العنوان البرلمان الأوروبي يندد بتدهور حقوق الإنسان في تونس
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 41
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 30
الخميس 06-يونيو-1996
* منظمة «مراسلون بلا حدود» ترصد انتهاكات بشعة لحرية الصحفيين التونسيين تصل إلى حد القتل
تتسارع الأحداث والأخبار الواردة من تونس عن أوضاعها وعلاقاتها، ولكن في الاتجاه السلبي من الهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني إلى الاحتفاء بزيارة البابا الأخيرة لهذا البلد المسلم المغاربي، إلى إصدار البرلمان الأوروبي تقريرًا عن تدهور أحوال حقوق الإنسان هناك... إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الطاقة الشرائية، إلى انتشار الرذيلة والتفسخ الأخلاقي تحت تأثير المطرقة الإعلامية.
وقد بدأ المراقبون يتساءلون عن المصير الذي ينتظر تونس وعن نتائج المسار السياسي والاقتصادي الحالي على مستقبل هذا القطر الصغير من حيث الحجم، ولكن الغني والكبير بطاقته وتاريخه الثري وإشعاعه الإسلامي الواسع «الأغالبة- الزيتونة».
وقد أعرب البرلمان الأوروبي في بيان أصدره يوم ۲۲ مايو الماضي من باريس عن تدهور حقوق الإنسان في تونس، وعمليات الاضطهاد المتواصلة للمعارضين السياسيين وأسرهم، والعديد من عمليات انتهاك حق التنقل للتونسيين تم سحب جوازات سفرهم، كان آخرهم رئيس معهد حقوق الإنسان، كما أعرب البرلمان الأوروبي عن قلقه لما جاء في تقارير الأمم المتحدة الطبية للمعتقلين بما أسفر عن وفاة عدد منهم في ظروف مشبوهة.
ونوه البيان إلى غياب حرية الصحافة، وأشار إلى الاتفاق الأوروبي المتوسطي الذي أسس شراكة بين دول المجموعات الأوروبية من ناحية والجمهورية التونسية من ناحية أخرى، والذي يؤكد على احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتبادل والشراكة
وأبدى البرلمان الأوروبي تفهمه للوضع الانتقالي السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمحاربة تحدي ما أسماه «بالحركات المتطرفة» وهو نفس المنطق الذي يتبناه النظام لتبرير الحل الأمني في تونس، ويعني اعتماد سياسة المكيالين والدفاع عن العلمانيين الذين لحقتهم آثار السياسة الأمنية المعتمدة في هذا البلد.
أما الإسلاميين فهم من درجة ثانية بالرغم من أنهم نالوا «نصيب الأسد» من الاضطهاد والتعذيب؛ ولذلك اعتبر البرلمان الأوروبي أن كل الأعذار المتقدمة لا تبرر خنق الحريات الديمقراطية، لأن مثل هذه السياسة لا يمكنها إلا أن تدعم «المتطرفين»، وتوسع تأثيرهم، والمقصود بذلك الإسلاميون بالدرجة الأولى، ويتضمن هذا الموقف تحذيرًا بتفاقم الأوضاع ووصولها إلى الحالة الجزائرية كما يتضمن دعوة للتنفيس عن الوضع الحقوقي بالشكل الذي لا يترك فرصة لعودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية ويرفع الظلم عن العلمانيين أساسًا
حرج كبير:
بيد أن القرار في عمومه يؤكد أن البرلمان الأوروبي الذي يمثل الشعوب الأوروبية بمختلف توجهاتها وانتماءاتها الفكرية والسياسية، أحس بحرج كبير في المضي في التعامل النوعي مع تونس كبلد مغاربي في الوقت الذي يكرس فيه النظام التونسي الحل الأمني والتوجه الأحادي، وبالتالي يكون القرار بمثابة الإدانة الواضحة لسياسة هذا النظام فيما يتعلق بحقوق الإنسان، علمًا بأن القرار قد وافق عليه ۹۷ نائبًا مقابل ۹۱ نائبًا صوتوا بالرفض، وثلاثة احتفظوا بأصواتهم، وهذه سابقة من نوعها بالنظر إلى الدعم الغربي - الأوروبي - الكبير للنظام التونسي خلال السنوات الأخيرة.
والبرلمان الأوروبي ليس هو الجهة الوحيدة التي أثارت موضوع تدهور حقوق الإنسان في تونس، فقد تناول تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود» السنوي وضع الصحافة في هذا البلد، وأطنب في الحديث عن الانتهاكات المتنوعة لحرية الصحفيين حتى القتل، ومنعهم من حرية التعبير إلا بما يُرضي السلطات القائمة.
كما أن الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان عبّرت عن تنديدها بـ «التراجع الديمقراطي في تونس»، وذلك بعد أن طرد ممثلها باتريك بودوان من تونس ومنعته من دخول المطار الدولي ومعه الأستاذ «صديقي كابا»، رئيس الرابطة السنغالية لحقوق الإنسان
مؤشرات تحول داخلي:
وقد تزامنت هذه الأحداث مع مؤشرات لتحولات داخلية في تونس، حيث يقول راشد الغنوشي - رئيس حركة النهضة التونسية- الذي يعيش في المنفى في لندن: «لقد انتعشت المعارضة التونسية بعد سنوات طويلة من الركود، تمكن فيها النظام من استقطاب الأحزاب الرسمية، وقطاع واسع من النخبة لصفه بحجة مواجهة الخطر الأصولي والوعد بتحقيق الديمقراطية بعد استئصال الإسلاميين، فتركزت آلة القمع لسنوات طويلة ضد «عدو»، اجتمع عليه خصومه السياسيون والفكريون، ونادى مناديهم أنها نهاية الإسلاميين وانتصار المجتمع المدني والديمقراطية غير أنه منذ أكثر من سنة، بدأ هذا الوهم أو الضباب ينقشع وتنكشف من ورائه الحقيقة سافرة: هيمنة مطلقة للبوليس على الحياة السياسية والثقافية وامتداد آلة القمع كخلايا السرطان إلى بقية أجزاء الجسم السياسي والثقافي المعارض، فضُريت وعُذِّبت عناصر الحزب العمالي الشيوعي، وأُلغيت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان ثم أعيدت إلى الوجود تحت الضغط وبعد التدجين، كما أقصي رئيسها السابق، ثم سجن لسبب وحيد أنه تجرأ على ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية، ثم امتدت آلة القمع لأهم فصيل في المعارضة الرسمية، فزُجّ برئيس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين محمد مواعدة في السجن، وحكم عليه بحكم ثقيل «۱۲ سنة»، بحجة التعاون مع دولة أجنبية ثم جُرِّد مساعده الأيمن من الحصانة البرلمانية تمهيدًا لمحاكمته وسجنه، وهذا الذي حصل هذا الشهر حيث تفاقم عمل آلة القمع، فشمل عددًا آخر من مناضلين على الصعيد الحقوقي والسياسي مثل فرج فنيش - رئيس معهد حقوق الإنسان- بتهمة تسريب وثائق وأسرار الدولة.
ويضيف رئيس حركة النهضة قائلًا «لأول مرة وكرد فعل على آلة القمع المسلِّطة على الفئات العلمانية، تحركت الأجهزة السياسية الأوروبية بعد صمت طويل كان القمع خلال ذلك مقتصرًا على الإسلاميين فزج بعشرات الآلاف منهم في السجون تحت ضروب تعذيب قاهرة، كما طرد عشرات الآلاف من وظائفهم وشرد آلاف منهم وأخضعوا لخطة تجويع، لأول مرة إذًا تحرك البرلمان الأوروبي ليصدر إدانة صريحة ضد القمع في تونس الذي لم يقتصر على «المتطرفين الدينيين»، بما يفيد استباحتهم، كما تحركت منظمات حقوق الإنسان بفعالية، وبدأت صورة النظام تهتز بعد سنوات طويلة نجح فيها الإعلام الصهيوني في التعتيم على القمع في تونس كجزء من صفقة مع النظام التونسي، يتولى فيها هذا الأخير فتح أبواب تونس أمام القوى الصهيونية، مقابل قيام هذه الأخيرة بالدفاع عن صورة النظام في الخارج وتحريك ملايين الدولارات من البنوك الأوروبية والأمريكية في شكل قروض وهبات لتمويل القمع والتغطية على الفساد الاقتصادي والإرهاب السياسي.
مشروع جبهة وطنية:
كما يرى الغنوشي أن من «مؤشرات الانتعاشة أو الصحوة في الواقع التونسي تنافس عدد من مجموعات المعارضة العلمانية الديمقراطية على نقد النظام وتعريته على اعتبار أن هذا الأمر أقرب سبيل للفوز بثقة الشعب، لقد بدأت الرحلة إلى الجهة الثانية بعيدًا عن نظام 7 نوفمبر، وعلى قدر ما تقطعه هذه الرحلة من مسافة، على قدر الاقتراب من النهضة ومن الإسلاميين في اتجاه بلورة المشروع البديل.
مشروع جبهة وطنية ديمقراطية ترد الضيم عن الشعب، وتمارس ضغوطًا حقيقية على النظام لحمله على الانفتاح السياسي، وفتح أبواب السجون وإطلاق الحريات العامة، ووضع البلاد على طريق ديمقراطية حقيقية لا تُقصي أحدًا، وستكون وضعية ٧ نوفمبر صعبة جدًا مهددة بتجدد انتفاضات عامة كالتي حدثت في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات، إن لم يقم النظام بالاستجابة الحقيقية لمطالب الشعب ممثلًا في قوى المعارضة الجادة التي تتجه إلى التنسيق والتعاون بين الإسلاميين وبقية القوى الوطنية والديمقراطية، ويزيد من إخراج النظام انفتاحه العريض على اللوبي الصهيوني وعلى الكيان الصهيوني بدرجة الإعلان عن زيارة لبيريز في الآفاق إلى تونس وهو أمر ترفضه سائر القوى السياسية والقوى الشعبية عامةً، ويدرك النظام حرج موقفه أمام الوعود التي قطعها للصهاينة بالاعتراف بهم وفتح الأبواب أمام نفوذهم، واستقبال زعمائهم كاختراق للعالم العربي وتهديد حقيقي لتضامنه.
علمًا بأن النظام التونسي كان من أشد المعارضين في الفترة الأخيرة لانعقاد قمة عربية أو أي شكل من أشكال التضامن العربي مقابل استقباله لممثلين المكتب السياسي لإسرائيل، ولوزير السلام الإسرائيلي في وقت كان فيه لبنان يضرب بعناقيد الغضب الصهيونية.
«الغنوشي»: تكريس الحل الأمني في تونس يدفع نحو تكتل الرأي العام والمعارضة لإعادة الاعتبار للفرد والحد من التغلغل الصهيوني.
إن النظام يدرك أن عليه أن يدفع هذا الثمن، مقابل تمتعه بالدعم الصهيوني المطلق ودعم الإدارة الأمريكية المتحالفة معه التي وضعت نفسها في خدمة اللوبي الصهيوني.
إن خشية النظام حقيقية أن انفتاحه المطلق على إسرائيل سيصعد الغضب الشعبي ضده.
ويؤكد الغنوشي على أهمية قيام جبهة وطنية متلاحمة في تونس من كل القوى مشيرًا إلى أن «هناك سوابق للقاء والتعاون بين الحركة الإسلامية والحركة الديمقراطية العلمانية في تونس منذ نهاية السبعينيات على أرضية الدفاع عن الحريات العامة، ولقد أصلت الحركة في فكرها ومنهجها هذا التوجه باعتباره خيارًا استراتيجيا وليس تكتيكيًّا سياسيًّا، إذ الدفاع عن الوطن واستقلاله وسيادة العدل والحرية فيه واجب على جميع أبنائه مهما اختلفت توجهاتهم كتمتعهم فيه بحقوق متساوية، ولنا في دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، فهي أول دولة إسلامية ضُمنت فيها حقوق المواطن.
كما أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- تمنى أمام القمع الذي مارسه الملأ من قريش ضد الدعوة الإسلامية أن تشهد مكة مجددًّا حلف فضول يتناصر فيه الجميع على الظالم، وكانت دعوة النبي- صلي الله عليه وسلم- في مكة كخيار ثان أن يُخلِّى بينه وبين الناس، ونحن نعتبر أن خيار التضامن الوطني والمصالحة الوطنية بين التيار الإسلامي ومختلف التيارات الأخرى، وبين الدولة والشعب وبين الأنظمة العربية خيارًا استراتيجيا لا مناص منه لمواجهة الهيمنة الصهيونية التي تهدد الجميع، لقد أوشك أن يصبح واضحًا أن الانحياز ضد الإسلاميين ومحاربتهم لن يتأتيا إلا من خلال التحالف مع أعداء الأمة من الصهاينة وقوى الهيمنة، وهو تحالف ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال الوطني، كما أن الدفاع عن الكيان الوطني وعن الاستقلال يَعسُر تحقيقه من خلال عقلية الحزب الواحد أو الانفراد بالسلطة سواء كان المنفرد إسلاميًّا أو علمانيًّا.
وتفيد مواقف رئيس الحركة الإسلامية في تونس أن تكريس الحل الأمني في هذا البلد، يدفع نحو تكتل الرأي العام والمعارضة من أجل انفراج الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والحد من التغلغل الصهيوني والتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية وإعادة الاعتبار للفرد، واحترام فكره وكيانه، وتتفق العديد من دوائر صنع القرار والأوساط السياسية والفكرية والإعلامية في الخارج مع هذا التوجه بالنظر إلى طبيعة الشعب التونسي المسالمة والمنفتحة على الآخر، وإلى فشل كل محاولات فرص العلمانية والأنماط الغربية السياسية والاقتصادية والفكرية على شعوب تختلف من حيث حضارتها وهويتها عن الشعوب الغربية.