الثلاثاء 25-يوليو-1978
كان لا بد لهذا التاريخ أن يرهف سمعه مستوعبًا أحداث مكة. فقد كانت الأحداث تتوالى بشكل يؤكد أن الحدث الكبير يوشك أن يهز أركان - مكة كلها، وأرجاء العالم بأسره. قد تكون بداية تلك الأحداث عندما حفر عبد المطلب زمزم مستعينًا بابنه الحارث بعد أن أتاه هاتف في نومه يناديه بحفر البئر التي انفجرت تحت قدمی جده إسماعيل. كانت بداية الأحداث التي شغلت التاريخ هي هذا الحفر، ثم أسرعت الأحداث خطاها، وأراد عبد المطلب الوفاء بنذره. إن ولد له عشرة بنين لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. ويكون ابنه عبد الله هو ذلك الابن الذي يتقدم به لينحره حيث كانت تنحر العرب عند زمزم. أي حدث كبير هذا؟ إنه جدير بالتسجيل. وما حدث بعملك كان يستحق التسجيل أيضًا. فتقدم عبد المطلب يفدي ابنه بمائة من الأبل لينقذه من الموت، وهل الموت كان بعيد؟ ألم يمت عبد الله بعد عرضه المشهود حين بلغ يثرب؟ فيم كان الفداء والموت منه وشيك؟ وفيم كان العرس المشهود والموت منه قريب؟ إنها إرادة الله الخالق العليم.
وهكذا كانت الأحداث قوية عنيفة في حي بني هاشم وفي دار عبد المطلب. ولم يكن هجوم أبرهة على الكعبة ومحاولته هدم البيت العقيق إلا سلسلة تابعة لهذه الأحداث السابقة، وما يلحق بها من أحداث. ألم يعد أبرهة إلى صنعاء بقدمي الفشل والخيبة، وفوقه طير أبابيل ترميه بحجارة من سجيل. لم يدافع عن الكعبة بشر ولا أهل مكة أنفسهم دافعوا عنها، وهم أقرب الناس إلى البيت الحرام، وأكثرهم منفعة من ورائه.
دافع الله عن بيته بمعجزة كانت ظاهرة واضحة لأهل مكة، لم تحدث بعيدًا عن أعينهم.
والسؤال الآن: لماذا كانت كل هذه الأحداث تقع في فترة زمنية محدودة، وفي مكان واحد هو مكة؟
ألا يعني ذلك أن مكة تنتظر ما هو أكبر من كل تلك الأحداث؟ وقد سجلها التاريخ بدقة لأن التاريخ لم يكن مشغولًا بغير مكة وما حولها. كأن الأرض بطولها وعرضها قد خلت من الأحداث، فكان لا بد أن يقف التاريخ هناك ويضع أذنيه فوق النبض الجديد في قلب مكة، تلك القرية الصغيرة. وينصرف عن غيرها رغم وجود قوتين كبيرتين هما الفرس والروم. ولكن مكة هي التي تنتظر النور، وتشاهد اضطراب الحياة، ووقع أقدام الأحداث قبل مولد الرسول.
أما بعد مولده، فكان التاريخ يرهف السمع بحرص وحب. ومن هنا بدأ يسجل ما حدث لهذا الطفل اليتيم الذي ولد في بيت عبد الله قرب الحرم المكي، وحين خرج إلى بادية بني سعد ليقيم هناك مع مرضعته حتى يعود وهو ابن خمس سنوات إلى- مكة، ثم رحلته مع أمه إلى يثرب وهو في السادسة من عمره. أرادت أن تطلعه على قبر أبيه هناك، وكانت الرحلة صعبة، ولم تنته كما تنتهي الرحلات، وإنما انتهت بالآلام والفراق. ألمت بأمه وعكة طارئة، انطفأت بعدها الحياة. ماتت بين يديه وعلى مرأى منه ومسمع.
ولم تتوقف الأحداث عند هذا الحد بعد قليل، بعد عامين مات جده عبد المطلب الذي كان له خير أب. ويشتد حزن محمد عليه، وينتقل إلى دار عمه أبي طالب، وتبدأ رحلة الشام، ثم تجارته في مال السيدة خديجة كما اقترح عليه عمه. ويأتي بعد ذلك زواجه بالسيدة خديجة خير الولود النساء حقًّا. فهي الزوج الودود الولود. وهي التي منحته الحياة الطيبة، وهي التي مسحت الحزن والألم.
وكانت مرحلة جديدة لحياة الطمأنينة والدعة والاستقرار والسكينة ولولا موت ابنيه القاسم وعبد الله لكانت حياته سعيدة هانئة هادئة تمامًا.
وكان من الطبيعي أن تساعده هذه الحياة الهادئة في التأمل والتفكير.. فكان يذهب إلى غار حراء ويتوجه إلى الفضاء. وقد أنكر عبادة الأوثان وما يقوله النصارى واليهود. ذهب يلتمس في الكون أسباب الهدى. وينشد المعرفة. وجد في وحدته ما يعينه على ذلك كان يصعد إلى أعلى جبل حراء، وهو يقع شمال مكة، وهو خير ما يصلح للانقطاع عن ضوضاء الحياة داخل مكة. وكان يذهب إلى هذا المكان في شهر رمضان من كل سنة. يقيم في الغار بقليل من الزاد وبكثير من التفكير والتأمل والعبادة. لا يريد غير الحق وحده. ولقد كان يشتد به التفكير أحيانًا حتى كان ينسى نفسه وطعامه وشرابه. إنها ساعات الصفو والهدوء. ما هذه الأصنام إلا فساد في التفكير. إنها لا تضر، ولا تنفع ولا تخلق ولا ترزق. ما هذه الأسماء الغريبة، هبل واللات والعزى؟ ما كل هذه الأنصاب والأصنام القائمة داخل الكعبة وحولها، ولكن أين يجد الحقيقة؟
وظل محمد يذهب إلى جبل حراء كلما جاء شهر رمضان وينضج تفكيره بهذا التأمل الطويل حتى صارت حياته كلها مشغولة بالحقيقة. وصار يرى في نومه الرؤيا الصادقة. إذ ذاك آمن أن قومه قد ضلوا سبيل الهدى. وأن حياتهم الروحية فاسدة بهذه الأوهام والأصنام. وليس فيما يذكر اليهود والنصارى ما ينقذ القوم. وكان محمد قد شارف الأربعين وهو يتجه إلى جبل حراء وكان أهل مكة ينظرون إليه وإلى ما يفعله دون أن يهتموا بأمره فقد فعل مثل ذلك غيره من الحنفاء وأنهم نفر قليل بالنسبة إلى هؤلاء الذين يفدون إلى مكة من أجل بيتهم ومن أجل عبادتهم. ماذا على القوم إن عزف محمد بن عبد الله عن أوثانهم ورفض أن يعبدها؟
وفي ليلة من شهر رمضان وقد توارى القمر. ومحمد في غار حراء كعادته كلما استدار العام وجاء هذا الشهر. في ليلة من شهر رمضان وقبل الفجر، تجلى الوحي على محمد وألقى إليه الكلمة الأولى:
اقرأ.
فأجاب مأخوذًا: ما أقرأ، فأحس كان الملك يخنقه ثم يرسله ويقول له ﴿ٱقۡرَأۡ، بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ، ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ، ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ، عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ﴾ (العلق:1-5)
وبدأ التاريخ الجديد.
وأشرق النور وغمر الأرض، هذه هي الكلمات الأولى التي تلقاها في تلك الليلة من وحي ربه، وهذه الكلمات هي بداية معجزته، المعجزة الباقية على مر الزمن، ومعجزة ومنهج لكل الدنيا. هذه الكلمات هي بداية القرآن الكريم، وهذا هو الحدث العظيم الذي سبقته أحداث كبيرة في دار عبد المطلب وفي مكة نفسها وكان لا بد أن يتغير التاريخ ويشهد بتحول خطير في اتجاهه. هنا عقيدة جديدة أنت لحرية الإنسان ولخير أمة بعد أن خرج محمد من الغار، اتجه نحو داره، وكان الظلام يتبدد، والنور ينتشر، والفجر يطلع، وكان الضوء يشير إلى الأصنام والأوثان ويوضح حقيقتها، وما بلغ محمد داره حتى أحس أنه يرتعد كأنه عائد من سفر بعيد طويل.
ورأى زوجته في انتظاره فحدثها بما رأى وما سمع، وكان يحدق في وجهها ليعرف وقع كلامه عليها، فقالت على الفور:
«الله يرعاك يا أبا القاسم. أبشر يا ابن العم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق».
البقية في العدد القادم