العنوان وإن كانت سياساته لا تبعث على الثقة- البنك الدولي يقر بأهمية الزكاة في علاج الفقر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1438
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 13-فبراير-2001
أعلن البنك الدولي أنه يقوم بدراسة بعض المبادئ الإسلامية المتعلقة بالتعاملات المالية والزكاة الشرعية، بغية الاستفادة منها في وضع استراتيجيات مكافحة الفقر حول العالم.
وأشار جون بيج مسؤول استراتيجية مكافحة الفقر في البنك إلى أنه إذا كانت هناك مبادئ دينية في أي ديانة تساعد على تحقيق هدف مكافحة الفقر، فإن البنك مستعد لدراستها على أن تكون ذات أبعاد اقتصادية وإنتاجية وليست مجرد هبات ربما لا تساعد الشعوب كثيرًا في تجاوز أزماتها.
هذا التوجه لدى البنك الدولي يستدعي التوقف عنده لأكثر من وجه:
أولًا: بداية، فإن للبنك أهدافًا ومرامي بعضها انكشف وانفضح، وبعضها الآخر خفي، ولكنا نشتم منه رائحة التدبير لغير مصلحة الشعوب المغلوبة على أمرها في عالم اليوم وأكثرها من الشعوب العربية والإسلامية، كما لا يخفى أن رئيس البنك يهودي، وكثيرًا من القائمين عليه من اليهود، فضلًا عن أن تأسيسه وسياساته منذ أنشئ، إنما كانت لغرض خدمة الدول الغربية التي كانت وراء فكرته، ولذلك فإننا لا نأخذ ما يصدر عن البنك الدولي على علاته، وإنما يحتاج لتبصر وتمحيص.
ثانيًا: أن المسؤولين الاقتصاديين في العالم بدأوا يدركون أن السياسات الاقتصادية والنقدية السارية كان لها من الضحايا أضعاف أضعاف المستفيدين منها، ولكونها من بنات أفكار البشر، فقد هدفت لخدمة سياسات ومجتمعات وطبقات معينة بصرف النظر عن أثرها السلبي على الآخرين، كما بدا أولئك المسؤولون الاقتصاديون إدراك ما في الإسلام من فروض وتوجيهات تتعلق برعاية حياة البشرية وبخاصة الفقراء، ومن ذلك فريضة الزكاة التي هي الركن المالي الاجتماعي من أركان الإسلام الخمسة.
وحين وجد الاقتصاديون أن فيها مصلحة مادية بدأوا بالنظر إليها ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (النور: 49).
ثالثًا: أن الزكاة ليست مجرد أداة اقتصادية أو أموال تجبى كالضرائب والمكوس، والتمغات لتصب في خزينة الدولة وتزيد من إيراداتها، ولكنها عبادة الأصل فيها أنها من الأمور التوقيفية، يبتغي بها المرء أولًا التقرب إلى الله تعالى، ثم إن لها مردودًا اقتصاديًا واجتماعيًا في المجتمع.
فالزكاة في معناها اللغوي هي البركة والنماء والطهارة والصلاح، وفي معناها الشرعي أنها تزكي نفس المتصدق ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103) وهي تزيد ماله وتطهره، كما أنها تحقق للفقير الذي يتلقاها نموًا ماديًا ونفسيًا وتطهره من الحسد والبغضاء على الأغنياء، وقد حذر الإسلام تحذيرًا شديدًا من الامتناع عن أدائها لما في ذلك من إضرار بالدورة الاقتصادية في المجتمع قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران: 180).
كما توعدت الأحاديث النبوية مانعيها بالعقوبة الدنيوية: ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين، «رواه الطبراني والحاكم والبيهقي»، والسنون جمع سنة وهي المجاعة والقحط فالأصل أن يعطي المسلم الزكاة مؤتجرًا محتسبًا، وقد حدد الإسلام مصارفها ولم يترك ذلك لتسلط رجال الكهنوت كما في بعض العقائد المنحرفة، أو المطامع الطامعين ولا غير المستحقين.
كما أن الزكاة -وهنا جواب على كلام مسؤول البنك الدولي- ليست مجرد معونة وقتية لسد حاجة عاجلة للفقير ثم ترکه بعد ذلك لأنياب الفقر والفاقة، بل إن هدفها القضاء على الفقر وإغناء الفقراء إغناء دائمًا يستأصل شافة العوز من حياتهم، ويعينهم على أن ينهضوا -مستقلين- بعبء المعيشة. فهي فريضة دورية منتظمة دائمة الموارد، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن يعطى الفقير ما يستأصل شافة فقره ويقضي على أسباب عوزه وفاقته ويكفيه بصفة دائمة ولا يحوجه إلى الزكاة مرة أخرى. يقول الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه القيم «فقه الزكاة» ومن هنا يتبين أن الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير درهمًا أو درهمين، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانًا كرمه الله، واستخلفه في الأرض، ولائق به بوصفه مسلمًا ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس.
وإزاء ذلك نقول: إن الأولى بحكومات الدول العربية والإسلامية أن تسارع إلى سن القوانين التي تقيم هذه الفريضة وتنظم جمعها وإنفاقها في مصارفها، ففيها -إن شاء الله- غنى للأفراد والمجتمعات. وقد ذكرت إحدى الدراسات أن مقدار الزكاة التي يمكن جمعها في مصر في عام واحد يزيد على إجمالي المعونات التي قدمتها الولايات المتحدة لمصر وجنت من ورائها مواقف وسياسات كبلت مصر بقيود وأثقال يصعب الفكاك منها.
وقد كان للكويت سبق في هذا المجال، حيث أنشئ فيها بيت الزكاة عام ۱۹۸۲م، كما أنشئت الأمانة العامة للأوقاف عام ۱۹۹۳م، وللهيئتين دور مشكور في مجال الرعاية الاجتماعية، حيث قدم بيت الزكاة عام ۱۹۹۸م أكثر من ١٢.٥ مليون دينار كويتي، صرفت في مصارف الزكاة الشرعية، كما بلغت رؤوس أموال الأوقاف ۱۳۰ مليون دينار كويتي عائدها السنوي ١٥ مليون دينار على الرغم من عدم وجود قانون يلزم بالدفع لجهة معينة.
وقد قام كثير من الباحثين المخلصين بدراسات اقتصادية علمية أثبتت أن للزكاة نفعًا كبيرًا للأفراد والمجتمعات، وبقي أن نطبق ركن الزكاة ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ﴾ (النساء: 11) لما فيه من تحقيق مصلحة العباد والبلاد، ولا ننتظر توصيات من البنك الدولي أو غيره، تلك التوصيات التي يجب أن نتعامل معها بحذر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل