة... كتلك التي بدأتها واشنطن بكل ما رافقها من ضغوط ومحاولات ابتزاز وتحييد وترويض... وهذا الحوار سيكون قابلًا للتوقيف أو التجميد في أية لحظة يبدي فيها الطرف الفلسطيني طموحات ومطالب أكثر من الحدود التي تسمح فيها سياسة العمل.

ثوابت «إسرائيلية»

  • وفي حال تشكيل الليكود للحكومة بمفرده.... فمن الواضح أنه حتى أحلام الواهمين بتسوية ستتبخر أمام إصرار الليكود على عدم التعامل مع منظمة التحرير، واستمراره في طرح شعار «إسرائيل الكبرى».
  • أما الاحتمال الأخير.. فيبدو أن نصيبه من التحقق ضعيف.. حيث سيشترط العمل للدخول في ائتلاف موافقة الليكود على تبني خطة بيكر، ومفاوضة الفلسطينيين والمنظمة... وهو الأمر الذي يُستبعد موافقة الليكود عليه... وعلى كل فهذا الاحتمال في حال تحققه يعني العودة إلى ائتلاف «على كف عفريت» كما يقولون ... وسيكون مرشحًا للانهيار أمام أية أزمة محتملة. وعلى كل الأحوال.. دعونا لا نستبق الأحداث... لكن من المناسب التأكيد والتذكير بثوابت، لا نظن أن العمل أو الليكود سيتجاوزها، هذه الثوابت «الإسرائيلية» تقول أولًا: أنه لا للدولة الفلسطينية المستقلة مهما كانت الظروف والأحوال.. وهذه سياسة «إسرائيلية» يجمع عليها اليهود بمختلف انتماءاتهم الحزبية. وتقول هذه الثوابت ثانيًا: إن أية تسوية يمكن أن يقبل بها العمل أو الليكود سوف لن تخرج عن كامب ديفيد والحكم الذاتي شكلًا ومضمونًا مع إمكانية لبعض التحسينات والتجميلات لتسويقه فلسطينيًا وعربيًا. هذه ثوابت العدو... فما هي ثوابت الطرف الفلسطيني؟! ولكن يبدو أن سياسة الاعتدال والواقعية جعلت البعض يتنكر لكل الثوابت والمبادئ.... ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

الرابط المختصر :