العنوان البحث عن عمل بمقابل مادي
الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 45
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 18-يونيو-1996
البحث عن عمل بمقابل مادي:
السؤال: شخص عنده مؤهل علمي يبحث عن عمل، ولكنه لم يجد عملًا، فقال لشخص آخر له معارف كثيرون: ابحث لي عن عمل، فإن وجدت لي عملًا مناسبًا فسأعطيك مائة دينار، فوجد له عملًا مناسبًا، وأعطاه مائة دينار، هل هذه المائة دينار حرام أم حلال؟
الجواب: هذه المائة دينار حلال؛ لأنها جعالة، فقد جعل له مبلغًا من المال في مقابل أن يجد له عملًا بوجاهته ومكانته ومعرفته، ومما هو مقرر عند الفقهاء جواز أخذ الجعل مقابل عمل، ولو كان العمل بالوجاهة فقط، بخلاف أخذ الجعل على الكفالة؛ فإنه لا يجوز، فلو قال: أكفلني ولك مائة دينار حرمت المائة؛ لأن الكفالة أصلها التبرع والبر.
وجواز أخذ مقابل للوجاهة قال به جمهور الفقهاء عدا المالكية، فمنهم من حرم ذلك، ومنهم من كرهه، ومنهم من فصل بين أن يكون ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وسفر وغيره، فيأخذ مثل أجره، فهذا جائز وإن لم يحتج لشيء من ذلك لم يجز، وجواز الصورة المسؤول عنها يشترط له شروط إذا توافرت صح:
- ألا يستغل صاحب الوجاهة حاجة الجاعل بما يرهقه ماديًّا، أو بما تعارف الناس على أنه مبلغ كبير، والمعروف في هذه الحاجات الإنسانية مطلوب لأنه يزينه، وخلو الاتفاق من المعروف يشينه.
- وأن يكون المبلغ معلومًا كما هو في السؤال.
- وألا يجعل الجاعل المبلغ قبل تمام العمل وتحقيق المطلوب.
- وألا يأخذ صاحب الوجاهة شيئًا إن لم يحقق المطلوب.
القرض من عقود البر:
السؤال: تاجر عنده محل يبع بضائع بالجملة، طلب منه تاجر آخر قرضًا، فوافق على أن يعطيه القرض، لكنه اشترط عليه أن يشتري بضائعه منه وبعضها سيكون بسعر أكثر من السوق، فما حكم هذا القرض.
الجواب: القرض من عقود البر والمكارمة، فلا يصح أن يكون في مصلحة المقرض، وفي هذا القرض مصلحة ظاهرة للمقرض، فإنه سيستفيد مقابل هذا القرض تصريف بضائعه، وهناك فائدة صريحة وهو سيبيع بعض البضائع بأكثر من السوق. وكل هذه فوائد ما كان لها أن تتم لولا القرض، «وقد روي النهي عن كل قرض يجر نفعًا» (هذا وإن قال ابن حجر في التلخيص 34/3 في إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، إلا أن معناه ومضمونه صحيح، ويؤيده حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله الله قال: «لا يحل سلف وبيع» الترمذي 53/3، وقال: حديث حسن صحيح.
وإنما حرم الشارع السلف مع البيع لما فيه من الربح، فالمقرض يأخذ أكثر مما أعطى، وقد توصل إلى هذه الزيادة بحيلة القرض، وهو ممنوع أيضًا كأن اشترط أن يبيعه الآخر داره، أو أقرضه بشرط أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها وما إلى ذلك، فكله فوائد جرها القرض، فهي محرمة، وقد اتفقت المذاهب على حرمة ذلك إذا كان مشروطًا في العقد.
تأجيل ثمن البيع:
السؤال: صاحب تجارة يبيع للجمعيات التعاونية، فتشتري الجمعية البضاعة، ولكنها لا تسلم الثمن إلا بعد تصريف البضاعة، وبعض الجمعيات تصرف البضاعة، ولا تسلم ثمنها إلا بعد مضي شهرين أو ثلاثة، فما هو حكم الشرع في هذا البيع؟ وما حكم الشرع في تأخير دفع المستحقات لأصحابها؟
الجواب: استلام الجمعية البضاعة وتأجيل الثمن هذا عمل جائز، متفق عليه عند الفقهاء، فكما يجوز نقد الثمن حالًا وهو الأصل في البيع، يجوز كذلك تأجيل الثمن. ومستند ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ﴾ (البقرة: ٢٧٥).
فالآية مطلقة لم تشترط كون الثمن حالًا نقدًا أو مؤجلًا، وتقول عائشة رضي الله عنها: «اشترى رسول صلى الله عليه وسلم من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعًا من حديدة» (البخاري 433/4، ومسلم 1226/2)، فإذا اشترت الجمعية البضاعة واشترطت تأجيل الثمن جاز العقد ووجب الوفاء بالشرط، وما ينبغي الاتفاق عليه، وذكره في العقد هو أجل تسليم الثمن، وهذا شرط في صحة هذا العقد لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (البخاري 429/4، ومسلم 1227/2)، والثمن مثل الدين فيجب أن يكون متفقًا على وقت سداده وعدم تحديد مدة السداد يوقع الطرفين في جهالة وغرر، وقد يقع بسبب ذلك الخلاف والمنازعة، وبناءً على ذلك لا يجوز للجمعية أن تؤجل دفع الثمن إلا بعد تحديد وقته، وإذا تحدد وقته لا يجوز التأخر عنه، وعند التأخر تقع المسؤولية القضائية على الجمعية.
الصلاة جماعة مع طفل:
السؤال: أحيانًا أدخل المسجد بعد انتهاء الصلاة، فهل إذا صليت مع طفلي أو طفل في المسجد لم يبلغ يكون لي أجر الجماعة؟
الجواب: تعتبر الصلاة في هذه الحال صلاة جماعة؛ سواء أكانت الصلاة فرضًا أم نفلًا، وهو مذهب جمهور الفقهاء عدا المالكية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم «أمَّ ابن عباس وهو صبي في التهجد» البخاري (191/2)، أما المالكية فقالوا: لا تنعقد الجماعة مع الصغير في صلاة الفرض.
حكم من يصوم ولا يصلي:
السؤال: سيدة تقول: إن زوجها يصوم ولكنه لا يصلي لا في رمضان ولا في غيره، وقد سمعت في إحدى الإذاعات وقرأت في بعض الصحف، أن هذا الزوج يعتبر كافرًا، ويجب أن يفرق بينه وبين زوجته، وإذا مات لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، فنرجو بيان الحكم الشرعي بالنسبة لي، وهل يجب عليَّ أن أفارقه؟
الجواب: لا يجوز أن يطلق الحكم بالكفر هكذا مطلقًا، ولابد للعالم أن يفصل في الحكم، ويستفصل في الموضوع محل السؤال، فترك الصلاة إما أن يكون تاركها المسلم يجحدها وينكرها ولا يقر بها، وإما أنه يقر بها ولا يجحدها ولكنه يتركها إهمالًا أو انشغالًا، أو تكاسلًا، وفيما يلي نبين الحكم بدليله وأقوال العلماء فيه والراجح منها: فإن كان تارك الصلاة جاحدًا لها، وتاركًا لها عمدًا، وهو ناشئ بين المسلمين ومثله لا يجهل حكمها فهو كافر مرتد، قال الإمام النووي: «إذا ترك الصلاة جاحد لوجودها فهو مرتد بإجماع المسلمين» المجموع (16/3)، وقد اتفقت كلمة المذاهب الفقهية على ذلك.
وحكم هذا الإنسان أن يستتاب فيطلب منه أن يتوب ويعود إلى أداء الصلاة، فإن تاب وإلا قتل كافرًا، فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وأما إن ترك الصلاة تهاونًا وتكاسلًا، فقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد بن حنبل، وأكثر السلف والفقهاء إلى أنه لا يعتبر كافرًا، وإنما هو عاصٍ وفاسق، فيطلب منه أن يصلي، ويحبس ثلاثة أيام، ويدعى إلى الصلاة في كل فرض، فإن صلى وإلا قتل، لكن قال الحنفية: لا يقتل، ولكن يحبس حتى يموت، لقوله صلي الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (متفق عليه)، وتارك الصلاة تكاسلًا يشهد أن لا إله إلا الله، فدمه معصوم إلا بحقه، فيما يوجب القتل من الردة، والقتل العمد، والزاني المحصن، فالفقهاء متفقون على قتله بعد أن يستتاب.
ولكن هل يقتل كافرًا أو يقتل حدًّا، أي هل يقتل بسبب كفره أو بسبب عصيانه؟ فذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أنه يقتل حدًّ لا كفرًا، وعلى هذا فيحكم بإسلامه كالزاني المحصن، ويقتل ويحكم بإسلامه فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويورث ويرث ولا تطلق زوجته.
وهناك رواية ثانية عن الإمام أحمد بن حنبل وبعض السلف والفقهاء أنه يقتل كفرًا، وحينئذ لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث ولا يرث أحدًا. وقد استدل من قال بأنه كافر ويقتل كفرًا بأحاديث منها ما رواه جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» مسلم (88/1) وما رواه بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تركها فقد كفره» الترمذي 14/5، وقال: حديث حسن صحيح، وما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعًا: «من ترك الصلاة متعمدًا فقد خرج من الملة» (الترغيب للمنذري 379/1) و ما رواه شقيق بن عبد الله العقيلي التابعي المتفق على جلالته قال: «كان أصحاب محمد الله لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (رواه الترمذي بإسناد صحيح في كتاب الإيمان).
وقد استدل من قال بأنه يقتل حدًا لا كفرًا بأحاديث منها ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» البخاري 75/1، ومسلم (53/1).
وبما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة» أبو داود (130/2) فلو كان كافرًا لم يدخل تحت المشيئة.
وقد رد الجمهور على أدلة من قال بقتله كفرًا بردود عديدة منها قول الإمام النووي، وأما الجواب عما احتج به من كفره من حديث جابر وبريدة، وشقيق فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو وجوب القتل.
وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها (المجموع 20/3).
وقد ذكر الإمام ابن قدامة الحنبلي أدلة كثيرة منتصرًا لمذهب الجمهور، وأيد الرواية الثانية عن الإمام أحمد بن حنبل التي يؤيد فيها جمهور الفقهاء، ويمكن الرجوع إلى ما ذكره من أحاديث في المغني لم يذكرها غيره حسبما رأيت، وقال: إن هذه الرواية الثانية اختارها أبو عبد الله بن بطة من أئمة الحنابلة، وأنه قال: إنها المذهب، ولم يجد في المذهب خلافًا فيه.
ومن ردود ابن قدامة على من قال بكفر تارك الصلاة تكاسلًا، قال معللًا لرأي الجمهور بأنه لا يكفر؛ لأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع من ميراث موروثه، ولا فرق بين زوجين لترك أحدهما الصلاة، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدًا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام.
وأما الأحاديث المتقدمة فهي على سبيل التغليظ والتشبيه له بالكفار لا على الحقيقة، كقوله عليه السلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفره» وقوله: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد، وهو أصوب القولين. والله أعلم. (المغني 332/2، المقنع لابن قدامة 91/1).
وعلى هذا نقول للأخت السائلة ومثيلاتها: إن أزواجكن ليسوا كفارًا على رأي جمهور الفقهاء وأكثر السلف والتابعين، وأدلتهم أدلة ناصعة قوية لا تقوى أدلة المخالفين على نقضها، هذا إذا كان الزوج لا ينكر أو يجمد الصلاة، وهذا هو الظاهر، بدليل أن زوجك وأمثاله يصوم، ولو سئل أحد هؤلاء الأزواج عن حكم الصلاة لما أنكر وجوبها، ولذكر من العلل الكثيرة ما يعتذر بها لنفسه، ولكن هذا لا يعذره فهو على خطر عظيم في الدنيا والآخرة. وإن تهاونه في الصلاة قد يفسد سائر عمله يوم الدين، قال صلي الله عليه وسلم: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (الترمذي 270/2 وحسنه)، وعلى الزوجة أن تنصح زوجها، ولا تدخر وسيلة لذلك بنفسها وبمن له عليه تأثير، وتحرص على الدعاء المستمر له، وأما من أفتاك وأمثالك ممن ابتلين يوم بترك أزواجهن الصلاة فقد أفتاك برأي في مذهب الحنابلة وبعض السلف، وهو إحدى الروايتين عن إمام المذهب، وقد اختلف اختيار كبار أصحابه وفقهاء المذهب في ترجيح الرواية الأولى أو الثانية، وإن كانت الأولى هي المذهب وعليها جماهير الأصحاب، وكما جاء في المقنع (154/4).
وكان ينبغي على من يفتي بهذا الرأي أن يلاحظ أنه يخالف رأي جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب المعتبرة، وفي الوقت ذاته يوقع تلك الأسر التي ابتليت بأزواج لا يصلون تكاسلًا في حرج شديد، وفتنة عظيمة، في حين أن له في رأي الجمهور سعة، ومن حسن الفتوى وحكمتها مراعاة الظروف والأحوال والأخذ بالأيسر للعامة وما فيه سعة لهم ورفق، ما دام القول بالأيسر مستندًا إلى دليل، فكيف إذا كان له أدلة معتبرة، وقال به جمهور الفقهاء، ولا يخفى أن الأخذ بالأيسر هو منهج هذا الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ ُٰ﴾ (الحج: ٧٨)، وما خير رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل