العنوان البنوك الإسلامية وتحديات المبادئ والأهداف
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
مشاهدات 50
نشر في العدد 739
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-أكتوبر-1985
افتتح مساء
الأربعاء الماضي- في دبي- المؤتمر الثالث للبنوك الإسلامية، والتي تخطت نطاق
الظاهرة إلى مجال الحقائق الفاعلة في الحياة الاقتصادية لدول العالم الإسلامي،
وبحساب الزمن فقد تجاوزت عقدها الأول، كما أن انتشارها السريع- وفي فترة وجيزة-
كان دلالة واضحة على مقدار ما حققت من نجاح، وأصبحت بذلك واحدة من النقاط المضيئة
في حياة التيه التي تصطلي بها الأمة الإسلامية، وبالرغم من كل هذا وما سواه من
الجوانب الإيجابية؛ فإننا نجد من واجبنا أن نقف مع البنوك الإسلامية وقفة تملٍّ
ناقدة، نتحسس معها نقاط التقدم والانحسار في الوسائل وتحقيق الأهداف، سيما وأن
قضايا تقدم البنوك الإسلامية لا تخص فقط البنوك الإسلامية في شخصها، وإنما تتعداها
إلى العمل الإسلامي وسير الدعوة الإسلامية، وانطلاقًا من هذا المفهوم نوجز نطاق
التملي في الآتي:
أولًا- النطاق
المصرفي:
1- من المتفق
عليه سلفًا- في أدبيات الفكر الإسلامي- أن نظام وأنشطة البنك الإسلامي تتجاوز-
بالضرورة- أنظمة ونشاط المصارف التجارية الربوية، بناء على أن هذه الأخيرة تجعل من
المال «النقود» سلعة الإنجاز الأساسية، في حين أن البنك الإسلامي يرى أن المال
وظيفة اجتماعية، وأداة لتحقيق التكافل والوفرة، وتعد النظرة نقطة المفارقة مع البنوك التجارية
الربوية، غير أن واقع البنوك الإسلامية- أو أكثرها- ما زال بعيدًا عن هذا المبدأ،
بل وأكثر من ذلك أن أكثرها أصبحت تدور في ذات الفلك الذي تدور فيه البنوك التجارية
الربوية، فانغمست في القضايا التجارية البسيطة وبطابعها الاستهلاكي، والاتِّجار في
العقارات وهي مجالات- وإن كانت في مجال النص الشرعي ليست حرامًا إلا أنها- تتناقض
ومقاصد الشرع من جانب، وتخرج على المبدأ العمل للوظيفة الاجتماعية للمال، وبالطبع
لا نعني بهذا مقاطعة النشاط التجاري، وإنما أولويات المرحلة تقتضي خلق التوازن بين
الأنشطة، حتى لا يتحول البنك الإسلامي إلى بنك تجاري لا ربوي.. فضلًا عن أن
الاتِّجار في المجالات الاستهلاكية عمومًا يلتقي مع أهداف الغرب الرأسمالي في
تحويل المنطقة إلى سوق استهلاكي لمنتجاته، مما تتكرس معه التبعية الاقتصادية
للمنطقة.
2- تعاني أكثرية
البنوك الإسلامية من عقدة التأسيس وإثبات الذات، بالرغم من أن هذه المرحلة قد
تجاوزتها منذ فترة مبكرة؛ حيث إنها تتحاشى الدخول في دائرة المبادأة، وتعتمد
الأساليب التقليدية إيثارًا للسلامة من جانب، وتحقيقًا للربحية المرتفعة، وتحقيق
الربحية يعتبر هاجسًا لكل البنوك التجارية منها والإسلامية، إلا أن التركيز عليها
من قبل البنوك الإسلامية يعد منقصة؛ لأنها تحصر النشاط الاقتصادي في النطاق
التقليدي، وتضيع بذلك فرص تشكيل المفاهيم الإسلامية في تحقيق التكافل الاجتماعي،
والتوزيع العادل، وعلى العكس فإن التشوق لتحقيق الأرباح المرتفعة يعني مزيدًا من
تركيز الثروة بأيدي القلة مضاعفة الاختلال الاجتماعي في الأمة، مما يجعل المال
دولة بين الأغنياء، وينتفي بذلك هدف التوزيع العادل للثروة.
ثانيًا- النطاق
التنموي:
1- وفقًا لما
تناقلته بعض وكالات الأنباء؛ فإن الأصول المالية للبنوك الإسلامية قد بلغت 45
مليار دولار، وهذا المبلغ يعد في إطار العمل المصرفي مبلغًا ضخمًا مما يتوجب معه
اتساع حجم المشاركة لهذه البنوك في مجال التنمية، لا سيما وأن هذه البنوك تمارس
نشاطها في دول يغلب عليها ضعف العملية التنموية، وعلى الرغم من قناعتنا بأن
التنمية في أطرها الكلية وظيفة الدول والأنظمة؛ إلا أن مساهمة البنك الإسلامي في
تأصيل العملية التنموية وإزالة أسباب التغريب فيها يعد هدفًا رئيسًا للبنوك
الإسلامية، إلا أن كثيرًا من البنوك الإسلامية مازالت تعزل عن برامجها هذه
المساهمة، وحتى تلك التي تعمل في مجالات الاستثمار «البنوك الإسلامية في مصر
والسودان» لا تمارس الاستثمار وفقًا لمنهج برامج مرحلية متدرجة، وإنما تتم أكثر
العمليات بناء على مبادرات فردية، يغلب عليها طابع السهولة واليسر في تحقيق الأرباح،
والبعد عن عنصر المغامرة.
2- على الرغم من
أن هناك اتحادًا للبنوك الإسلامية؛ إلا أن أنشطة هذه البنوك مازالت تصطبغ بالطابع
الفردي، كما أن الاتحاد لم يعمل على إيجاد صيغ تبني معها البنوك الإسلامية مشاريع
تنموية- كبيرة نسبيًا- في الدول الإسلامية ذات الإمكانيات الطبيعية العالية، والتي
تفتقد إلى عنصر التمويل، كما هو الحال في دول كالباكستان وتركيا ومصر والسودان
والسنغال.
ثالثًا- التنمية
البشرية والتكنولوجية:
1- إن على
البنوك الإسلامية وهي تكافح من أجل صياغة النواحي العملية للاقتصاد الإسلامي، وفي
بيئة وإن كانت تتعاطف جماهيريًا معها؛ إلا أن النظم الاقتصادية السائدة تتناقض
معها أهدافًا ووسائل، ومن خلال الوعي بهذه الواقعة، فإنه يتحتم عليها تحسين
الأوضاع البيئية من خلال ترقية الإنسان المسلم، وصياغة التنمية السلوكية للإنسان،
وترفيع نوازع الإنتاج فيه، وذلك باتباع الأساليب العلمية في تقدم السلوك
الاقتصادي، وخلق الوعي الادخاري، والتقليل من النهج الاستهلاكي المسرف الذي تعاني
منه المجتمعات ذات المدخول المرتفع نسبيًا.
2- وفي نطاق
التنمية البشرية نجد أن المجتمعات الإسلامية تعاني من نقص الأساليب العلمية في
مسارها نحو التقدم، كما أنها تفتقد إلى الأنماط المتقدمة في استقدام هذه الأساليب،
وتستطيع البنوك الإسلامية أن تلعب دورًا مهمًا في محاولة نقل التكنولوجيا الغربية
المتقدمة وفقًا لبرامج طويلة الأجل، ومرحلية لا تمارس القفز على الحواجز، لا سيما
وأن الاعتماد على الغرب يجعل استقلالية المنطقة الإسلامية في نطاق محرج، خاصة
سيطرته التامة على الغذاء والمنتجات الاستهلاكية الأخرى.. ويتصل نقل التقنية
الحديثة والمتقدمة بتهيئة المجال البشري لها، أي لا بد من تحديث الأوضاع الإدارية،
وترقية النظم المتصلة بها عن طريق التدريب للكوادر الفنية ذات التوجهات التخصصية،
وعمليًا يمكن أن يتم هذا في نطاق البنوك الإسلامية أولًا وما يتصل بها من
مشروعات...
خاتمة:
وختامًا لا نريد
للبنوك الإسلامية أن تستغرقها قضايا البحث عن فتاوى تحلل بموجبها أنماط التجارة
التي تمارسها، بقدر ما تسعى لإيجاد أطر بديلة ذات مردود أكبر تسهم في تقدم الحياة
المصرفية والتنموية والاقتصادية للمسلمين، وهو دور لا يمكن أن يقوم به غيرها، فهل
تنتظر أم أنها ستبقى مشدودة بإشكاليات التجارة، ويفوتها بذلك خير كثير أوفر من
أجلها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل