; الاهتمام الإعلامي بالإخوان بين التحريض والموضوعية | مجلة المجتمع

العنوان الاهتمام الإعلامي بالإخوان بين التحريض والموضوعية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1986

مشاهدات 85

نشر في العدد 770

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 03-يونيو-1986

 

برز اهتمام الصحافة العربية والعالمية بالإخوان المسلمين بشكل ملحوظ إثر مرض المرحوم عمر التلمساني، ترى ما هي دوافع هذا الاهتمام؟

واستعراضًا سريعًا لتلك المواضيع نجدها في معظمها تتضمن دراسات عن جماعة الإخوان، مذكرات عن تاريخ الإخوان، مقابلات مع قيادات إخوانية، لقاءات مع رجال سياسة عاشوا تجارب الإخوان، الإخوان والملك، الإخوان وعبد الناصر، والإخوان والسادات، التنظيم السري، الصراع على خلافة البناء ماذا بعد رحيل التلمساني، التنافس على منصب المرشد العام، ماذا يقول إخوان الداخل وإخوان الخارج... الخ.

لماذا هذا الاهتمام؟

هذا الاهتمام الإعلامي كان من الممكن قبوله إلى حد ما لو تعلق الأمر بوفاة الشيخ التلمساني فقط؛ بحيث يمكن قبول حجة البعض أن الصحافة معنية بأن تنقل للقارئ الآثار المترتبة على رحيل الشيخ باعتباره زعيمًا دينيًا وسياسيًا، ومن حقها أيضًا أن تعرض تصوراتها عن المرحلة المقبلة، باعتبار الإخوان قوة سياسية لها تأثيرها على الجماهير، إلى آخر هذه الحجج المقنعة، لكن ما لاحظناه يتعلق بذلك الاهتمام الإعلامي الذي سبق وفاة الشيخ التلمساني وسبق مرضه أيضًا، ثم امتد إلى ما بعد الوفاة ولم يتوقف حتى الآن، ومن هنا فإن التساؤل عن سر هذا الاهتمام يدور حاليًا في أذهان معظم أبناء الأمة بشكل عام والإسلاميين بشكل خاص، وهذا التساؤل يرتبط بعدة نقاط، منها:

 

- شمول هذه الطروحات الصحفية الخاصة بالإخوان لكل ما يتعلق بالجماعة من حيث نشأتها، وتاريخها السياسي، ومواقفها تجاه الأنظمة المختلفة، ومواقفها من القضايا السياسية، إلى آخر هذه النقاط، وكان استعراض هذه النقاط يتم من خلال مقالات فكرية أو مذكرات أو مقابلات، والملاحظ أنه منذ شهور عديدة والعديد من المؤسسات الصحفية العربية تركز على هذه الجوانب، وحتى خلال فترة مرض الشيخ التلمساني وبعد وفاته أخذت هذه المقالات أو المذكرات أبعادًا شمولية بحيث لم يقتصر الأمر على تناول قضية الإرشاد ومن يخلف الشيخ التلمساني، إنما كانت تشمل كل ما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، منذ نشأتها وحتى وقتنا الراهن، رغم أن هذه المؤسسات الصحفية كانت قد تناولت مرارًا هذه المواضيع في السنوات الماضية، وكان يكفي هذه الصحف أن تتناول ما أطلقت عليه قضية خلافة التلمساني، وتتعرض لصور من حياته، وحتى لبيان الرأي في التصورات المستقبلية، إلى غير ذلك من حقوق صحفية لا ننكرها على أية مؤسسة، أما العودة إلى الماضي وبكل شموليته وفي هذه الأوقات فهنا تكمن دوافع التساؤل عن سر هذا الاهتمام الإعلامي. -تزامن الطروحات الصحفية الخاصة بالإخوان مع عدة عوامل سياسية عربية ودولية، وأقصد بهذه العوامل تلك المتعلقة بقضايا المنطقة وقضايا العالم الإسلامي، ابتداء بالأحداث التي شهدتها ولا تزال تشهدها المنطقة، وانتهاء باتفاق القوى العظمى وبخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تجاه ما يتعلق بقضايانا، فسنوات المد الإسلامي الذي شمل معظم أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في المنطقة العربية دفعت القوى المعادية للإسلام نحو اتخاذ العديد من الإجراءات المضادة لهذا المد، واشتملت هذه الإجراءات على أساليب عديدة من ملاحقة واعتقال وتعذيب وقتل، الخ، وكانت الحملات الإعلامية المنظمة أحد أهم هذه الأساليب، ومن هنا يمكننا فهم اتفاق الطرح الإعلامي اليميني واليساري حول جماعة الإخوان المسلمين، وللقارئ أن يجري مقارنة بين هذه الطروحات الإعلامية وبين الأحداث التي شهدتها المنطقة ليستدل بنفسه على مدى الترابط بين هذه وتلك، ولا تعتقد أن قارئنا يقف بعيدًا عن الأحداث التي شهدتها الساحة اللبنانية في طرابلس وغيرها، والأحداث التي شهدتها سوريا في حماة وغيرها من المدن السورية، وما تشهده المعتقلات والسجون في معظم الدول العربية، بالإضافة إلى تشدد الأنظمة في منع التيار الإسلامي من ممارسة العمل السياسي بحيث أصبح شعار السادات (لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة) شعارًا عربيًا ترفعه معظم الأنظمة على اختلاف توجهاتها السياسية مما يدل على أن هناك ما يشبه الاتفاق بين هذه الأنظمة حول هذه القضية.

ويحضرني هنا ما نشر مؤخرًا على لسان مصدر دبلوماسي غربي في العاصمة اللبنانية يقول فيه: (إن القوتين العظميين اتفقتا على ممارسة ضغوطهما على بعض الأنظمة العربية المتخاصمة للوصول إلى تحقيق مصالحة بين هذه الأنظمة (ولو على الحد الأدنى) وذلك بهدف تمكين هذه الأنظمة من ضرب التطرف الديني أو احتوائه قبل أن يصل حد انتشاره إلى النقطة التي يصبح فيها من الصعب أن تتمكن هذه الأنظمة من إيقاف هذا المد الإسلامي). كما يحضرني أيضًا ذلك النداء الذي وجهه الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الاتحاد السوفياتي من خلال مقالة نشرتها له مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية قال فيه: (إن على الاتحاد السوفياتي أن يتضامن مع الولايات المتحدة لمواجهة الخطر الإسلامي الذي سيظهر في المستقبل القريب في شكل ثورة إسلامية عارمة، يمكن أن تشكل خطرًا على مصالح الاتحاد السوفياتي؛ لأن ثلث عدد سكان الاتحاد السوفياتي هم من المسلمين، ولذلك فإن على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أن يواجها معًا القوى الإسلامية). وما ذهب إليه نيكسون يجري بحثه باهتمام بالغ على كل المستويات في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وأوروبا؛ مما يدل على التآمر المشترك لتلك القوى الدولية، وهذا ما نلحظه في قضايا العالم الإسلامي في الشرق الأوسط وأفريقيا وأفغانستان وغيرهم، كما أن الدراسات التي تجريها المخابرات الأمريكية وحتى الجامعات الأمريكية والأوروبية حول الحركات الإسلامية- تدل على أهمية ما ذهب إليه ريتشارد نيكسون الذي استقبل استقبالًا كبيرًا في بعض بلدان العالم العربي الإسلامي عندما كان رئيسًا للولايات المتحدة في أوائل السبعينيات حيث زار مصر وسوريا. وتلخص صحيفة النيويورك تايمز ذلك بقولها: إن أحدًا لا يدرك هذا المد الجديد أكثر من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية طبقًا لما يقوله بعض المسؤولين في كندا والولايات المتحدة، ولهذا فهناك برنامج يكلف عدة ملايين من الدولارات تبحثه الوكالة حاليًا لجمع المعلومات السياسية والاجتماعية والتاريخية عن الحركة الإسلامية، ومن هنا يمكننا أن نفهم سر هذا الاهتمام الإعلامي بحركة الإخوان.

 الأسلوب التحريضي:

يلاحظ على الطرح الإعلامي حول حركة الإخوان أنه اتبع في معظمه أسلوبًا تحريضيًا واضحًا، استهدف تحريض الأنظمة ضد الإخوان ودفعها لاتخاذ ما يلزم من الحذر، ووضع الإجراءات الأمنية اللازمة لمواجهة الأخطار القادمة، إلى غير ذلك من أهداف نعتقد أن الطرح الإعلامي كان يسعى إليها من خلال ما تضمنته المقالات والمذكرات والمقابلات، كان الأسلوب التحريفي فيها واضحًا كل الوضوح، فمعظم ما كتب في الفترة الأخيرة كان يشير إلى الأحداث المأساوية التي تعرض لها الإخوان منذ نشأتهم، في محاولة لربط التاريخ الإخواني بقضية العنف السياسي، ولذلك كان التركيز على الجهاز السري وأهدافه وقياداته، وعرضه بشكل يوحي بالغموض، ويدفع نحو التخوف من إمكانية عودة مثل هذا الجهاز، إضافة إلى ربط بعض الجماعات الإسلامية المعروفة بمواقفها المتطرفة (بأنها خرجت من تحت عباءة الإخوان) على حد قول إحدى الصحف.

وكما في أحد العناوين البارزة التي تقول هل يلجأ الإخوان إلى التطرف والتهييج الصدامي مع السلطة؟

وتحاول بعض المقالات دفع القارئ نحو الاعتقاد بأن ثمة اتجاهًا قويًا لدى الإخوان للسير بالحركة نحو التشدد في المرحلة المقبلة، حين تتحدث عن شباب الإخوان واتجاهاتهم التشددية، ومحاولتهم فرض هذا الاتجاه خلال عملية اختيار المرشد الجديد، وتختم الصحيفة مقالها بهذا السؤال ماذا بعد التلمساني؟ هل يختار الإخوان التطرف؟ كما يلاحظ أن بعض المؤسسات الصحفية وخاصة الأجنبية تحاول ربط التطرف الفلسطيني بالإخوان في محاولة منها لشد انتباه الأنظمة العربية، فعلى سبيل المثال نجد صحيفة النيويورك تايمز تذهب إلى ربط حوادث العنف الفلسطيني بالإخوان المسلمين، فتقول إن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تعتبر أرضًا خصبة لبروز الجماعات المتطرفة مثل الإخوان المسلمون، وتحاول الصحيفة نفسها تحريض القيادات الفلسطينية على التيار الإسلامي من خلال الإيحاء لهذه القيادات بأن هذا التيار الذي يقف على رأسه الإخوان المسلمون مرشح للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية.

الرابط المختصر :