; هل لاحت الأيام الأخيرة للبوسنة والهرسك؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل لاحت الأيام الأخيرة للبوسنة والهرسك؟!

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1993

مشاهدات 61

نشر في العدد 1036

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 02-فبراير-1993

البوسنة والهرسك

المجتمع الدولي ومواجهة "الموقع الإسلامي الفريد"

العالم المتحضر والمجتمع الدولي أقسموا أن ينتقموا للمسلمين الضحايا، وأن يردوا للعدوان الصربي الصاع صاعين شرط أن يتمهل المسلمون وأن يصبروا... ربما حتى يهلكوا.

معركتان تخوضهما البوسنة والهرسك في آن واحد. الأولى في جنيف والأخرى على خطوط المواجهة مع الميليشيات الصربية الهمجية التي بدأت تواجه بعض الصعوبات في مباشرة مهامها في تخليص أوروبا من «موقع إسلامي فريد».

 

"العنف" الدبلوماسي في جنيف

المعركة في جنيف حادة وشرسة وضارية رغم أنها تتم فوق موائد المفاوضات وفي أجواء مكيفة تتوافر فيها الماء والكهرباء والخبز التي تفتقدها المدن البوسنية المحاصرة.

«العنف» في جنيف لا يأتي من قبل عدو واحد هو صربيا أو يوغسلافيا الجديدة بشقيها صربيا والجبل الأسود، ولا يأتي من صديق وحليف بات اليوم عدوًا لدودًا وهي كرواتيا التي تحصل وفدها على مساعدات «قيمة» أثناء تجواله في الأيام الأخيرة في العواصم الخليجية فيما كانت القوات الكرواتية تدك القرى المسلمة الواقعة ضمن المقترحات الكرواتية المقترحة طالبة منهم ومن جيش البوسنة والهرسك تسليم السلاح والانصياع لمجلس الدفاع الكرواتي.

ولا يأتي أيضًا من «العالم المتحضر» و«المجتمع الدولي» و«المجموعة الأوروبية» الذين أقسموا أن ينتقموا للمسلمين الضحايا وأن يردوا «للعدو الصربي» الصاع صاعين شرط أن يتمهل المسلمون وأن يصبروا... ربما حتى يهلكوا. والأمم المتحدة بأمينها الأرثوذكسي بطرس بطرس غالي والأمين الثاني البروتستانتي لورد أوين وسايروس فانس اللذان يأبيان إلا المحادثات والمزيد من المحادثات لحسم الحرب فيما الفقراء.. وحتى الأغنياء يموتون بردًا وجوعًا في قرى ومدن البوسنة والهرسك.

وإنما يأتي «العنف» من قبل هؤلاء كلهم مجتمعين في مواجهة شعب مسلم لم تمهله الظروف ليسترد عافيته بعد سنوات الشيوعية الطويلة فاختلطت لديه الرؤى وتنازعته الفتن التي تجعل الحليم حيرانًا.

 

تحليل مقترح فانس وأوين لتقسيم البوسنة

في 2 من يناير من هذا العام كان المسلمون على موعد في جنيف المشؤومة ليقدم لهم المجتمع الدولي (ممثلًا في وسيطي السلام لورد أوين وسايروس فانس) مقترحًا جديدًا لإنهاء الحرب في بلادهم. مقترحًا يكافئ الجاني الصربي على فعلته ويمنح الحلف الكرواتي أكثر مما يطلبه، ويحصر المسلمين في مناطق متناثرة تمهيدًا لضربة نهائية تتخلص فيها أوروبا من شعب يرون أنه «أصولي» أو في طريقه للأصولية أو ربما يكون فيه أصوليون ونظرة موضعية لمشروع توزيع البوسنة والهرسك إلى 10 مقاطعات تكشف لأي مراقب ما يمكن أن يخرج عن وعيه:

 

1. توزيع الأراضي غير المتناسب: على صعيد الأرقام حصل المسلمون الذين يشكلون 44% من سكان الجمهورية على 27.9% من مساحة بلادهم في مقابل حصول الصرب الذين تبلغ نسبتهم 33% من السكان على 41.4% من أراضي الدولة وتحصل الكروات على 27.1% من الأراضي رغم أن نسبتهم لا تزيد عن 17% من سكان البوسنة والهرسك.

 

2. إقرار نتائج التطهير العرقي: لا ينص المشروع على عودة المطرودين إلى بلادهم بمعنى أن المقاطعات الصربية التي مورس فيها أعمال التطهير العرقي على المسلمين ذبحًا وقتلًا وطردًا لن يسمح فيها للمسلمين بالعودة إلى ديارهم بمعنى أن المشروع المقترح يصدق على نتائج العدوان الصربي ولا ينفيها أو يزيل آثارها.

 

3. حيادية سراييفو وضم المدن الكبرى: أكبر ثلاث مدن في البوسنة والهرسك هي سراييفو العاصمة، وبانيا لوكا وموستار، وفيما منحت الأخيرة والتي يبلغ نسبة الكروات بها حوالي 34% للكروات ومنحت للصرب بانيا لوكا التي تبلغ نسبة الصرب بها 55% ظلت سراييفو التي تبلغ نسبة مسلميها فوق الـ 50% من عدد السكان مدينة محايدة.

 

4. تقطيع الأوصال الجغرافية: حرصت الخارطة المقترحة على تقطيع الأوصال الجغرافية الرابطة بين البلدات ذات الأغلبية المسلمة في شرق البوسنة والهرسك مع إقليم السنجق الذي تعيش بها أغلبية مسلمة ويقع تحت الاحتلال المتناصف بين الجبل الأسود وصربيا.

 

5. مقارنة مع خارطة تقسيم سابقة: مقارنة الخارطة المقترحة مع خارطة البوسنة والهرسك عام 1939 عندما كانت الدولة البوسنية مقسمة بين صربيا وكرواتيا تؤكد أن تغييرًا طفيفًا يفرق بينهما مما اعتبرته جريدة «ليليان» البوسنية أنها خطوة قبل النهائية تجاه تشكيل صربيا الكبرى وكرواتيا الكبرى على أنقاض البوسنة والهرسك وعلى أنقاض وجثث مسلميها.

 

6. مكافأة الكروات: رد فانس وأوين المدينتين اللتين تسبب الكروات في سقوطهما في أيدي الصرب ومقتل عدد كبير من المسلمين إلى الكروات مرة أخرى وهما مدينتا «بوسانسكي برود» و«يايتسا».

 

مكاسب أخرى للمقترحات (ليست للمسلمين)

وإذا كانت هذه هي الخسائر المباشرة المقروءة في مقترحات فانس وأوين فإن هناك ثمة مكاسب أخرى بالطبع ليست للمسلمين.

 

أولًا: ضرب التحالف الكرواتي – البوسني: وجهت ضربة قاضية للتحالف «المهزوز» بين المسلمين والكروات حين أقدمت على منح الكروات بلديات ذات غالبية مسلمة، ومن ثم اندلع الصدام مجددًا بين المسلمين والكروات في هذه المناطق بصورة أشد وأعقد من سابقتها، وكرس مجلس الدفاع الكرواتي هذه النتيجة حين أقدم على إصدار قرار بوجوب خضوع وحدات جيش البوسنة والهرسك المتواجدة في المقاطعات الممنوحة للكروات لوحدات مجلس الدفاع الكرواتي مما سبب تصاعدًا في حدة القتال انتقل إلى المستويات السياسية حين أعلن الرئيس عزت بيغوفيتش عن رفضه لهذا القرار وردت عليه الدبلوماسية الكرواتية بطريقة حادة ولوحت بـ 400 ألف لاجئ بوسني على أراضيها، وأثمر هذا الصدام عن إغلاق الطرق البرية في وجه الإمدادات العسكرية والإغاثية على حد سواء.

 

ثانيًا: إجهاض التدخل العسكري الغربي: لم تضع مقترحات جنيف حلًا نهائيًا بل عملت على نشر المعارك بطريقة متساوية بين 10 مقاطعات وهما المعارك الدائرة على مستويين عسكري ودبلوماسي في جنيف مما يعني إجهاض أي محاولات جادة للتدخل العسكري الغربي أو حتى أي خطوة أخرى لتشديد الحصار والضغوطات على صربيا، بل هي فرصة من خلال الموافقة الظاهرية للصرب على المقترحات مما يخفف من حدة المقاطعات الدولية المفروضة ويؤدي ذلك ربما إلى إعادة تطبيع العلاقات الصربية مع بعض الدول الغربية.

 

ثالثًا: إشعال حرب كرواتيا وصربيا لتشتيت الأنظار: منح وسيطا السلام – أو الحرب – لورد أوين وسايروس فانس كرواتيا الضوء الأخضر – حسب الرواية الكرواتية الرسمية – لاستعادة موقع إستراتيجي لها عند «ماسلانيتسا» مما فجر وأعاد الحرب بين كرواتيا وصربيا وفي توقيت زمني قبيل انعقاد الجلسة الثانية من مفاوضات جنيف التي بدأت يوم السبت 23/1/93 وسرعان ما خطفت القضية الكرواتية الأنظار وفرضت نفسها خبرًا هامًا في الإعلام العالمي.

 

انتصارات المسلمين وشبح "المثال الفلسطيني"

وفي غضون ذلك تواصل المعارك الضارية في البوسنة والهرسك والتي تمكن فيها المسلمون في الأيام الماضية من تحقيق انتصارات لا بأس بها خاصة عند منطقة شرق البوسنة والهرسك إلى حد توغلهم عدة كيلومترات داخل أراضي صربيا نفسها، وأحكمت القوات البوسنية حصارها حول بلدة سيكلاني التي تعتبر أقوى معقل صربي في منطقة شمال شرق البوسنة، وكذلك في منطقة «زينورينك» ومنطقة «جوراجين» وتمكنت في هذه المناطق وغيرها من اغتنام كميات لا بأس بها من السلاح الثقيل والخفيف ومن أسر عدد لا بأس به أيضًا من القوات الصربية. ورغم أن هذا لا يعني تغيرًا حادًا في ميزان القوى في المنطقة إلا أنه يعني شيئًا كبيرًا في ظل الظروف القائمة، وخاصة أن الإعلام الغربي لا يبدي اهتمامًا ملحوظًا بهذه الانتصارات على عكس ما أبداه حين سقط شطر من حي أوتيس قبل حوالي شهرين في أيدي القوات الصربية، وكان العالم الغربي يعد اللحظات لانهيار الشعب المسلم في البوسنة والهرسك وإعلانه الاستسلام.. ماذا يمكن أن يحدث في الأيام القادمة فإن السيناريوهات المطروحة متعددة ومتناقضة. إلا أن شبح «المثال الفلسطيني» يطوف حول ما تبقي حيًا من الشعب المسلم في البوسنة والهرسك.. ذلك في وقت يراقب فيه العالم الإسلامي – بعد انتهاء فترة تحذيره في 15 من يناير – ما يحدث في البوسنة والهرسك بألم شديد يدفعه لإرسال المزيد من أكياس الطحين العاجزة عن أن تحفظ لأمة المسلمين في أوروبا موقعهم الفريد في البوسنة والهرسك.

 اقرأ أيضا:

معلومات عن مقترحات السلام التي قدمها فانسوأوين (Vance-OwenPlan):

 


 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 20

114

الثلاثاء 28-يوليو-1970

يوميات المجتمع

نشر في العدد 336

101

الثلاثاء 08-فبراير-1977

في الصميم (العدد 336)