الثلاثاء 27-ديسمبر-1988
- القوقا: مرحبًا بالدولة الفلسطينية مكسبًا سياسيًا ولا مرحبًا بالاعتراف والتنازل
بعد أن أكملت الانتفاضة عامها الأول، تدور في أذهان الكثيرين تساؤلات عديدة تتعلق بمستقبلها، ومدى استمراريتها، خاصة في ظل التطورات السياسية الأخيرة، وعلى ضوء توجه منظمة التحرير الفلسطينية نحو «استثمار» الانتفاضة سياسيًا... وقد رأت المجتمع أن تفتح حوارًا في هذا المنتدى الذي تنشره على حلقات، يجيب فيه بعض المهتمين والمتابعين للقضية الفلسطينية على مجموعة من الأسئلة حول مستقبل الانتفاضة ودور الحركة الإسلامية المتوقع.
ويسعدنا في هذه الحلقة أن نستضيف:
1 - الدكتور همام سعيد- الأستاذ- سابقًا- في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية.
2- الأستاذ خليل القوقا، أحد رموز التيار الإسلامي في قطاع غزة، وهو من ضمن الذين أبعدتهم سلطات الاحتلال.
3- الشيخ «أحمد السبيهي» وهو من الخطباء المصريين البارزين في الكويت.
المجتمع: هل تتوقعون استمرارية الانتفاضة؟ وما هي العوامل التي على ضوئها يمكن التوقع باستمراريتها من عدمه؟
نضج جهادي
د. همام سعيد: إن الانتفاضة لم تبدأ بقرار من أحد، وإنما هي حالة أصلية فطرية من حالات النضج الجهادي الذي هو نوع من التجديد لشباب الأمة وحيويتها كما عودتنا هذه الأمة عبر تاريخها الطويل والمتتبع لحركة هذه الأمة يلاحظ أن قوتها الكامنة تظهر على شكل انفجارات بركانية عاصفة تعصف بحالات الوهن والإعياء وتلقي عن كاهلها أشكال الظلم والاستبداد. وهذه الميزة في الأمة الإسلامية لا تتوافر في غيرها لارتباط هذه الميزة بكتاب الله تعالى وقدرته المعجزة على بعث الحياة في موات النفوس.
وأتوقع لهذه الانتفاضة أن تستمر حتى تحقق أهدافها بالرغم من كثرة الخسائر البشرية والجراح النازفة والآلام التي لو وزعت على إضعاف هذا الشعب المجاهد لناء بها، ولكن الله تعالى هو وحده يلقي الثبات في القلوب وكما يلقي الرعب في نفوس الأعداء.
ومن أسباب الاستمرار في الانتفاضة الوعي الإسلامي العام في صفوف شعب فلسطين في كل مكان. وهذا درس لكل إنسان صادق في توجهه لخدمة أمته، خلاصته أن الإسلام وحده هو قاعدة الانطلاق والثبات.
ومن أسباب الاستمرار إدراك الشعب الفلسطيني للخطر اليهودي وأنا أزعم بأن العرب خارج فلسطين لم يدركوا حقيقة هذا الخطر بعد وما زالوا يعتبرون القضية قضية فلسطينية فحسب، وحلها بين اليهود وبين الفلسطينيين، بالرغم من كثرة الشواهد على أن الخطر اليهودي استراتيجي فهو يهدد الكويت والعراق وإيران والمغرب واليمن كما يتهدد فلسطين. إن اليهود قد اعتبروا المفاعل العراقي هدفًا استراتيجيًا لهم وكذلك المفاعل الباكستاني وأما الشعور العربي فما زال للأسف باردًا أمام هذا العدو الاستراتيجي. أقول: إن الشعب الفلسطيني أدرك هذه الحقيقة من خلال قربه من النفسية اليهودية ومعرفته بها. لذلك فإن الانتفاضة بالنسبة لهذا الشعب هي الحياة الطبيعية.
لقد أدرك الفلسطينيون أن الفكرة اليهودية العفنة المتحوصلة عبر آلاف السنين لا يمكن أن تغير طبيعتها، ولا يمكن التفاهم معها، ويستحيل عقلًا التعايش معها.
معادلة الانتفاضة لا تزال قائمة
خليل القوقا: إذا أردنا الوقوف على قمة الانتفاضة المباركة في فلسطين المحتلة، وأطلقنا لبصرنا العنان، نحاول أن نرى نهاية في الأفق لها، فإننا سنبذل جهدًا لا جدوى من ورائه حيث إننا لم نتعرف على مدى استمرارية الدوافع التي فجرت الانتفاضة- منذ اثني عشر شهرًا خلت-، ولم نسأل أنفسنا: ماذا حققت الانتفاضة من تلك المطالب التي رأت في تحقيقها إنهاء المشكلة شعب انتظر أربعين عامًا؟!... وعليه، فمن خلال دراستنا لدوافع الثورة الشعبية في الداخل، يسهل علينا معرفة ما تحقق منها، وعندها يكمن التوقع فيما إذا كانت الانتفاضة ستستمر أم ستتوقف أو توقف!
إن «معادلة» الانتفاضة لا تزال قائمة وليس هناك قابلية لإسقاط أو شطب أي رقم منها، فاليهود لم يسحبوا جيوشهم، والمستوطنون يواصلون بناء مستعمراتهم، وقادة الكيان لا يزالون يصرون على سياساتهم في بناء إسرائيل الكبرى وإذن لماذا ستتوقف الانتفاضة؟... وهل تحققت مطالبنا حتى تتوقف؟
الثورة ماضية
أحمد السبيهي: أفضل تسمية ما يدور في الأرض المباركة بـ«الثورة المجاهدة» فهذا أليق بها... وأتوقع أن استمراريتها أمر حتمي، إذ إن الشعب الفلسطيني- بعد أن تجرع المذلة، وآمن بضرورة العزة، التي هي نبض حياته، وتلفت حوله باحثًا عن بديل- فإذا الحلول كلها لا تمسح عنه شيئًا من همومه.
وإذا أيقنا أن الشعب حين انطلقت شرارته الأولى كانت من مساجد غزة وجامعتها الإسلامية، وعرفنا أن الشباب استقبلوا رصاص العدو بقلوب راضية.. وإذا توافرت المعلومات عن ماهية هؤلاء الشباب، وأنهم يعتبرون قتلاهم شهداء وحيث تواترت الأنباء من داخل المعتقلات أن المعتقلين ينفقون أوقاتهم في تلاوة القرآن، وصلاة القيام، والضراعة لله، ويتواصون بالصبر في مواجهة المحنة، وبعد أن عرفوا أن التحرير لا يأتي بغير دماء، فاسترخصوا ما يقدمون من تضحيات فداء لهذه الأرض المباركة... بناء على كل ذلك، يقيننا أن الثورة ماضية قدمًا ولا خوف عليها، إلا من بني جلدتنا.
والقادمون من الوطن الأسير يتحدثون لنا من منطلق الصلابة والاستعلاء، الذي يحكم تصرفات الناس هناك... ويتحدثون عن نماذج من الإيثار تكاد تبلغ بالقوم مستوى تضحيات السابقين الأولين.
المجتمع: يرى البعض أن الانتفاضة ينبغي استثمارها وتجييرها سياسيًا، وإلا فإنه لا فائدة من استمراريتها بصورتها الحالية... إلى أي مدى تتفقون مع هذه المقولة، وما هو رأيكم في ذلك؟
الصفقة الدنيئة
د. همام سعيد: الذين يرون هذا الرأي يدخلون في زمرة العرب الجاهلين لطبيعة اليهود كما أسلفت، ولا نريد أن نتهمهم بغير ذلك. لأن محاولتهم هذه ليست في صالح الانتفاضة ولا لصالح الشعب الفلسطيني ولا لصالح البلاد العربية ولا لصالح العالم الإسلامي لأن مصلحة هؤلاء جميعًا استمرار الانتفاضة لأن المنطق السليم يقول: إن الذي يقف أمام عدوك الأكيد عليك أن تناصره حتى ولو كان أقل في العداوة من العدو الأول فكيف والمناصرة مطلوبة لإخوة مجاهدين يقومون بأعظم الواجبات ويؤدون أكبر الأدوار في تاريخ هذه الأمة... لقد كان من الممكن الوصول إلى هذه الحلول المطروحة قبل الانتفاضة دون شهداء ولا جرحى ولا معتقلين... ثم ما هي هذه الحلول؟ أن تقام دولة هزيلة على 15% من أرض فلسطين؟ وأن يتنازل أصحاب الحق عن 85% من أرضهم؟ إنني أشبه هذه الصفقة الدنيئة بتصرف السفيه في ماله أو تصرف ولي اليتيم الظالم في مال يتيمه وهي تصرفات باطلة من أساسها.
لا مرحبًا بالاعتراف
خليل القوقا: الحقيقة التي لا يمكن لمتابع أن ينكرها، هي أن هذه الانتفاضة الجهادية لا يمكن أن تحقق أهدافًا عسكرية- بالمنظور المادي- أو أن تخلع «إسرائيل» وتلقي بها في البحر!
وفي نفس الوقت لا يجوز شرعًا وعرفًا ومنطقًا أن يكون التجيير السياسي للانتفاضة لصالح الطرف المهزوم حاليًا- وهم اليهود-!... وأن تكون نتيجة الدماء التي تسيل والأرواح التي تسفك والجهود التي تبذل التنازل عن ثلثي أرض الآباء والأجداد، والاعتراف للغاصب بما اغتصب تحت ستار «الشرعية الدولية»!
اليوم، وبعد أن اجتاز الشعب المراحل المرة التي واجهته، من البحث عن لقمة العيش إلى البيت إلى إثبات الوجود، إلى البندقية نأتي لنبارك للغاصب اغتصابه لأرضنا، ونضفي عليه «الشرعية» الفلسطينية والعربية؟
إن العودة بالانتفاضة إلى ما كانت عليه قبل اشتعالها أرحم ألف مرة من أن تكون ثمار الانتفاضة اعتراف وتسليم للكيان بأرض آبائنا وأجدًادنا، لذا فإننا نقول: مرحبا بالدولة المستقلة مكسبًا سياسيًا، ولا مرحبًا بالاعتراف والتنازل.
أحمد السبيهي: أما القول بضرورة استثمار الانتفاضة سياسيًا، فإن أسلوبها الذي تعتمد عليه في إقناع العالم بحق كاد أن ينسى، لا يتوافق مع الصبغة السياسية التي يضفونها عليها، فالذين بذلوا- في سخاء- دماءهم، وأنفقوا- بغير تردد- أوقاتهم، وهجروا أعمالهم ودراستهم لن يقنعوا إلا بالوطن الكامل، يعود إليهم عزيزًا مرفوع الرأس... لذا فإن استثمار الانتفاضة بالشكل الذي نراه الآن، ليس مناسبًا، ولا أظنه سيحقق طموحاتنا، أو يلبي حقوقنا.
المجتمع: ما هي توقعاتكم لدور الحركة الإسلامية المستقبلي، على ضوء بروزها الواضح في الانتفاضة الحالية؟ وماذا تنصحون الحركة الإسلامية بهذا الخصوص؟
اجتماع الحركات الإسلامية
د. همام سعيد: إن الحركة الإسلامية هي الأساس في إيقاظ الوعي في هذه الأمة بعد أن جنت عليها الشعارات البراقة من قومية ونضالية!! ثم باءت بالفشل لا أقول الفشل العملي فحسب بل الفشل الفكري والنفسي حيث كان المستفيد الأول من جميع هذه الشعارات العدو. ويبقى على الحركة الإسلامية دور عظيم يبدأ بالتعريف وينتهي بالتنفيذ.. وأجمل بعض الواجبات الملقاة على عاتق الحركة الإسلامية:-
1- التوعية بالخطر اليهودي حتى يرى كل مسلم هذا الخطر شاخصًا أمام عينيه... ونحن بحاجة إلى تعبئة إعلامية إسلامية عالمية وأن يكون هذا الهدف نصب أعيننا حتى نصل بالمسلمين إلى أعلى درجات الشحن الفكري والنفسي.
2- اختبار العالم الإسلامي خط الدفاع الأول عن قضية الإسلام والمسلمين في فلسطين وأن يتحمل كل إنسان مسؤوليته كاملة.
3- التهيئة للجهاد بالمال والنفس والدعوة إلى حوار الحكومات الإسلامية حول هذه الأخطار التي تهددها لكي تشعر بواجبها نحو تمكين الحركة الإسلامية من ميادين التربية والتوجيه والإعداد والجهاد... ولعل هذا هو الوقت المناسب لتفهم دور الحركة الإسلامية... وكل أشغال للطاقات الإسلامية بغير عدوها وعدو الأمة ليس في مصلحة أحد.
وإنني أقترح الدعوة إلى اجتماع الحركات الإسلامية والعاملين للإسلام على هذه القضية الموحدة لجهودهم وصياغة ميثاق عمل يجمع الجهود ويوظفها في خدمة هذه القضية الكبرى.
4- وأدعو إلى إيجاد صندوق دعم لصمود الأهل في كل بيت وفي كل مدرسة وفي كل مسجد وأن ينظر إلى أن المعركة طويلة وتحتاج إلى الكثير من الجهد والمال.
اعتبار يوم 8\12\87 يوم بدء تحرير فلسطين وليستمر العمل صعدًا بإذن الله حتى تقوم دولة الإسلام على أرض فلسطين لتكون دولة الوحدة لأنه فيها جميع مقومات الوحدة وأسبابها فالباكستاني المسلم والأمريكي المسلم يشعران أن أجسامهما في بلادهما وقلوبهما في فلسطين الإسلام والمسلمين.. فهي الأرض المباركة وكل نفقة على أرضها مباركة وكل جهد في سبيلها مبارك والذين يقصرون في ذلك سيواجهون المحق والدمار.
مرحلة في المعركة
خليل القوقا: إن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لم تنظر إلى الانتفاضة على أنها المرحلة النهائية في معركتنا مع اليهود، بل هي مرحلة أهلتها- ولله الحمد- لمواجهة الكيان الغاصب، والاستمرار في مسيرة الجهاد.
وإن حماس تعتبر أن أي انسحاب بصرف النظر عن أرضيته هو تحرير للأرض، ضاربة عرض الحائط بكل الاتفاقيات الدولية أو القرارات التي تجعل لليهود حدودًا آمنة أو استقرارًا على أرضنا أو تنازلًا عن أي شبر من ترابنا الطاهر.
وإني أنصح الحركة الإسلامية بأن ترفض بكل الوسائل والأساليب- كل قرار فيه اعتراف بالوجود الصهيوني، وكل قرار برسم حدودًا لما يسمى بـ«إسرائيل» أو حتى يرسم حدودًا للدولة الإسلامية المستقلة على الأرض المحررة.
مد الجسور
أحمد السبيهي: إن الحركة الإسلامية في فلسطين، بدأت في الطريق الصحيح، واستطاعت- في صدق وإخلاص- اجتذاب معظم عناصر الشعب في الداخل، والإسلاميين في خارج الأرض المحتلة، وأتصور أن المقاومة الإسلامية ستجد أنصارًا كثيرين يمدونها بمعظم احتياجاتها وقد تتعثر بعض الوقت حين يضيق عليها الخناق ولكنها لن تسلم لليهود بما يطلبون ولا لدعاة الصلح بما يرغبون.
وليت الحركة الإسلامية- في داخل الأرض المحتلة- تحسن الاستفادة من تجربة الجزائر وغيرها من البلاد التي استعمرت زمانًا طويلًا... وليتها تعي دروس التاريخ، ففي هذه الأرض كان الصليبيون حينا من الدهر، فلما استمسك المجاهدون واتحدت صفوفهم، وأحسنوا اختيار من يقودهم خلصوا البلاد من دنس الصليبيين، وشبيه بذلك كان زمن التتار... ولعل إخواننا في الحركة الإسلامية لم يغفلوا عن محاولات العدو هدم بنيانهم، بإشاعة اليأس بينهم ومحاولة تفريق صفوفهم، فإذا تيقظوا لذلك، فسوف يستفيدون كثيرًا... وعلى الحركة الإسلامية أن تسعى لتعميق حب الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في أنفس الناس، وتأصل روح التضحية في نفوس المجاهدين حتى يؤمن كل مجاهد أنه يدفع الخطر عن الإسلام كله مبتدئًا من فلسطين.
كما لا يخفى على الحركة أهمية الإعلام في كسب وتعاطف الشعوب والأمم الأخرى، لذا فإن الحركة مطالبة بالاهتمام الإعلامي الذي يوضح عدالة قضيتنا وحقوقنا وأخيرًا وليس آخرًا فإن الحركة الإسلامية في الداخل مطالبة بالعمل على مد الجسور بينها وبين الحركات الإسلامية خارج الوطن الأسير، لتنسيق الدعوة للجهاد والاستعانة بها في كل سبيل مشروع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل