; البرادعي.. بين الشخص والحالة.. وحجم الفرص المتاحة | مجلة المجتمع

العنوان البرادعي.. بين الشخص والحالة.. وحجم الفرص المتاحة

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 08-مايو-2010

مشاهدات 58

نشر في العدد 1901

نشر في الصفحة 24

السبت 08-مايو-2010

إلى جانب الحزب الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب القانونية، تموج الساحة المصرية بعدد كبير من التجمعات والحركات التي نشأ أكثرها في نصف العقد الأخير وهذه تعبر عن نفسها بعقد ندوات ومؤتمرات وتجمعات ومنتديات وإضرابات واعتصامات ووقفات بعضها حقيقي والبعض الآخر افتراضي عبر شبكة الإنترنت ؛ يمكن أن نطلق عليها مسمى الحركات الشعبية غير القانونية، فهي من ناحية حركات وليست حركة واحدة، لا تبدو أي مظاهر لتوحدها أو تكتلها في المستقبل القريب كما أنها غير قانونية بمعنى أنها لا تحوز موافقة رسمية من أي جهة، ولا تخضع لقانون الأحزاب ولا قانون الجمعيات. كما أنها لا تمثل اتجاها فكرياً واحداً، فقد تجد داخل الحركة الواحدة الإسلامي والعلماني، والليبرالي واليساري.

وحتى جماعة الإخوان المسلمين أعطت كثيرا من أعضائها فرصة العمل ضمن هذه الحركات وعدم الانعزال عنها، حراك بدأ مركزيا نخبويا كالعادة، ثم أخذ يمتد وينتشر في المحافظات خاصة في الجانب الافتراضي منه، ولعل هذا ما جعل النظام یزداد توترا وتوجسا ويلجأ للتعامل بقسوة بالغة مع حركة مثل «6 أبريل» حين دعت للنزول للشارع في مثل ذلك اليوم من الشهر الحالي.

وقد انضم د. محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى هذا الحراك الشعبي والفصيل الذي يعمل بعيدا عن الأحزاب.
 

البرادعي.. شخص أم حالة؟

دأب النظام الحاكم طوال عهده على ضرب الحركة السياسية وشل حركتها وتفتيتها وتقزيمها، وفي النتيجة انكمشت الأحزاب السياسية في مقارها، وحتى تلك الأحزاب التي كان لها صوت في الماضي، خفت صوتها واختفت حركتها. وظهر نتيجة ذلك نظام ثنائي القطبية طرفاه: الحزب الحاكم والإخوان المسلمون. وقد استفاد النظام الحاكم كثيراً من هذا الوضع، واستطاع أن يحصل على دعم متواصل من الغرب ومن بعض الجهات الطائفية والسياسية التي تناوئ الإخوان باعتباره البديل الوحيد المتاح، لكن القوى الخارجية لا تقبل أن تبقى «تحت رحمة» طرف واحد، كما أن دعم نظام استبدادي من أبرز خصائصه الفساد والفشل يمكن أن يكلف داعميه الكثير خاصة في ظل الشفافية التي «تضطر» إليها الحكومات الغربية بسبب الضغوط الشعبية هناك، ولذا فقد بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي محاولات إيجاد أو تشجيع بديل ليبرالي يمثل اتجاهاً ثالثاً؛ لا هو ديكتاتوري ولا إسلامي؛ جرت محاولات بهذا الصدد مع جمعية «النداء الجديد»، التي ترأسها د سعيد النجار، ومع حزبي الوفد والغد، وفي كل مرة كان النظام ينجح - بطرق أمنية في الغالب - في إفشال تلك المحاولات ويقدم نفسه بديلاً وحيداً حامياً للعلمانية والمصالح الغرب ولعلاقات وثيقة مع «إسرائيل»، واشنطن لم تستسلم للابتزاز ولجأت إلى أساليب أخرى؛ أهمها التحرك داخل المجتمع المصري لإيجاد مؤسسات تهز قواعد الحزب الحاكم وتضرب الإخوان في الوقت نفسه، وتحاول شق «الاتجاه الثالث»، وقد كان للإعلام نصيب وافر في تلك الخطة فظهرت مؤسسات إعلامية ينفق عليها بسخاء شديد وتتلقى حصصا مباشرة من المعونة الأمريكية المخصصة لمصر، وقد تعرض الإخوان على يد النظام وعلى يد أنصار الاتجاه الثالث لحملة تنكيل وتشويه منظمة، لو قسم جزء منها على كل مكونات المشهد السياسي المصري لكان كفيلا بالقضاء عليه.

فعلى مدار السنوات العشر الأخيرة كان هناك ٣٢ ألف سجين ومعتقل ومحتجز بلغ مجموع ما قضوه بالسجن ١٥ ألف سنة وفي المقابل لا تتوقف حملات صحيفة مثل «المصري اليوم» ضد الإخوان، ومن الطبيعي أن تخلق هذه الحملات حالة من الخوف والتخوف عند قطاعات من المصريين من دور أكبر للإخوان في عملية التغيير، فحتى بعض مؤيدي الإخوان يمكن أن يقول: إن وجود الإخوان في الصورة الآن يجعل عملية التغيير أصعب إن لم تكن مستحيلة، أما خصوم الإخوان فيلقون عليهم باللائمة ويدعون أن الإخوان هم سبب تأخير التغيير.. هذا إلى جانب أن الإخوان يؤكدون باستمرار أنهم غير راغبين في الحكم على الأقل في المرحلة الراهنة وآخرها تصريح المرشد العام للإخوان د. محمد بديع قبل أيام الذي قال فيه: «نحن لا نريد الحكم؛ لأننا أعقل من أن نحكم مصر الآن.. وأن الجماعة لا تنافس على الرئاسة ولا تريد الوصول إلى السلطة وإنما تريد السلطة التي تحكم بقيم الإسلام وأخلاقياته؛ ليملك الشعب حريته وإرادته وأن ما يهمها أن تنهض مصر من كبوتها».
 

بورصة الأسماء

وقد جرت في السابق محاولات لطرح أسماء بديلة لرئاسة الدولة، وتولى بعض شباب الإنترنت تنظيم استفتاءات وتصويتات على بعض الأسماء التي كان من بينها شخصيات مرموقة من الإخوان مثل: د. عبد المنعم أبو الفتوح، ود. عصام العريان، كما طرح اسم د. أحمد زويل عالم الكيمياء المقيم بالولايات المتحدة ويحمل جنسيتها، وعمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية وزير الخارجية الأسبق، ولعله اكتسب هذا الزخم تسبب بعض مواقفه المتشددة وتصريحاته ضد العدو الصهيوني، لكن اسمه تراجع كثيرا، خاصة بعدما كشفه «رجب الطيب أردوغان» رئيس وزراء تركيا في مؤتمر دافوس حين انسحب «أردوغان» احتجاجا على أكاذيب الصهيوني «شمعون بيريز» بشأن الحرب على غزة فيما بقي «موسى» على المنصة فضلا عن الفشل والضعف اللذين اتسمت بهما الجامعة العربية.

في هذه الأجواء وفي خضم الجدل حول انتخابات رئاسة الجمهورية التي اقترب موعدها في سبتمبر ۲۰۱۱م جری طرح اسم د. محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بدأ البرادعي (٦٨ سنة) حياته موظفاً في وزارة الخارجية ثم توجه للدراسات العليا بالولايات المتحدة ونال سنة ١٩٧٤م الدكتوراه في القانون الدولي، وعمل بالأمم المتحدة ودرس القانون في جامعة نيويورك، وأصبح خبيراً دوليا في القانون الدولي والحد من التسلح والاستخدامات السلمية للطاقة النووية التحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة ١٩٨٤، وفي ديسمبر ١٩٩٧م أصبح مديراً للوكالة بعد أن حصل على ٣٣ صوتا من إجمالي ٣٤ صوتا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة، وأعيد اختياره لفترتين، بإجمالي مدة عمل ١٢ سنة.

مرشح «الفيس بوك»

ولا نستبعد أن يكون طرح اسم البرادعي قد تم بترتيب وتنسيق مسبق سواء مع البرادعي نفسه أو مع جهات أخرى تدعمه فقد جرى تداول الاسم على صفحات الإنترنت وتلقفته وسائل إعلام مصرية ليست بعيدة عن يد المعونة الأمريكية، ثم قرر البرادعي العودة لمصر في نوفمبر الماضي، وكان في استقباله بمطار القاهرة عدد من النشطاء السياسيين من الشباب قدر عددهم بألفي شخص من أعمار وفئات اجتماعية متباينة.

وبدأ بعد وصوله الاتصال بمختلف شرائح المجتمع، فاجتمع مع عدد من قادة التيارات السياسية بما فيها المعارضة والنشطاء السياسيين، وزار عمرو موسى أمين الجامعة العربية، وقام بجولات في الشارع وزار المساجد مبتدئا بمسجد الحسين رضى الله عنه كما زار الكنيسة المرقسية. وسرعان ما أعلن عن تشكيل «الجمعية المصرية من أجل التغيير» التي ضمت عناصر من أطياف سياسية مختلفة، وشارك فيها الإخوان المسلمون ومثلهم فيها د. محمد الكتاتني عضو مكتب الإرشاد رئيس كتلة نواب الإخوان، وإذا كانت المكانة الدولية للبرادعي قد أبعدت عنه المضايقات الأمنية؛ فإنها لم تحم أنصاره الذين تعرضوا للإيذاء والمضايقات.
أعلن البرادعي احتمال ترشحه لانتخابات الرئاسة بشرط وجود «ضمانات مكتوبة» حول نزاهة وحرية العملية الانتخابية أحدث هذا الإعلان ردود فعل متباينة؛ فقد اعتبره النظام تخطيا للخطوط الحمر، وبدأت وسائل الإعلام الرسمية حملة ضده بعد أن كانت تفخر به لحصوله على جائزة نوبل للسلام وفي الشارع المصري وجد كثير من الشباب على وجه الخصوص متنفسا في التعبير عن آرائهم في رفض النظام القائم، وأملا في أن يكون لهم دور في الإتيان بشخص يمثل إرادتهم، وتزخر المواقع الإلكترونية بتعليقات حماسية تؤيد البرادعي، وربما بهرهم نجاحه في المنتديات الدولية ويعتبرونه نموذجاً للعالم المصري الذي يمكن أن يحقق لمصر قفزة لو أخذت بالإدارة العلمية المنظمة بدلا من نظام «الإدارة بالفوضى والتسيب» الحادث الآن، إنه هنا بمثابة تجسيد لحالة عامة شملت كل الشعب المصري ترغب في التغيير وتبحث عن البديل.

ولكن هل بالإنترنت تنال الشعوب حقوقها؟ وهل ينجح المرشحون بعدد «الأصدقاء» على الفيس بوك أم بأصوات صناديق الانتخاب؟ لقد طلب البرادعي ضمانات مكتوبة لنزاهة الانتخابات، ولكن لماذا يقدم له النظام هذه الضمانات؟ وإذا كان النظام لا يرغب في إجراء انتخابات حرة ونزيهة رغم الإلحاح المستمر والضغوط من كل القوى السياسية على مدى سنوات طويلة فماذا ينوي البرادعي أن يفعل لكي يذعن النظام لمطالبه؟ وهل يكفي إنشاء جمعية ليحدث التغيير؟ لقد نشأت قبل ذلك عشرات الجبهات والكتل والحركات ولم تنجح في الوصول لبغيتها.
 

يدعو البرادعي أحزاب المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات المقبلة، ما لم يتم تعديل الدستور وضمان نزاهة الانتخابات، محذرا المعارضة من أن مشاركتها في الانتخابات سوف تعطي شرعية للنظام، في حين أن مقاطعتها سوف تعزز من المقاطعة الشعبية للانتخابات، وأكد موقفه بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية قبل تعديل الدستور والسماح للمستقلين بالترشح دون قيود، لأن عدم تلبية المطالب بالتعديلات الدستورية وضمان نزاهة الانتخابات سيحولها إلى مهزلة.

البرادعي والإخوان: ولعلنا نجد وجه شبه بين موقف البرادعي وموقف الإخوان مع اختلاف في أن الإخوان يملكون خبرة طويلة في الحركة والاحتكاك بالشارع، فقد اعتبر مرشد الإخوان د. محمد بديع أن حالة الطوارئ ومحاولات تمديدها هي الأولى أمام الحراك السياسي، وأن الإخوان يُعدون لرفض محاولات تمديد الطوارئ وهو «ما نعتبره أهم من الانتخابات».

العقبة

وعن دعم الجماعة للبرادعي قال د بديع: «مطالبه هي نفس المطالب التي ندعو إليها منذ سنوات، ونحن أبلغناه أننا نؤيده في مطالبه التي هي جزء من مطالبنا»..

وقال د. بديع إنه في الانتخابات المقبلة لن يكون للإخوان مرشح للرئاسة وأنهم سيختارون من بين البدائل بناء على برامجهم التي سيعلنونها.. وفي المرحلة الراهنة «نطالب الأمة بأن تناضل دستوريا؛ لكي تختار من بين مرشحي الرئاسة في انتخابات حرة ونزيهة»، إذا فالبرادعي لم يتقدم على حساب الإخوان، وهم لم يخسروا بظهوره ولن يخسروا بتقدمه، خاصة وأنه في الانتخابات الرئاسية السابقة تركت الجماعة الخيار لأفرادها في الإدلاء بأصواتهم لحساب أي مرشح.

من الواضح أن مرحلة النضال الدستوري ستدوم عددا من السنين، قد تزيد على عشر سنوات، فالمعوقات كبيرة ومن غير المحتمل أن تزول في وقت قريب، وليس هذا مدعاة لليأس ولكن الحركة اليوم مطلوبة بإلحاح للوصول إلى الديموقراطية الحقيقة ولو بعد سنين، أما السكوت والرضا بالوضع القائم فلا يعني سوى بقاء الاستبداد لأجل غير معلوم.

طلب البرادعي ضمانات مكتوبة لنزاهة الانتخابات.. ولكن لماذا يقدم له النظام هذه الضمانات التي رفض الالتزام بها سنزات طويلة؟

هل ينجح المشرحون بعدد «الأصدقاء» على «الفيس بوك» أم بأصوات صناديق الانتخابات؟

من الواضح أن مرحلة النضال الدستوري قد تزيد على عشر سنوات.. فالمعوقات كبيرة ومن غير المحتمل أن تزول في وقت قريب.

الرابط المختصر :