العنوان عضو مجلس الشعب الأعلى في اليمن الجنوبي الأستاذ فيصل عثمان بن شملان: الانفتاح الدولي تضييق أشد على الدول الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-مارس-1990
● المجتمع: ما هي علاقة
قبول الوحدة والانفتاح في اليمن الجنوبي بالبيرويسترويكا الروسية والانفتاح
الدولي؟
● السيد فيصل: لا بد لي أن أقول
أولًا أن الجبهة القومية ومعظم التنظيمات القائمة قبل الاستقلال كانت تقول بيمنية
كل المنطقة حتى أن الدولة التي حكمتها الجبهة القومية بعد الاستقلال أعطت لها اسم
جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، والتعديل الطفيف اللفظي الذي طرأ على الاسم فيما
بعد لم يمس يمنيته، وبالتالي فلا يجوز أن تُرجَع الرغبة في الوحدة القطرية اليمنية
إلى عوامل طارئة، فعواملها ثابتة أصيلة، وفي اعتقادي أن التأثير الفكري الخارجي
أولًا ثم المادي بعد ذلك صوَّر لبعض الناس صحة وضع الحصان خلف العربة كما يُقال،
فزين لهم زراعة الهواء ثم عدم قبول الوحدة إلا بقبول الآخرين للعناية بهذا الزرع.
أما كانت دعوى الوحدة والحرية والاشتراكية ككُلٍّ لا يتجزأ تسد آفاق الوطن العربي
بأسره ينساب بها نهره وبهدر بها خليجه؟ ثم لم تكن حرية ولا اشتراكية يوم لم تكن
وحدة أولًا. البيرويسترويكا الروسية - لأسباب خاصة بها - رفعت بعض الضغوط الفكرية
والمادية عن الرؤية للحزب الاشتراكي اليمني، ونأمل أن المسألة ليست رفع ضغوط فقط
بل رفع الغشاوة الكاملة عن الأبصار. ولكن التأثير الفكري والمادي المضاد للوحدة
يأتي أيضًا من قوى الهيمنة الأخرى في الولايات المتحدة وأوروبا، ولا بد من
الانعتاق من ذلك لتكون الوحدة بمأمن ليس لليمن فقط ولكن لكل قطر عربي. أما
الانفتاح الدولي فهو انفتاح متبادل بين قوى الهيمنة ولكنه تضييق أشد على الدول
الإسلامية عمومًا وعلى الدول العربية الإسلامية بوجه خاص، على أننا يجب أن نقول أن
موقف كل من الشمال والجنوب في طرحه مشروع الوحدة أمام الآخر قد تغير فجأة ولا سيما
الجنوب، فقد انقلب الرفض قبولًا بين عشية 29/11 وضحى 30/11.
● المجتمع: هل لكم أن
توضحوا لنا ماهية مشروع الدستور المطروح؟
● السيد فيصل: أعتقد أنه من
الخطأ أن نسمي الدستور الذي اتفق عليه بين السلطتين في الشمال والجنوب مشروعًا،
فربط قبول الوحدة بقبول الدستور يجعله نافذًا جبرًا، فدستور الوحدة هذا إذن اتفاق
بين سلطتين لدمج دولتين في دولة واحدة تُحكم على أُسس مبينة في هذا الاتفاق. وهو
اتفاق كان قد وُقِّع عليه عام 1981، بين الرئيس السابق علي ناصر محمد في الجنوب
والرئيس علي عبد الله صالح في الشمال وظل معلقًا بعد ذلك. وكأي اتفاق بين طرفين من
الطبيعي أن يحمل السمات المشتركة بينهما ويخفي أو يخفف على الأقل من السمات
المتعارضة بينهما، على أننا يجب ألا ننسى أن هذا الدستور قد تضمن نصوصًا لكيفية
تغييره وأعطى الحق في التغيير لمجلس نواب يُنتخب انتخابًا حرًا ومباشرًا. وبموجب
هذا الدستور ستكون دولة الوحدة جمهورية يمنية، دينها الإسلام والشريعة الإسلامية
المصدر الرئيسي للتشريع فيها، كما نص على عدالة اجتماعية ذات صلة بالإسلام، كما
كفل حق التنظيم السياسي والنقابي والمهني للجميع وجعل القضاء مستقلًا. وإن كان لي
من ملاحظة آنية عليه، فالنصوص المتعلقة باستقلال القضاء كضمانة حقيقية مع ضمانة
حرية النشاط الاقتصادي المعقول للحرية السياسية تحتاج إلى تأكيد نصي أوضح وأوسع.
● المجتمع: ماذا عن مشروع الوحدة
تاريخيًّا وحاليًّا؟
● السيد فيصل: مدلول اليمن في الأصل هو
مدلول اتجاه يعني الجنوب كما أن الشام تعني الشمال اتجاهًا، ولا أجد في التاريخ ما
قبل الإسلام وجودًا لوحدة يمنية وإذا ما استعرضنا الممالك التي قامت في جنوب
الجزيرة العربية قبل الإسلام من مملكة سبأ إلى مملكة حضرموت إلى مملكة حمير إلى
أبرهة الحبشي نجد أن أسماء الممالك تلك لا تشير إلى مملكة أو دولة يمنية وأن شمَّر
يهرعش وأبرهة هما فقط قد تسميا بذي سبأ وريدان وحضرموت ويمنة وأقيالهم وأعرابهم.
وواضح أن التسمية تنطوي على حجة معاكسة لمن أراد أن يقيم الوحدة اليمنية على واقع
ما قبل الإسلام إذا أردنا اعتبار كلمة "يمنة" إشارة لليمن وقعنا في
مدلول أن اليمن لا تضم سبأ وريدان وحضرموت. وفي اعتقادي أن دخول الناس في الإسلام
ثم جعل صنعاء عاصمة إقليم أو قطر إداري منذ بدء قيام الدولة الإسلامية في المدينة
على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سماه "اليمن" هو الذي حفر في عقول
وقلوب اليمنيين هذه الوحدة. فاليمن الإقليم أو القطر إذن يأخذ أصله وتكوينه من
إسلام أهله ومن التقسيم الإداري الأول لرسولهم وقائد دولتهم الأول ثم للخلفاء
والحكام من بعده، وقد ظل الوضع كذلك حتى حال بين الناس الاستعمار الأوروبي وربما
تغيرت أو تعددت عواصم القطر تبعًا للحكام، ولكن سلطة التقسيم الإداري الإسلامي
الأول النفسية ظلت موجودة وغير منكرة. أما حاليًّا فإن حيلولة الاستعمار البريطاني
دون تواصل الناس في الشمال والجنوب لما انقشعت ثارت كوامن حنين النفس المكبوتة
ورغب الناس في استئناف التواصل. وعلينا أن نتذكر أنه ما كان للوالي المسلم في
صنعاء حتى ولو كان إمامًا أن يعترف بمشروعية انقطاع ما بين الشمال والجنوب، ولذلك
نرى أن السعي المتبادل بين الشمال والجنوب في استئناف الوحدة أمر طبيعي ولم يستطع
تجاوزه أي من التنظيمات السياسية فيما عدا رابطة أبناء الجنوب في سابق أيامها.
● المجتمع: تُرى ما هو موقف
الشعب اليمني في الشمال والجنوب من الوحدة ومشروع الدستور، وما هو موقف الجهات
الأخرى؟
● السيد فيصل: قد أوضحت فيما سبق مرتكزات
الدستور الوحدوي والانبثاق التاريخي لوحدة القطر اليمني، وبكل تأكيد فمعظم الشعب
في الجنوب والشمال اليوم يريد الوحدة ويسعى جاهدًا إليها ولا أشك لحظة في أنه إذا
وُضعت الوحدة منفردة وبدون ربطها بالدستور لاستفتاء عام حر ومباشر ستكون النتيجة
نعم ضخمة. أما الدستور فخارج عن طبيعة الأشياء أن يُجمع عليه الناس، لا سيما أن
منابع التثقيف والتلقي قد تعددت كما قد نشأت أحزاب وتجمعات سياسية بمفاهيم خارج
الإطار العام لمفاهيم عموم الشعب، منها ما بَعُد عنه كثيرًا ومنها ما قَرُب. وكان
يقتضي العدل أن يُستفتى الناس على الوحدة أولًا، ثم تصوغ دولة الوحدة الدستور
الدائم عن طريق هيئة منتخبة بعد مناقشة ونقد عام ومفتوح للجميع حتى يُستفتى عليه
الناس فيما بعد عن بينة، فالاعتراض على الدستور حق لمن أراد أن يعترض عليه وحق أن
يُفنَّد مثالبه كما يحق لمن أراد أن يؤيده ويزين ما فيه أن يفعل. أما الجهات
الأخرى فما شأنها وشأن شعب رغب وأراد أن يستأنف وحدته؟
● المجتمع: ما هي الأحزاب التي
نشأت في الجنوب وهل يمكن إعطاء فكرة عن كل منها؟
● السيد فيصل: الوضع القانوني للتعدد
الحزبي في الجنوب لن يقوم نظريًّا إلا بتعديل المادة الثالثة من الدستور في الجنوب
تعديلًا كافيًا ثم إيجاد قانون واضح للأحزاب بعد ذلك. على أن السماح لأي فرد أو
تجمع سياسي لطرح قناعاته على الناس مرغوب فيه ومرحَّب به، وقد عبَّر الآتون عن
نيتهم في تكوين أحزاب أو تجمعات سياسية، ولم تصدر عن أي منها مواثيقها بعد فيما
أعلم. 1- التجمع الوحدوي: يرأسه السيد عمر الجاوي، والسيد الجاوي ماركسي
قديم كما يقول عن نفسه ولكن له تاريخ صامد منذ كان في إعطاء الأولوية للوحدة
اليمنية فقد عُرِف بثباته على ذلك. لذلك أعتقد أن هذا التجمع يرمي أولًا إلى تكريس
ومناصرة الدعوة إلى الوحدة وضرورة قيامها ولن يهمه في هذه المرحلة غير هذا. 2- التجمع
الناصري: ويبدو الآن كما يُشاع أن التنظيمات الناصرية المتعددة ستُصهر في
تنظيم واحد. 3- حزب البعث العربي الاشتراكي (العراق). 4- حزب البعث
العربي الاشتراكي (سوريا) لم يتضح بعد. 5- يُقال أن السيدين عبد القوي مكاوي
وشيخان الحبشي قد قام كل منهما بزيارة إلى عدن ربما للنظر في تكوين أحزاب هناك. 6-
حزب الوحدة الاشتراكي اليمني (حوشي): ويرأسه السيد جار الله عمر، وهو عضو
في المكتب السياسي القائم للحزب الاشتراكي اليمني، وهذا الحزب اليمني الشمالي
الموجود ضمن الحزب الاشتراكي في الجنوب، كان جزءًا من الجبهة الوطنية في الشمال
وقد أعلنت الأطراف الأخرى في نفس الجبهة أن كل طرف منها سيشكل حزبًا خاصًا به،
وكانت الجبهة قبل أن تفترق تدعو لإقامة حكم اشتراكي ماركسي في الشمال. 7- حزب
التجمع الوحدوي الديمقراطي: وهذا يتكون أساسًا من عناصر كانت في جناح السيد
علي ناصر محمد - الرئيس السابق - والذي أعلن اعتزاله للسياسة مؤخرًا وذهب إلى
سوريا. دعا هذا التجمع الذي أعلن عن نفسه في الشمال إلى مؤتمر تحضيري برئاسة السيد
علي عبد الرزاق باذيب عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، قبل أحداث يناير
86، وهو أصلًا من شبيبة اتحاد الشعب الحزب الشيوعي العدني.
● المجتمع: لماذا لا يقوم
الآخرون ولا تسعى الفئات غير الماركسية والعلماء تنظيم أنفسهم؟
● السيد فيصل: كما قلت فالوضع القانوني
للتعدد غير واضح بعد، وكل الأحزاب والتجمعات التي مر ذكرها كانت بدرجة أو بأخرى
ضمن الأطر العامة التي يتحرك فيها الحزب الاشتراكي اليمني، كما أن علاقاتها
الخارجية (ما عدا - فيما أعلم - التجمع الوحدوي) تجعل من يتولى الكلام عنها ممكنًا.
كما أن الخلاف بينها وبين الحزب الاشتراكي اليمني محدود. أما أي تجمع خارج الطرح
الماركسي ولو بعمومه، للحزب فلا أعتقد أنه يروق للحزب الاشتراكي اليمني. وأما أي
تجمع إسلامي فموقف العداء الصريح للحزب الاشتراكي اليمني منه كان لا يحتاج إلى
دليل، ولكن إذا سمحت السلطة بحرية الأحزاب للجميع فربما يتكون تجمع يضم أصحاب
الطرح غير الماركسي.
● المجتمع: ما هي فئات المعارضة
في الخارج؟
● السيد فيصل: 1- التجمع القومي:
ويضم عناصر جبهة التحرير القديمة مضافًا إليها السيد محمد علي هيثم، ومن انضم إليه
بعد إخراجه من رئاسة الوزارة في الجنوب في مطلع السبعينيات من عناصر الجبهة
القومية، يُقال الآن أنه قرر اعتزال السياسة.
- رابطة أبناء الجنوب العربي: وكانت تدعو
لإقامة دولة في الجنوب مستقلة عن الشمال، ويُقال أنها انقسمت الآن إلى
رابطتين ظلت الأولى محتفظة بالتسمية القديمة وغيرت الثانية اسمها إلى رابطة
أبناء اليمن.
- المجموعات التي خرجت بعد كل صراع على السلطة منذ عام 68 وآخرها مجموعة السيد علي ناصر محمد.
● المجتمع: هل تتوقع أن تتم
الوحدة رغم التحفظ على الدستور؟
● السيد فيصل: نعم، فالتحفظ على الدستور
أو حتى معارضته وتفنيده لا يعني معارضة الوحدة، ولم تُسمع من أحد أنه يعارض
الوحدة، فلتتم الوحدة أولًا ثم فليسعَ من أراد وبالوسائل الإقناعية أن يغير
الدستور كما يشاء، على أنه لا يجوز لأحد أن يقلل من شأن معارضة الدستور ووجاهتها
ومشروعيتها كما يجب أن تُعطى الوحدة الاعتبار الأول.
● المجتمع: ما هو الموقف الآن من
السعودية؟ وما هو موقف السعودية من الوحدة؟
● السيد فيصل: السعودية قطر عربي جار كأي
قطر عربي آخر، ولا نكن للأرض الطيبة إلا كل محبة ومودة وإخلاص. أما موقف السعودية
من الوحدة فليس بعد تعقيب خادم الحرمين الشريفين بالمباركة تعقيب.
● المجتمع: كيف تستشرف المستقبل؟
● السيد فيصل: هناك قضايا صعبة اجتماعية
واقتصادية في اليمن يجب تناولها بالتروي والتأني، ونأمل أن تعالج بالإيمان اليماني
والحكمة اليمانية كما حدث عنها الرسول صلى الله عليه وسلم. ومستقبل اليمن بعد ذلك
كما هو الحال بالنسبة للأقطار العربية الأخرى مرهون بترابطها الداخلي حول احترام
الذات والوعي بها، وبكل صراحة لا أرى الذات اليمنية أو ذات أي قطر عربي آخر إلا
عربية مسلمة - عربية لسانًا ومسلمة ثقافة وتصورًا للكون والحياة. وعلى هذا الوعي
بالذات يمكن أن يقوم الترابط العربي المنشود بالشكل الذي يفرضه الزمان والمكان
المتغيران.