; التبرج وخطره على العالم | مجلة المجتمع

العنوان التبرج وخطره على العالم

الكاتب عبدالرحمن عبدالله آل فريان

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988

مشاهدات 57

نشر في العدد 864

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 26-أبريل-1988

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله رسول رب العالمين ورضي الله عن آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فيا أخي المسلم تعلم أن الله -سبحانه وتعالى- خلق هذا الجنس من تراب ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وركز في كل جنس شهوة النكاح حتى يحصل التناسل وبقاء هذا الجنس البشري إلى الأجل الذي يريده الله -عز وجل- وهو فناء الدنيا وقيام الساعة لليوم الأخروي الذي لا انقطاع له ولا زوال وجعل فيه الجزاء وجني ثمر الحياة وما عمل الإنسان فيكون إما شقيًّا وهو من عصى الله وخالف أمره وإما سعيًدا لمن أطاع الله وامتثل أمره واجتنب نهيه، والله لا يأمره إلا بخير، ولا ينهاه إلا عن شر ومفسدة تعود على العبد بالهلاك والخسارة؛ لأن الله بعباده رؤوف رحيم، وجعل دارین يوم القيامة دار النعيم لأهل التقوى ودار الجحيم لأهل العصيان والشقاء وجعل سبحانه في النكاح الشرعي جوالِب للراحة والسكن والأنس وإيجاد الأولاد وقضاء اللذة المباحة والزواج الشرعي، فجعل بين الزوجين المودة وهي المحبة الطبيعية التي تتعلق بالقلب ليظهر أثرها على الجسد، وكذلك جعل بينهما الرحمة وهي عطف أحدهما على الآخر فقال تعالى في هذا الشأن ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم:21) فلو تدبر الخَلْقُ هذه الآية الكريمة لاكتفوا بما أباح الله من الزواج عما حرم الله من الزنا، وذلك لأن الله سبحانه منع وحرم الزنا لما فيه من المضار الفردية والاجتماعية والحسيَّة والمعنوية والجنسية من الأمراض المتنوعة والمُعْدِيَةِ والمستعصية العلاج والخزي الفاضح في هذه الدار، ثم الخزي الأعظم يوم القيامة بالنار ولهذا قال سبحانه في كتابه الكريم محذرا من هذا الفعل الذميم بصفة النهي الواضح والتحذير البليغ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء:32) ثم قوله ﴿ولا تقربوا﴾ أبلغ من قوله اتركوا الزنا أو لا تزنوا هذا من بلاغة أسلوب القرآن الذي هو كلام الله العزيز وإعجازه للبشر وحمايتهم عما يضرهم، وكما أباح الله الزواج الشرعي لمصلحة البشر وبقاء الجنس البشري فقد حرم الزنا كما سمعت يا أخي، وقد حرم الوسائل الموصلة إليه والمقربة منه فحرم الخلوة بالمرأة التي ليست مَحْرَمًا للرجل وأنه لا يبقَى معها ولا لحظة.. معها ولا لحظة من الزمن خوفا عليهما من الزنا؛ لأن في ذلك خطرًا على الجميع من تسويل النفس الدنيئة للوقوع في الجريمة فقال نبينا الكريم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» فما ظنك أيها المسلم بحضور الشيطان مع ذكر وأنثى وعندها الشهوة، والشيطان حريص على إغوائهما ويفرح بوقوع الشر منهما كما قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر:6) وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: لو ائتمنت على بيت مملوء ذهبا وفضة لوجدت نفسي أمينا، ولو ائتمنت على أمة سوداء أنفرد بها، لم أجد نفسي أمينا.

 

 يبين -رحمه الله- خطر خلوة الرجل بالمرأة وكما حرم الله الحلوة للرجل بالمرأة الأجنبية حرم أيضا النظر إلى زينتها سواء مما خلق فيها كجمال وجهها أو بياض يديها أو رجليها أو نحو ذلك أو كانت الزينة مكتسبة وموضوعة على المرأة كالطيب واللباس المتنوع من أقمشة أو ذهب أو فضة أو غير ذلك مما يلفت نظر الرجال إليها وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه لله عوضه الله لذة إيمان في قلبه» (رواه الحاكم، والطبراني) قال الله تعالى في وجوب إخفاء الزينة المكتسبة ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:31) وكما حرم الله سبحانه على الرجال التطلع على زينة المرأة بالنظر إليها أو الاستماع لصوتها كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور:30) فكذلك حرَّم الله سبحانه تطلع المرأة إلى الرجل الأجنبي منها الذي ليس بمَحْرَم لها ونظرها إليه، لأن ذلك يقود الشهوة وحيث إن الشهوة موجودة وفي الجنسين فقال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (النور:31) كما تقدم فهل أعظم من هذا التحذير وهل أبلغ من هذا التعليم، ثم انظر يا أخي المسلم كيف كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة مرتين حيث قال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهذا يدل على لطف الله بعباده ورحمته بهم حيث لم يكلفهم ما لا يطيقون کبروز المرأة في الشارع أو المحلات الأخرى كالحضور للصلاة، أو نحو ذلك من غير إبداء زينة إنما هو ظهور هيكل جسمها من حيث كونها طويلة أو قصيرة أو بين ذلك أو متانة جسم المرأة إخفاء فيه حرج وهي ماشية أو جالسة أو نحو ذلك، فانظر يا أخي المسلم إلى حسن تعاليم الشريعة وحكمها ومصالحها وحسنها وتأديبها وتربيتها للعباد رجالا ونساء ثم قال تعالى: مرة أخرى ۖ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ هذا مما أباح الله للمرأة، بل هو مرغب فيه لتجملها أمام زوجها حتى يرغب هو فيها لا عند الناس الأجانب فيفتنون بها.

 

الله أكبر ما أعظم حكم ومصالح هذه الشريعة الإسلامية جعلنا الله وإياكم من المتمسكين بها ومن هنا يؤخذ تحريم تبرُّج المرأة وإبداء زينتها أمام الرجال الأجانب؛ لأن ذلك مجلبة للفساد والهتك لعرضها، والضياع لحياتها وعزتها وكرامتها، ولهذا ربنا -سبحانه وتعالى- علم نساء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بالتوجيه العظيم البليغ فقال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (الأحزاب:30) ثم قال فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (الأحزاب:32-33)، فنهى عن التبرج وحذر منه وأخبر أنه فعل الجاهلية الأولى وهذا أبلغ في التحذير لأن ما نسب للجهل أقبح وأفحش من غيره والمسلم قد يقع في بعض أمور الجاهلية كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل عيَّر رجلا بأمه «إنك امرؤ فيك جاهلية»، فعلى المسلم أن يبتعد عن أمور المخالفات لأوامر الله أو الوقوع في أعمال جاهلية؛ لأن الله أعزنا بالإسلام وشرفنا به فكيف تزهد في هذا الشرف والعزة وترجع لأمر الجاهلية وأيضا تبرج المرأة أمام الرجال الأجانب ليس من صالحها بل هو مما يطمع فيها الذئاب الضواري على الفرس والأكل وعمل القبائح «والتبرج مأخوذ من اسم الأبراج البارزة الواضحة من جبال ظاهرة للناس يرونها من بعيد أو النجوم في السماء البارزة للناظرين كما قال تعالى: ﴿والسماء ذات البروج﴾ (البروج:1) وقيل إنها القصور في السماء تكون فيها الملائكة للحراسة، وكان العامة تقول لمحل قضاء الحاجة برج لبروزه وانعزاله عن غيره ووضوحه لمن يقصده لقضاء حاجته حتى يتميز عن المجالس وغرف النوم ونحو ذلك، وكانوا يسمون أيضا البرج الذي يجلسون فيه لحماية البلد من العدو ويكون على أسوارها، وعلى كلٍّ فالتبرج حرام على المرأة وهو إبداء زينتها المكتسبة، أو التي خلقها الله ومن واقع الحال أن المرأة التي تفسخت من الإسلام أو لا تعرف أوامره ونواهيه كالمرأة الغربية التي عاشت في أمة لا تعرف دينا صحيحًا ولا خُلقًا مستقيمًا، انهارت أخلاقها وفسد مزاجها وضاعت كرامتها فهي تحب الخلاص مما هي فيه من الحسرة والندامة، وتغبط المسلمة التي حافظت على العزة والكرامة ومن أراد أن يعرف الواقع فليقرأ التاريخ وليسأل عن حالة المرأة الغربية التي صارت ألعُوبة بيد أعدائها فليس للناس عز ولا شرف إلا بالتمسك بالدين والأخذ بتعاليمه لأنه تنزيل من حكيم حميد.

 

وفَّقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضيه وصلى الله على نبينا محمد وآلة وصحبه.

 

 رئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض وتوابعها

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

960

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 3

136

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة

نشر في العدد 109

99

الثلاثاء 18-يوليو-1972

الشباب.. والموضة.. والعواقب !