; قصة قصيرة من وحي الواقع.. (وشاح القضاء) | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة من وحي الواقع.. (وشاح القضاء)

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

مشاهدات 90

نشر في العدد 379

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 20-ديسمبر-1977

تلقى عامر،، ضابط المخابرات، أمرًا في ورقة صغيرة مطوية بعناية، فظل يقلبها ويحدق في كلماتها، ثم أخذ يهز رأسه ذات اليمين وذات الشمال كأنه يحاول أن يرفض تنفيذ هذا الأمر، ولكنه في النهاية وضع الورقة في جيب سترته الداخلية، وصفر بفمه صفيرًا يدل على اللامبالاة وكأنه بهذا الصفير يطرد ما ساوره من أفكار الرفض والتمرد. 

 ومر على كامل، زميله الذي سيشترك معه في تنفيذ ما أمر به، فطرق باب بيته بعظم أصبعه الشاهد رغم وجود الجرس الكهربائي في مكان بارز من الباب، وعندما فتح الباب دفعه بعنف كاد يلقي بصاحبه على الأرض، واندفع إلى قاعة الجلوس وصوت صاحبه يلاحقه سائلًا عن سر هذه العجلة وعن أسباب هذه الزيارة المبكرة. 

وعندما وصل كامل إلى حيث جلس زميله، مد عامر بيده إلى حيث الورقة وسلمها إليه، وعندما قرأها قال بهدوء ظاهر: ولماذا هذه العجلة؟ دعوا الشيخ يستمتع بالدنيا أكثر من هذين اليومين.

فقال عامر: باستطاعته أن يتمتع بحياته ما شاء لو أراد.

وتساءل كامل: وما القضية التي أوجبت قتله، وبهذه السرعة؟

- إنه يصر على الشهادة ضد شخصيات ذات نفوذ كبير في الدولة.

- وما العمل الذي جنته هذه الشخصيات؟

- إنه يزعم أنها تلاعبت بأموال أوقاف المسلمين ونهبتها

- يا سبحان الله- وماله ولأموال غيره... ألا يكفي أن تكون أمواله الخاصة في أمان من النهب والسلب؟، أوليس من حظه أن قوانين الحراسة ووضع اليد قد أوقف العمل بها. 

- إنه من قوم يدعون أن الله أمرهم بالمحافظة على أموالهم وأموال غيرهم 

- على نفسه جنى، متى ستكون محاكمة ذوي النفوذ والسلطان؟ 

- بعد غد

- آه، هذا هو السر في أن المسئولين في عجلة من أمرهم، ولكن ألا يخاف هذا الشيخ من هؤلاء الكبار الذين سيتحداهم ويشهد ضدهم؟

- . لقد أنذروه وخوفوه بعد أن لاطفوه ومنوه... ولكنه رد قائلًا بأنه يخاف

الله ولا يخافهم.

- إنه يخاف من عذاب مغيب ولا يخاف من عذاب حاضر، إن هذا الأمر عجاب. ولكن قل لي: بمن ستلصق هذه الجريمة؟، لا بد أن المسئولين لم يغفلوا هذه النقطة. لقد عودونا أنهم في مثل هذه الأمور لا يغفلون. 

- لقد علمت أنهم سيتهمون بها جماعة من هذه الجماعات الإسلامية المنتشرة في وقتنا هذا، فأنت تعلم أن الجماعات الإسلامية لا ناصر لها ولا معين بين الدول الكبرى. بل إن هذه الدول لتهتز طربًا للقضاء على جماعات المسلمين. 

- ولكني كثيرًا ما سمعت وما قرأت بأن لتلك الجماعات اتصالات بالدول الكبرى.

- لا تلتفت إلى هذه الدعايات، إن لهم أعداء كثرًا، وأعداؤهم يمسكون بأزمة كل شيء، وأما هم فمجردون من كل وسائل الدفاع... ولكن، ما لنا ولهذه المناقشة، لسنا سوى موظفين، ولا ذنب لنا في كل ما نقوم به، فالذنب ذنب المسئولين وحدهم. وسوف نقوم- بالعمل الرسمي الموكل إلينا...

ولاقى هذا الرأي ارتياحًا لدى الضابطين، فاستغرقا في رسم الخطة وحبك المؤامرة، وبعد ساعة صافح كل منهما الآخر بسرور ظاهر، فقد وضعا خطة محكمة لا يدخل إليها خلل ولا ينتابها أي زلل.

وفي فجر اليوم التالي صرع الشيخ وهرع رجال المباحث، ودار التحقيق وقبض على أفراد من جماعة إسلامية ولوحق أعضاؤها وأنصارها في كل مكان.. والتهمة قتل الشيخ الفاضل الورع المستقيم كما وصفه رجال المباحث و- الأمن- العام. 

وتألفت المحاكم العسكرية، وجد المحامون في دراسة القضية واستقصتاها، واستطاعوا أن يفندوا كل الاتهامات.. وأحرجوا هيئة المحكمة، أنها لا تجد ما يدينهم، حتى أنها لا تجد المبرر القانوني لاعتقالهم.. وفي ساعة نسيت فيها هيئة المحكمة الأوامر الصادرة إليها بالتشدد أمرت بإطلاق سراحهم مع المتهمين.. وتخلية سبيلهم. 

ولكن الرئيس الأكبر هاله ما سمع فأصدر أمرًا شخصيًّا بالتحفظ عليهم وإعادة محاكمتهم.. فأعيدت المحاكمة بسرعة مرعبة، وحكم على خمسة منهم بالإعدام، وأهدى الباقون سنوات من السجن الطويل. 

يا لله. في أيام معدودات تراوح الحكم بين البراءة والإدانة وبين الحرية والإعدام..

قال عامر لزميله: أرأيت ، لقد كنت خائفًا أن يصيبك سوء عندما أمرت المحكمة بإطلاق سراحهم، أنا أطمئنك أن الأمر يخص جهات عليا، ولا يمكن أن يخلى سبيلهم.

قال كامل: ولكني فزعت أكثر ما فزعت عندما صرحت ابنة الشيخ القتيل للصحف بأنها تعرف من قتل والدها، وأن المتهمين بريئون من دمه قال عامر: البنت بها مس من جنون ولم تعتبر بما أصاب والدها الشيخ.

قال كامل ضاحكًا: هل سمعت.. أن الرئيس الأكبر مهتم جًّدا بحضور مراسيم إعدامهم.؟

قال عامر: وسوف يحضر وقد زين صدره وشاح القضاء.. رمز العدالة التي تسود البلاد وتظل العباد..

الرابط المختصر :