; البشير ينهي حكم الرأسين بإجراءات استثنائية | مجلة المجتمع

العنوان البشير ينهي حكم الرأسين بإجراءات استثنائية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

مشاهدات 82

نشر في العدد 1381

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 21-ديسمبر-1999

في تطور مفاجئ للأحداث والصراعات السياسية في السودان أعلن الرئيس عمر البشير حالة الطوارئ في البلاد كافة لمدة ثلاثة أشهر، وحل المجلس الوطني -البرلمان- والدعوة لعقد انتخابات برلمانية مبكرة في الوقت الذي تحدده لجنة الانتخابات العامة.

     وبعد أن استعرض البشير الأخطار الخارجية المحدقة بالسودان قال: مع كل هذه التحديات قدر الله لنا امتحانًا آخر على صعيد جبهتنا الداخلية، تنازعًا في مؤسسات الدولة، وازدواجية في قيادة الشأن العام؛ مما بات يهدد وحدة الإرادة، وقوة الساعد الذي تنجز به الإنقاذ ما عاهدت عليه ربها، ووعدت به شعبها.

     ولمواجهة ذلك كله فإنني بعد التوكل على الله، وإخلاص النية له في هذا الشهر الذي تعرج فيه الأرواح، وتفتح فيه أبواب السماء، وبعد الاطلاع على نص المادة 131 من الدستور التي توجب عليَّ عند حدوث أي خطر طارئ يهدد البلاد أو جزء منها، أو يهدد سلامتها واقتصادها- اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمن البلاد وسلامتها، وقيامًا بحق البيعة الشرعية التي تلزمني أن أسعى في تأمين الأمة من الخوف والجوع، وتحقيق الوحدة والسلام والطمأنينة للمواطنين كافة، فقد قررت إعلان حالة الطوارئ في البلاد.

ردود الأفعال:

     وقد توالت ردود الأفعال السودانية والدولية تجاه التطورات، وقد التقى عمر البشير قادة القوات المسلحة، وقادة قوات الشرطة الموحدة اللتين أعلنتا تأييدهما لقرارات رئيس الجمهورية، ووصفتا الخطوة بأنها جاءت متأخرة.

     وأوضح البشير في مؤتمر صحفي لاحق الأسباب التي أدت إلى النتائج الأخيرة بقوله: النظام الأساسي للمؤتمر الوطني ينص على أن رئيس الجمهورية هو المنسق بين الجهاز التشريعي والتنفيذي، ولكن ما حدث هو أن رئيس الجمهورية يطلب الاجتماع بالهيئة القيادية، فيرفض هذا الطلب، ورئيس الجمهورية يرسل خطابًا رسميًا لرئاسة المجلس الوطني لتأجيل المناقشة حول التعديلات الدستورية للمزيد من الشورى، فيرفض هذا الطلب أيضًا، وأعلن رئيس المجلس الوطني عبر مؤتمر صحفي أنه غير ملزم بالتنسيق مع الجهاز التنفيذي.

     وأضاف الرئيس السوداني قائلًا: وأصبحت العملية صراعات ومكايدات منذ قيام المؤتمر التأسيسي للمؤتمر الوطني، والكل يعلم ما دار بهذا المؤتمر، وحقيقة برزت ممارسة واضحة تسعى لهز صورة السلطة وهيبتها، وبلد مثل السودان بكل مشكلاته ومخاطره وفي سلطة مركزية لديها هيبة وهي الصمام الوحيد لأمن البلاد، والمجلس الوطني دأب على استدعاء الوزراء بمناسبة أو دون مناسبة، ويكونون عرضة للنقد والهجوم والتجريح، وبلغ الأمر بمسؤول في الحكومة أن يهاجم الحكومة، وولاة يعلنون أمام الناس بأنه لا سلطة عليهم من الحكومة الاتحادية، وأصبح رئيس الجمهورية يستجدي الولاة لدفع مرتبات المعلمين، وأصبحت الحكومة الاتحادية لا سلطة لها على الولايات، وبصراحة شديدة لا سلطة لها على السودان، ولإيقاف هذه الفوضى ولتوحيد القيادة «والرئيسين أغرقا المركب» ولكل هذا اتخذت هذه القرارات، ونحن نأخذها بالجدية.

     وبعث الرئيس السوداني برسالة تطمين بقوله: وكل المكاسب التي تحققت للمواطن السوداني نحن حريصون على الحفاظ عليها، وما تحقق في الانفتاح السياسي والحريات وفي الوفاق سيتواصل بقوة، وما تحقق في المصالحة على المستوى الخارجي والإقليمي والدولي- سوف نسعى لتوسيعه أكثر وأكثر. 

     وأضاف في خاتمة حديثه: كل القرارات التي نفذت لم يقصد بها فرد، ولم تتم أي اعتقالات، ولم يتم اتخاذ أي إجراء تعسفي، ولم تتخذ أي إجراءات ضد أي شخص إلا بموجب القانون.

     وقد أصدرت هيئة علماء السودان برئاسة الدكتور أحمد البيلي بيانًا أوضحت فيه أنها تؤكد وقوفها مع الفريق عمر البشير بقوة، ونبه البيان القائمين على الأمر بأن الذنوب والمعاصي قد دمرت أممًا كانت أشد منا قوة، لذا فإن هيئة علماء السودان تنبه القائمين على الأمر بأقصر الطرق إلى النصر، وهو تطبيق شرع الله كاملًا، وهذا ما تخشاه أمريكا وحلفاؤها: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ (سورة الصافات: 171). 

      وعلى المستوى العربي تلقى الرئيس السوداني مكالمات من رؤساء دول عربية عدة، تؤيد القرارات الأخيرة وبخاصة الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الليبي معمر القذافي، وكان الأخيران قد التقيا بشكل مفاجئ لتدارس الأمر، كما تلقى اتصالات من رئيس اليمن على عبد الله صالح، ورئيس جيبوتي، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد آل نهيان.

     وقد وصف د. الترابي رئيس المجلس الوطني «البرلمان» قرارات المشير بأنها انقلاب وخرق لقانون الحكم الاتحادي، وغدر بالمؤسسة السياسية، وقال إنهم سيلجأون إلى المحكمة الدستورية، وكشف الترابي أن القصر لم يبلغه بالخطوات التي اتخذت، واعتبر الترابي أن القضية حرب ضد الإسلام، وحمل المؤسسة العسكرية مسؤولية حماية الدستور.

    وأشار د. الترابي إلى أن حالة الطوارئ حسب الدستور لا تجاز إلا بموافقة المجلس الوطني الذي أصبح ضحية -لها الآن-  أما سياسيًا فهو غدر تام بمؤسسة السياسة «المجلس الوطني»، وهو غدر حتى بالقوى السياسية التي حملته السلطة، لا لكي يتمكن دكتاتور عسكري، ولكن لرد السلطة للجمهور والديمقراطية، وتمكين حرية الدين أن ينافس لا أن يفعل به ما فعل في بلاد آخر، وقال إنهم سيلجئون للمحكمة الدستورية، وسيمضون في الطعون الدستورية، وأوضح الترابي أن الرئيس مضغوط، وأن هذه الإجراءات حرب ضد الإسلام، وأن أعداء الإسلام لن يقفوا مكتوفي الأيدي.

     الهيئة القيادية للمؤتمر الوطني الحاكم عقدت اجتماعًا الأسبوع الماضي حضره معظم أنصار د. الترابي داخل الهيئة، وغاب عنه بعض الوزراء في الحكومة، وكان النصاب مكتملًا، وقررت استقالة الوزراء الموالين للمؤتمر، وأن يجدد الولاة بيعتهم للمؤتمر، ودعت هيئة الشورى للانعقاد خلال يومين. 

     وعلى مستوى الشارع فإن الحياة تسير سيرها الطبيعي في الخرطوم، ولا يلاحظ المرء أي تغيير سوی وجود زيادة في قوات الحراسة للأماكن المهمة وغير ذلك، فلا توجد مؤشرات لحالة الطوارئ، مثل: حظر التجول، أو اعتقالات تطاول المعارضين للحكومة، بل بالعكس فقد أوضح البشير في مؤتمره الصحفي ولقائه بقادة التنظيمات السياسية أنه لا نكوص ولا تراجع عن النهج، أو عن تيار المصالحة والوفاق، كما أن ردود الأفعال للشارع السوداني هادئة عمومًا. 

      ولا يتوقع أن يؤدي إعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان إلى قيام حرب أهلية بينه وبين أنصار د. حسن الترابي؛ لأنهما من حركة أو تنظيم إسلامي واحد -كما كشف البشير- وبالتالي فإن العلاقة التي تربطهما في الماضي والدور الذي قامت به الحركة في مساعدة البشير في الوصول إلى سدة الحكم يجعلان احتمال وقوع هذا الأمر بينهما بعيدًا.

     وكان الرئيس البشير قد كشف في مؤتمر صحفي عقده الأسبوع الماضي بمقر المؤتمر الوطني عن انتمائه المبكر منذ المرحلة الثانوية للحركة الإسلامية، وأن والده أيضًا كان يدين بالولاء للحركة الإسلامية المصرية، ولشيخها الراحل حسن البنا الذي كان يدين له بالولاء الكامل، وإن كان قد ابتعد عنها لفترة لظروف عمله في القوات المسلحة. 

والشيء الملاحظ في هذا المؤتمر هو أن البشير أبدى تقديره واحترامه للدكتور الترابي ومجاهدته من أجل النهوض بالحركة الإسلامية، وتحويلها من مجموعة طلاب إلى حركة جماهيرية، قائلًا: ونحن لا ننكر جهده أبدًا، ولكن لا يحق للأمين العام أن يهد هذا البنيان لأن فيه جهد الآخرين، وأوضح الرئيس البشير أن الحركة الإسلامية -جماعة د. حسن الترابي- التي كنا أعضاء فيها تم حلها دون التشاور معنا، ثم بدأت حملات التهميش ضدنا كحكومة، وقال البشير: أريد أن أسأل اليوم بأي سلطة تم حل الحركة الإسلامية، وأين هي الحركة الإسلامية اليوم؟

     وكشف الرئيس البشير في مؤتمره الصحفي بمقر المؤتمر الوطني عن جهود كبيرة من أجل تقريب الشقة بينه وبين د. الترابي، ورأب الصدع قامت بها مجموعة من الوزراء والقياديين الإسلاميين بعد الأحداث، كما شهدت دوائر المؤتمر الوطني في العاصمة زيارات مكوكية لعدد من الوزراء الاتحاديين والولاة، وفشلت جهود اللجنة السباعية التي تضم سبعة وزراء لمقابلة رئيس الجمهورية بغية الإصلاح، وأعلن رئيس الجمهورية لأول مرة عن الوساطات التي قامت بها قيادات إسلامية من خارج السودان، مثل: الشيخ عبد المجيد الزنداني، والدكتور حسن هويدي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، والشيخ فيصل مولوي أمين عام الجماعة الإسلامية- لبنان، ولكن يبدو أن الفتق في آخر الأمر قد اتسع على الراتق.

     وكشف الرئيس البشير أيضًا في مؤتمره عن تشكيل عشرات اللجان من شيوخ الحركة الإسلامية والولاة وأمناء التنظيم والقيادات الوسيطة والأفراد، وعبر اللقاءات الثنائية، إلا أنهم كانوا عقب كل لقاء يخرجون أكثر اختلافًا، وأضاف أن جميع المحاولات لاحتواء هذه الخلافات قد فشلت.

     وعلى الرغم من تجاوزات أو مكايدات د. الترابي مع القصر الجمهوري فلا يزال الرئيس البشير يحفظ تقديرًا خاصًا لزعيم الحركة، ولهذا فلم يعتقل، وظل يتحرك بحرية تامة هو وأتباعه، ويعقد مؤتمرات صحفية تخالف تصريحاته فيها تصريحات رئيس الجمهورية.

     أما المجاهدون والدبابون -الذين يفجرون الدبابات بتلغيم أنفسهم بالمتفجرات والاندفاع تجاهها- الذين جاهدوا في الجبهات الجنوبية والشرقية فسيكونون في وضع حرج في هذا الخلاف بين القيادتين الروحية والرسمية، وليس لديهم مبرر في مواجهة الرئيس البشير، وهو الذي لا يعادي الشريعة الإسلامية، بل يدعو إليها، ويدرك الطرفان أن أي صراع مسلح سوف يودي بهما وبالسودان معًا، وقد أبدى قائد قوات الدفاع الشعبي وأحد الموقعين على مذكرة العشرة علي كرتي تأييده للبشير.

     كما أن التأييد الذي وجده البشير من قوات الجيش والشرطة والقوى الأمنية لا يدع احتمالًا لوقوع انقلاب، والبشير لم يحصل فقط على تأييد القوات النظامية، بل أيضًا على تأييد معظم الأحزاب والتنظيمات السياسية في الداخل والخارج.

     وإذا رضي د. الترابي بالأمر الواقع، ولم يدخل في مواجهة، فلن يعكر صفو الأمر حادث، ولكن إذا أصر على المضي قدمًا فيما يخطط لمحاولة استرجاع مكانه، واستمر الصراع بينهما، فسوف تستفيد منه جهة واحدة هي الجبهة الأفريقانية المدعومة إقليميًا وأمريكيًا وصهيونيًا.

الرابط المختصر :