; قصة قصيرة.. البدلة التي لا يراها الأغبياء! | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة.. البدلة التي لا يراها الأغبياء!

الكاتب أحمد معاذ الخطيب الحسني

تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2007

مشاهدات 71

نشر في العدد 1768

نشر في الصفحة 44

السبت 08-سبتمبر-2007

وجد نساج محتال طريقًا إلى مسؤول رفيع فاقلعه بأن يصنع له ثيابًا نفيسة وتمتاز بأن الأغبياء وحدهم لا يرونها!

صدق المسؤول كلام النساج، وفي اليوم الموعود اجتمع أركان الدولة في القصر العظيم، بعدما أمر الشعب بالاحتشاد لإظهار الفرحة أمام الجميع وفي القصر بدأ النساج المحتال بخلع ثياب المسؤول الأول قطعة قطعة وإلباسه بدلًا عنها ذلك القماش المزعوم، وبدأ تهريج الحاشية ما شاء الله يا مولاي شيء عظيم.. ثياب رائعة..

المسؤول بدأ يشك في نفسه، فها هي ذي ثيابه تخلع عنه قطعة وراء أخرى ولا بديل عنها، ولكنه قال في نفسه بين حشود المنافقين هل من المعقول أن الكل يراها وأنا... فقط.. الذي لا يراها هل يعني ذلك أنني الغبي الوحيد هنا ثم التفت فجأة نحو كبير حكمائه قائلًا بزهو الأغبياء ما رأيك يا كبير الحكماء؟

- مولاي ما هذه الثياب المدهشة بالفعل إنها شيء لا يصدق والتفت برأسه نحو النساج المحتال قائلًا بضيق مكتوم: إن النساج الذي صنع هذه الثياب الباهرة ماهر ومتقن!

رد النساج المحتال على كلام كبير الحكماء بانحناءة رأس ماكرة وتعالت صيحات الإعجاب... الكل أقسم إنه لم ير مثل تلك الثياب من قبل، والكل جزم بأن المسؤول موفق جدًا في اختيار نساجه المبدع..

حياة النفاق جعلت كل أفراد البلاط يسكتون، ولأن تلك الثياب البديعة لا يراها الأغبياء فقط وخشية أن ينهم أحدهم بالغباء رضي الجميع بأن يباع الزعيم دون ثمن..

وأخيرًا أصبح المسؤول عاريًا حتى من ورقة التوت التي تغطي عورته.. فقد ألبسه النساج بدل كل قطعة خلعها عنه قطعة أخرى بديعة الصنع، ووحدهم الأغبياء لا يرونها!! وصار المسؤول يوزع ابتساماته البلهاء بين الحضور... وهم يبادلونه الحماس.. حتى إن رئيس الخزانة قد تأثر لدرجة البكاء وهو يتحسس طرف العباءة المزيفة صارخًا بانفعال شديد:

شيء لا يصدق أبدًا يا مولاي... أهنئكم على هذا الذوق الرفيع..

نظرات الافتتان والتقدير بذلت من الحاشية دون حساب وصيحات الإعجاب بدت مثل سيل هادر انتقل زخمه إلى القطيع الموجود خارج القصر الذي كان ينتظر على أحر من الجمر طلة الزعيم البهية مرتديًا ثيابه الزكية «كشافة الأغبياء» والتي أصبحت حديث كل لسان.

 وأخيرا فتح باب القصر وأطل الزعيم الأسطورة بعريه الكامل لتحية الجماهير... فقط ثوان من الذهول اعترت القطيع الكبير، ثم ما لبثت أن تبدلت إلى نشوة عارمة عندما صاح أحد المرتزقة.. فليحيا مولانا الكبير بثيابه العظيمة.. ورددت الجماهير المحتشدة فليحيا مع.. ثيابه العظيمة.

ومثل البرق سرت الصيحات أوه شيء رائع شيء عظيم... جميل مدهش، بل إن التأثر بلغ بالبعض إلى حد الإغماء... بينما قام الباقون بالديك بكل قوة تعبيرًا عن الامتنان والشكر الدفين الذي يكنه القطيع الكبير في أعماق فؤاده لسالب وعيه..

كل فرد من الحاشية أو الرعية، بل هو نفسه أخذ يتساءل: ما هذا الحظ التعيس... حتى أكون أنا وحدي الغبي الذي لا يرى تلك الثياب المدهشة!!

وهز رأسه بحيرة بالغة.. وكاد يبكي لكنه تجلد وعاد يتبادل التحيات مع شعبه... ويلوح لهم بقبضته!

العربة المكشوفة سارت بين الجماهير المكتظة... والكل يصفق ويدبك ويرقص... وفجأة حصل ما لم يكن في الحسبان!

كان هناك طفل في العاشرة ينتقل مع القطيع وقد شاهد الموكب من أوله.

وبدأت الحيرة والشك يتسللان إليه، ولكنه جمع كل قوته ليصعد على عمود عال، ثم استجمع كل شجاعته ليصرخ بصوت اخترق كل صحيح الراقصين والدباكين:

أيها الكذابون.. إنه لا يرتدي أية ثياب!! إنه عار عار!

ومثل سريان النار في الهشيم دبت الصبحة في القطيع... وكأن بقايا العقل القديم الذي كان فيه قد استيقظ ففر الناس هائمين على وجوههم... وحتى الحاشية المذعورة أصابها الذهول ففر معظمها وكل فرد فيها فتح فاه حتى النهاية، وفي عينيه بريق دهشة ممتزجة برهبة الحقيقة المرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل