العنوان الانتماء الصادق والتجرد التام
الكاتب د. محيي حامد
تاريخ النشر السبت 22-مايو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1903
نشر في الصفحة 54
السبت 22-مايو-2010
الانتماء الصادق والتجرد التام لهذه الدعوة يجعل الداعية ثابتا عاملا لها مجاهدا في سبيل تحقيق غايتها وأهدافها مهما اشتدت المحن الإسلامي.
إن صاحب الدعوة يدرك منذ بداية التزامه بدعوة الإخوان المسلمين وانتسابه إليها الباعث الحقيقي والدافع الأساسي الذي يحمله على العمل للإسلام والتمكين لدين الله في الأرض، من خلال منهج الإخوان المسلمين الذي أسسه ورسم خطواته الإمام المؤسس حسن البنا -يرحمه الله- كما حدد له أهدافه ومساراته ووسائله اتباعًا لمنهج الحبيب المصطفى ﷺ في تأسيس دعوة الإسلام وبناء الدولة الإسلامية الأولى.
لقد حدد الإمام الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- الإطار الفكري الجماعة الإخوان المسلمين من خلال ركن الفهم والأصول العشرين الشارحة للفهم الشامل الصحيح للإسلام، وفقا لما ورد عن الحبيب ﷺ وصحابته الكرام والسلف الصالح رضوان الله عليهم، دون إفراط أو تفريط ولذا فإنه يمثل الأساس الفكري الذي يحقق وحدة الفهم والتصور لكل من يحمل هذه الدعوة المباركة، ويعمل من أجل تحقيق أهدافها. ولقد أوضح الإمام المؤسس ذلك بقوله:» أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صحيحة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز« وبقوله -يرحمه الله-: »واذكروا جيدًا -أيها الإخوان- أن الله قد من عليكم ففهمتم الإسلام فهما نقيا صافيًا سهلًا شاملًا كافيًا وافيًا، يساير العصور ويفي بحاجات الأمم ويجلب السعادة للناس بعيدًا عن جمود الجاحدين، وتحلل الإباحيين، وتعقيد المتفلسفين، لا غلو فيه ولا تفريط، مستمدًا من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف الصالح استمدادًا منطقيًا منصفًا.. ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ (البقرة: 143) ولذا فعلى صاحب الدعوة أن يكون لديه اليقين بأن رضا الله سبحانه وتعالى يوجب على كل مسلم العمل المتكاتف الموحد لأداء التكاليف الشرعية عامة، ولإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى وفق الفهم السليم والصحيح للإسلام، كما عبر عنه الإمام البنا -يرحمه الله- في رسالة التعاليم والأصول العشرين.
إن وضوح الباعث الحقيقي والمحرك الفعلي والدافع الأساسي للعمل من أجل عزة الإسلام وإعلاء كلمة الله؛ هو الذي يعين صاحب الدعوة على الالتزام بمنهج دعوة الإخوان المسلمين في إصلاح الأمة ونهضتها ورقيها؛ للوصول بها إلى الخيرية التي وصف الله تعالى بها أمة الإسلام في قوله تعالى: ﴿و كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ (آل عمران: 110)، وكما أن وضوح الباعث الحقيقي في نفس صاحب الدعوة يتولد عنه الانتماء الصادق لهذه الدعوة المباركة وضوح الرؤية وتحري الإخلاص والصدق والعمل المتواصل.. من واجبات صاحب الدعوة والتجرد التام لها، فلا ينفك عنها مهما طال الزمن واشتدت به الخطوب؛ لأنه يدرك طبيعة الانتماء لهذه الدعوة المباركة، وأنه مين وة يبنى على منطلقات أربعة أساسية، هي:
أولًا: المنطلق العقدي؛ لأن أداء التكاليف الشرعية عامة، وإعلاء كلمة الله ي تبارك وتعالى واجب شرعي على كل مسلم.
ثانيًا: المنطلق الفكري؛ لأن الفهم السليم والصحيح للإسلام هو الأساس الذي ن يُبنى عليه العمل الإسلامي.
ثالثًا: المنطلق التنظيمي؛ لأن العمل الجماعي فريضة شرعية، وكما أوضح فقهاء وعلماء الأمة بأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالعمل لإعلاء كلمة الله تبارك وتعالى واجب شرعي، ولا يتم هذا الواجب إلا من خلال العمل الجماعي المتكاتف المنظم الموحد المتماسك البناء والمترابط الأركان.
رابعًا: المنطلق الأخلاقي لأن الأخلاق الإسلامية من الصدق والوفاء والتجرد وغيرها هي أساس العمل الإسلامي وبناء الأمة الإسلامية ونهضتها المنشودة.
ولقد عبر الإمام البنا -يرحمه الله- عن هذه المنطلقات الأربعة بقوله: إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: - إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف.
-ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
- وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع أو بخل.
- ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه، أو الانحراف عنه، أو المساومة عليه، أو الخديعة بغيره.
على هذه الأركان الأولية التي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة؛ تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتجدد الحياة لمن حرموا الحياة زمنًا طويلًا، وكل شعب فقد هذه الصفات الأربع، أو على الأقل فقد قواده ودعاة الإصلاح فهو شعب عابث مسكين لا يصل إلى خير، ولا يحقق أملًا« ..
ولذا، فإن المنطلق العقدي هو أساس لبناء الإرادة القوية والنفسية العظيمة والمنطلق الفكري هو جوهر المعرفة والإيمان بالمبدأ وعدم الانحراف عنه، والمنطلق التنظيمي متطلب أساسي لوحدة العمل والجهاد المتواصل والتضحية العزيزة والمنطلق الأخلاقي المتمثل في الوفاء الثابت والتجرد التام... إلخ؛ هو السياج الواقي للعمل الجماعي..
ولذا، فإن هذه المنطلقات الأربعة إذا قويت في نفس صاحب الدعوة ورسخت في جنبات قلبه وعقله؛ تؤدي إلى زيادة قوة الانتماء لدعوته وصدقه لها وتجرده مما سواها من الأفكار والمبادئ والأشخاص، فيكون ارتباطه بهذه الدعوة هو ارتباط مصيري، وليس ارتباطًا في وقت دون الآخر، أو في ظرف دون الآخر، وليس ارتباطًا عند الرخاء والسعة دون أن يكون ذلك في الشدة والضيق، وبذلك يكون هو الدعوة والدعوة هو لا ينفصلان بل في ارتباط دائم حتى يلقى الله عز وجل وقد أدى واجبه وما في وسعه وجهده لنصرة دعوة الإسلام والمسلمين ولإعلاء كلمة الله في الأرض، ويظل وفيا لها مخلصا لأهدافها ومبادئها دون انحراف أو زلل، وبذلك تتحقق فيه هذه الصفات التي ذكرها الإمام الشهيد حسن البنا -يرحمه الله- بقوله: «اعلموا أن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وزكاء أرواحهم، وطهارة نفوسهم، وعملهم على عقيدة واقتناع، فاختلطت عقيدتهم بنفوسهم ونفوسهم بعقيدتهم، فأصبحوا هم الفكرة والفكرة هم...«
إن هذه المنطلقات الأربعة إذا تزعزعت في النفوس أو ضعفت أو اهتزت قد تؤدي بصاحب الدعوة إلى حالة من الاضطراب أو الارتباك، والتي قد تؤدي إلى التخبط في الأهداف أو المسارات أو الوسائل، وربما قد تؤدي الضغوط المتزايدة والمحن الشديدة المباركة، و والابتلاءات بكل أشكالها المختلفة إلى اختلاط الأفكار بعضها ببعض؛ نظرًا لفتور لقول عبد الهمم والعزائم، أو قلة تحمل تبعات الطريق من تضحيات وبذل وعطاء.. وعندئذ تظهر تؤمن عليه المبررات والحيثيات الواهية التي لا تقنع عاقلًا، وربما قد يطفو على السطح بعض الدعوات التي لا تحقق آمال أو طموحات والمصالح أصحاب الدعوات والمبادئ، ومن هذه الأفكار التي يطرحها بعض الناس وغير المقنعة الغرض و للعقول والقلوب: «إن الفكر يسع ما لم يسعه التنظيم..»، وبالتالي تكون دعوة إلى الخروج كل البعد من حالة التنظيم الدقيق والعمل المتماسك المترابط إلى حالة «اللا تنظيم» والعفوية المبددة للجهود والطاقات، ومن هذه الأفكار وعدم التلم غير المقنعة أيضًا : «إن الإخوان المسلمين ما هي إلا مدرسة لتخريج الأجيال المتعاقبة بعد إعدادها وتكوينها، ثم يعمل كل فريق منها في الدعوة أي من مجالات الدعوة المتنوعة - سياسية أو عاملًا لها اقتصادية أو اجتماعية أو دعوية- دون وجود وأهدافها: أي روابط فيما بينها ..»، فيؤدي ذلك كله إلى شغلته حالة من التفرق والتشرذم والتفكك والضعف لأنه ينشد والهوان الذي لا يحقق نجاحًا للدعوة أو دائم لا نهضة للأمة الإسلامية، بل قد يؤدي إلى مزيد من التأخر والتخاذل والتراجع للمشروع الإسلامي وأهدافه المنشودة والآمال المعقودة عليه.
إن صاحب الدعوة عليه واجبات كثيرة ومتعددة حتى يستطيع أن يحقق هذا الانتماء الصادق والتجرد التام لدعوته في نفسه أولًا ثم في نفوس كل من حوله، ومن هذه الواجبات:
1- وضوح الرؤية حول منهج الإخوان المسلمين ومنطلقاته الأساسية.
2- تحري الإخلاص والصدق والتجرد في كل قول وعمل.
3- العمل المتواصل الدؤوب في جميع الظروف والأحوال، واستمرار العطاء والتضحية بكل غال ونفيس.
4- الارتباط بالفكرة ومنهج هذه الدعوة ديدة المباركة، وعدم الارتباط بالأشخاص مهما ة إلى كانت مكانتهم وعلمهم وتاريخهم مصداقا القول عبد الله بن مسعود »من كان لفتور مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا طريق تظهر تؤمن عليه الفتنة.«
5- ترك الأهواء والأعراض الشخصية بعض وحظوظ النفس والتسامي عن المنافع المادية حات والمصالح الشخصية، فيكون بذلك صاحب الدعوة جندي الفكرة والعقيدة لا جندي الغرض والمنفعة.
6- عدم التأثر بالأفكار والآراء البعيدة خروج كل البعد عن منهج الجماعة وسياساتها المعتمدة.
7- الوفاء لها فكار وعدم التلون أو الغدر بها.
وبعد، فإن الانتماء الصادق والتجرد التام من ما بعد وجود إلى سعف لهذه الدعوة المباركة هو الذي يجعل صاحب في الدعوة -بعد فضل الله تعالى عليه- ثابتًا عاملًا لها مجاهدًا في سبيل تحقيق غايتها وأهدافها: مهما اشتدت المحن والابتلاءات أو شغلته الدنيا بصوارفها وشهواتها وملذتها لأنه ينشد ما عند الله عز وجل من نعيم وة أو دائم لا ينقطع، وجزاء من الله باق لا يفنى إلى مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الشورى:36)
نسأل الله أن يجعلنا من الأوفياء لهذه الدعوة المباركة، ومن العاملين عليها حتى نلقاه سبحانه وتعالى غير مبدلين أو مفرطين... اللهم آمين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل