العنوان البعد الخفي من الزمن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000
مشاهدات 70
نشر في العدد 1396
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 18-أبريل-2000
الزمن كغيره من مخلوقات الله تعالى يخاله المرء أحادي البعد، فهو يتكون من ثوان، تمر واحدة تلو الأخرى، فإذا اجتمعت ستون منها قلنا: مر من عمرك دقيقة، وكذلك الدقيقة يكتمل نصابها الستون فتكون الساعة، وهكذا تسير عجلة الزمان من بعد.
لكن مع تنوع الأحداث والتجارب التي تمر على المرء ترى نظرته إلى الحياة وما حوله من العوالم تتعمق، ولقد أدركت من خلال بعض تجاربي في الحياة أن للزمن بعدًًا آخر أعمق بكثير من صورة الثواني والدقائق، وحركة العقارب أسميه وطأة الزمن، فالثانية نفسها تمر على زيد وعمرو وهما في بقعة من الأرض واحدة.. لكن شتان الفارق بين ثانية زيد وثانية أخيه.
إن ثواني الأزمات تمر.. كما أن ثواني الأفراح تمر.. ولربما خيل لمن كان بمعزل عن وطأتها بأنها تمر بسرعة واحدة، ولكن هيهات قال الشاعر:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
نعم، إن ثواني الأزمات تمر. لكنها تمر بطيئة في نفس من يعيش الأزمة، ويتجرع آلامها بل هي في حسه سنوات أنت في صورة ثوان وفي المقابل ثواني الأفراح تمر مر السحاب والمتنعم في ظلالها يصيح بها أن رويدًا رويدًا.
«كل يوم يمر بسنة»، إذا كان الإنسان متألمًا لمصيبة، أو مرض، أو كان منتظرًا لعودة محبوب... وفي الطرف الآخر مضى هذا اليوم، كأنه دقيقة أو لحظة، إذا كان الإنسان سعيدًا، أو قريبًا ممن يحب لكن اليوم هو اليوم، ليس سنة ولا دقيقة، إنما هو إحساس الإنسان بهذه الفترة الزمنية «اليوم» هو الذي يجعلها طويلة أو قصيرة حسب حالته الذهنية.
ولا أظن أن ليل المحزون المثقل بالهموم أطول من ليل الفرح الثمل.. ومع هذا نرى الهم والحزن يعصف به ويزيد من وطأة الزمان عليه فيجعله ينوح نوح الحمائم:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل
حين ندرك هذا البعد الخفي، وهذا السر «وطأة الزمن» على الزمن نفسه تزول عن أذهاننا علامات التعجب من طول الوقت أو قصره.
ويقولون: «النصر صبر ساعة»، فهل يعقل أن النصر ينال فقط بصبر ساعة إذن ما أهون النصر، وما أسهل مناله ولكننا حين ندخل في تصورنا البعد الآخر للزمن يتكشف لنا سر من الأسرار يقف وراء هذه القاعدة الصحيحة.
إن وطأة ساعة النصر على النفوس شديدة لا تتحملها أي نفس، فضلًا عن أن تكون نفسًا متهالكة مريضة.. إن صبر تلك الساعة الحاسمة يحتاج إلى ساعات من الاستعداد الخاص لا تقل وطأتها عن وطأة ساعة النصر بل ربما كانت إلى الصبر أحوج.
لذلك فإن ساعة النصر أبعد من أن تكون في حسابنا ستين دقيقة يصبر عليها المرء لينال النصر والعزة، إنها مسيرة أجيال تربي، وتعد ساعة بساعة، ويومًا بعد يوم.. لتأتي بعد زمن ليس باليسير أجيالًا عزيزة كريمة، ويومها ستكون مهيأة لخوض غمار المنون، ولصبر تلك الساعة.
ولقد ضرب لنا القرآن الكريم مثلًا يحتاج إليه كل متعجل سنم طول الطريق فلا تراه في الميدان إلا صانحًا: «يا قوم صبر ساعة» يقول الله تعالى في هذا المثل القرآني: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة:٢٤٦).
وخذ مثلًا آخر يجلي الأمر، ويزيده وضوحًا، لقد تعجب الصحابة- رضوان الله عليهم- حين علموا أن شهيد المعركة يجار من فتنة القبر وعذابه، فكشف لهم رسول الله ﷺ الستار عن البعد الذي نتحدث عنه فقال لهم: «كفى ببارقة السيف فتنة» لأن لمعان السيف، وبريقه، وهو يهم بفلق الهامة فتنة تساوي في وطأتها فتنة القبر وعذابه.
ففهم الصحابة- رضوان الله عليهم- بسليقتهم العربية، وجهادهم الطويل، أبعاد الصبر على فتنة «بارقة السيف» الذي لم يكن أبدًا وليد صدفة، أو جاء بمخاض ساعة، إن الصبر على تلك الفتنة وإن كان للحظات معدودة.
فيما يراه الناس- فهو في ميزاننا ضارب بجذوره في عمق الزمان.. أعوامًا طويلة من التربية والإعداد.
إن القلوب التي لا تهاب حد السيف والعيون التي لا يعيشها لمعان السيوف تهدد بالحتوف ليست أبدًا نفوسًا عادية، إنها قلوب حية رضعت من معين الشجاعة والإقدام حينًا من الدهر وأعين ثاقبة اكتحلت برهج السنابك، وغبار المعارك، وما زالت تكتحل.
من أجل تثبيت هذا المعنى العميق في النفوس أطلق الإمام حسن البنا- رحمه الله- صيحته المدوية منذ وقت مبكر لكل متحمس متعجل فقال: «اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول أجل قد تكون طريقًا طويلًا ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضوجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة».
ياسر عبد العزيز نصيف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل