; الانقلاب العسكري في موريتانيا.. أمام الصعوبات الاقتصادية ومشكلة الصحراء الغربية. | مجلة المجتمع

العنوان الانقلاب العسكري في موريتانيا.. أمام الصعوبات الاقتصادية ومشكلة الصحراء الغربية.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1978

مشاهدات 53

نشر في العدد 404

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 18-يوليو-1978

*يوم الإثنين الماضي، العاشر من تموز، قام الجيش الموريتاني بانقلاب وصف بأنه أبيض، أطاح بالرئيس المختار ولد دادة، ٥٣ سنة، بعد أن بقي في الحكم لمدة ١٧ سنة، حيث أنتخب رئيسًا للبلاد في ۲۰ آب ١٩٦١ والرئيس الموريتاني هو رئيس الدولة الخامس في العالم الإسلامي الذي يفقد الرئاسة، وربما حياته أيضًا، خلال خمسة أشهر الرئيس الأول هو محمد داود خان رئيس أفغانستان الذي قتل في انقلاب عسكري وقع في نيسان الماضي. ثم تبعه في ١٤ مايو علي صويلح رئيس جمهورية جزر القمر وقتل خلال يومين الرئيسان العربيان أحمد حسين الغشمي، رئيس اليمن الشمالية، وسالم ربيع علي، رئيس اليمن الديمقراطية. في أواخر الشهر الماضي.

*اللجنة العسكرية للإصلاح الوطني وهذا هو الاسم الرسمي لمجموعة الضباط التي قامت بالانقلاب في نواكشوط، أعلنت أنها استلمت السلطة وحلت الحكومة ومجلس النواب وحزب الشعب الموريتاني، وهو الحزب السياسي الوحيد، كما أوقف العمل بالدستور، وذلك لإنقاذ البلاد من الدمار والتجزئة وللمحافظة على الوطنية والدفاع عن وجود الدولة كما يقول البيان، وقد اتضح أن قائد الانقلاب هو العقيد مصطفى ولد محمد سالك، رئيس هيئة أركان الجيش، والذي لم تكن علاقاته حسنة مع الرئيس السابق، وقد وصفت وكالات الأنباء الزعيم الموريتاني الجديد بأنه– مسلم متدين ذو ميول سياسية محافظة وشكل الانقلابيون حكومة جديدة تضم ١٦ عضوًا، ثمانية عسكريين وثمانية مدنيين، وقد أعلن قائد الانقلاب أنه لا يعتزم إجراء تغيير في السياسة الخارجية وأن نظام الحكم الجديد سوف يحترم جميع التزامات موريتانيا العربية والإسلامية والدولية، وأكد أنه سيعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية انطلاقًا من حرصه على المبادئ والأهداف الإسلامية. وفي تصريحات لاحقة أوضح العقيد مصطفى أن الانقلاب إجراء داخلي بحت اتخذته منذ عدة أشهر مجموعة من العسكريين الموريتانيين بتشجيع فعال من كوادر مدنية- وكانت مصادر فرنسية قد قالت إن الانقلاب نال موافقة مؤسسة التعدين الحكومية ذات النفوذ والثقل الاقتصادي الكبير.

وتحدث العقيد مصطفى عن إفلاس كان- يكتسح البلاد بسرعة كبيرة- وأكد- أيضًا، أن اللجنة العسكرية لا تعتزم الاحتفاظ بالسلطة إلى أجل غير مسمى.

وجاء دخول الجيش، لأول مرة في الحياة السياسية في موريتانيا ليلقي الضوء الخافت والاهتمام القليل بهذه الدولة العربية الإفريقية المسلمة الواقفة على ضفاف الأطلسي، تبلغ مساحة موريتانيا ۱٫۰۳۰٫۷۰۰ کیلومتر مربع، وعدد سكانها حسب إحصاء عام ۱۹۷۱ مليون و۱۹۰ ألف نسمة، وكانت موريتانيا مستعمرة فرنسية، حيث احتلتها فرنسا عام ۱۹۰۳، إلا أنها استقلت عام ١٩٦٠ ولم تكتسب صفتها العربية بصورة رسمية إلا عام ١٩٧٤ حينما دخلت الجامعة العربية، بعد أن كانت المغرب تعارض ذلك لمطالبتها بضم موريتانيا إليها.

 وموريتانيا عبارة عن هضبة صحراوية، يبلغ متوسط ارتفاعها حوالي ۲۸۰م عن مستوى سطح البحر، ومناخها صحراوي جاف، ويتألف الشعب الموريتاني من مجموعات عربية وبربرية وزنجية وقد نتج من اختلاط المجموعتين العربية والبربرية جماعة المور، وهم يؤلفون ٧٥ بالمائة من جملة السكان. وتنقسم هذه الجماعة، اجتماعيًا، إلى مجموعتين أساسيتين هما: مجموعة البيدان، وهم المور البيض الذي يقفون في أعلى السلم الاجتماعي، ولم تختلط هذه المجموعة بالزنوج، أما القسم الثاني فهم جماعة الحرافين، وهم المور ذوو البشرة السمراء، نتيجة اختلاطهم بالزنوج. أما الزنوج فيتمركزون في الجنوب ويمارسون الزراعة. ويدين سكان موريتانيا جميعهم بالإسلام، ويسود بينهم المذهب المالكي.

وقد أقام الرئيس الموريتاني السابق النظام السياسي في بلاده على أساس الحزب الواحد، وهو حزب الشعب الموريتاني، وهو عبارة عن اتحاد بين الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد قبل الاستقلال وهي حزب توحيد موريتانيا، وحزب النهضة الوطنية الموريتانية، وحزب الاتحاد الوطني الموريتاني، وقد وضع المختار ولد داده ميثاقًا لحزبه حدد فيه عقيدته السياسية الذي أكد على أن الديمقراطية الموريتانية ستكون إسلامية ووطنية ومركزية واشتراكية وحدد ركائز النظام الاقتصادي بإشراف الدولة على القطاعات الهامة، مع الاعتراف بوجود قطاع من الملكية الخاصة، والعامة المشتركة، على أن يتم التسامح مع القطاع الخاص، بل وتشجيعه.

وقد واجه النظام السابق صعوبات سياسية داخلية، أبرزها الخـلاف العرقي بين أهل الشمال وأهل الجنوب وسبق أن قامت مظاهرات واضطرابات في عام ١٩٦٦ و ١٩٦٨ و ۱۹۷۱، وفي السنة الأخيرة قام الطلاب والعمال بمظاهرات احتجاجا على زيارة الرئيس الفرنسي آنذاك.

إلا أن الرئيس الموريتاني أدخــل إصلاحات على الوضع الداخلي خاصة بعد انضمام اتحاد العمال إلى حزب الشعب، رسميًا عام ١٩٧٣ وقد جرت حملة لتطهـير الجهاز الإداري عام ١٩٧٥ شملت أولئك الذين لهم ميول عرقية أو إقليمية تؤثر على وحدة البلاد. وفي آب ١٩٧٥ أدخلت تغييرات دستورية كبيرة.

ومن الناحية الاقتصادية، يوجد في موريتانيا نمطان من الاقتصاد، هما الاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على زراعة الدخان والبلح وتربية المواشي، وهناك الاقتصاد الحديث الذي يعتمد أساسًا على التعدين حيث توجد خامات الحديد والنحاس والذهب. وقد تطور التعدين تطورًا كبيرًا ابتداء من الخمسينات، حتى أصبحت المعادن المصدر الرئيسي للدخل القومي ٨٥ بالمئة من قيمة الصادرات الموريتانية. ويقدر دخل موريتانيا القومي بحوالي ٢٥٠ مليون دولار في السنة، حسب إحصاء عام ١٩٧٣، أي ۲۰۰ دولار للفرد وشهدت نسبة نمو الدخل القومي ارتفاعًا كبيرًا بين سنين ١٩٦٠ و۱۹۷۳، حيث بلغت ١ ,٤ بالمائة.

إلا أن أكبر مشكلة تواجه موريتانيا اقتصاديًا وسياسيًا، هي قضية الصحراء الغربية. فإن المعروف أن الصحراء كانت خاضعة لإسبانيا.

وقد نشبت خلافات حادة بين الجزائر والمغرب وموريتانيا حول مستقبلها.

فلما انسحبت منها إسبانيا عام ١٩٧٦ اتفقت كل من المغرب وموريتانيا على أن تتقاسما المنطقة. وهذا ما حصل فعلا. إلا أن جبهة البوليساريو قامت من جهتها بإعلان استقلال الصحراء، كجمهورية عربية ديمقراطية، وقد تلقت الدعم من الجزائر التي قطعت علاقاتها مع المغرب وموريتانيا ومنذ ذلك الحين تشن قوات البوليساريو حربًا على الدولتين. ومن الواضح أن الجيش الموريتاني المؤلف من حوالي 3000 رجل، لم يستطع مواجهة الثوار، فكان  لابد أن يستعين بالمغرب وفرنسا ويوجد حاليًا ۹۰۰ جندي مغربي، إضافة إلى عدد آخر من الفرنسيين وسيتعين على حكام موريتانيا الجدد أن يجدوا حلًا لهذه المشكلة.

ويعتقد بعض المراقبين أن سبب الانقلاب هو التوتر الذي حصل بيـن الرئيس السابق والجيش حول الطريقة التي تسير بها الحرب مع البوليساريو، والتي أدت إلـى استنزاف خطير لأموال الدولة. إلا أن صحيفة الديلي تلغراف تعتقد أن تأكيد قادة الانقلاب على- إنقاذ البلاد من الدمار- إشارة إلى عزمهم على الاستمرار بالحرب ضد ثوار البوليساريو، التي كانت قد رحبت بالانقلاب، وأعلنت عن هدنة مؤقتة من جانب واحد.

وتساءل المراقبون عن الاتجاهات السياسية لنظام الحكم الجديد، وتكاد تجمع مصادر الأنباء على وصفه بأنه- وطني موالي للغرب- وقد نفى القادة الجدد، من جهتهم، أن توجد أية أصابع أجنبية في حركتهم- البيضاء.

إلا أن الحديث عن ميول إسلامية للنظام الجديد يعتبر أمرًا سابقًا لأوانه مع ملاحظة أن التأكيدات الإسلامية لقادة النظام لا تعبر عن شيء بقدر ما تعبر أفعالهم. ومواقفهم. فما لم يتبين الحاكم الإسلام عقيدة وشريعة بصورة كاملة، ويبعد بلاده عن التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية لهذه الدولة أو تلك، يبقى بعيدًا عن أن يوصف بأنه ذو اتجاه إسلامي. ومهما يكن من أمر فإن انقلاب موريتانيا يقدم مثلًا جديدًا عن حالة عدم الاستقرار السياسي التي يعاني منها العالم الإسلامي بسبب إقصاء النظام الإسلامي عن الواقع التطبيقي. 

الرابط المختصر :