العنوان التجنيد الإلزامي في الخليج.. بين سندان الضرورة ومطرقة تقييد الحريات.
الكاتب سامح أبو الحسن
تاريخ النشر الجمعة 01-مايو-2015
مشاهدات 55
نشر في العدد 2083
نشر في الصفحة 10
الجمعة 01-مايو-2015
د. إبراهيم الهدبان: كان يجب دراسة القانون بشكل أفضل
جاسر الجدعي: القانون مخالف للدستور
حمد المطر: كيف يستثنى من يعمل في القطاع الخاص من التجنيد
د. حسن جوهر: لا أجد آفاقاً واعدة للقانون الجديد على الرغم من سمو الفكرة ونبل مقاصدها
رغم غياب الحديث عنه لفترة طويلة، عاد التجنيد الإلزامي ليتصدر المشهد في دول الخليج، لاسيما في المملكة العربية السعودية، ودولة الكويت، ومع استمرار قوات التحالف العربي بقيادة الرياض، في قصف مواقع جماعة الحوثي باليمن، ضمن معركة "عاصفة الحزم"، اتجهت غالبية دول الخليج لفرض التجنيد الإلزامي على شعوبها، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ سنوات.
ففي الكويت، أقر مجلس الأمة الكويتي، في جلسته العادية، قانون التجنيد الإلزامي، وأحال المجلس القانون إلى الحكومة، ليطبق بعد سنتين من نشر القانون في الجريدة الرسمية، وأكد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الشيخ خالد الجراح الصباح، أن وزارة الدفاع مستعدة لتطبيق القانون خلال سنتين لما فيه من فوائد للمجتمع الكويتي.
وذكرت المادة الأولى من القانون وفقاً لتقرير لجنة شؤون الداخلية والدفاع البرلمانية، أن الخدمة الوطنية العسكرية هي "خدمة واجبة على كل كويتي من الذكور أتم الـ18 من عمره ولم يتجاوز الـ35 عند العمل بهذا القانون ويعفى من تجاوز هذا العمر من أدائها وهي خدمة عاملة وخدمة احتياطية".
ونص القانون على أن مدة الخدمة العاملة 12 شهراً، تشمل فترة تدريب عسكري، وفترة خدمة، وفي حال عدم اجتياز فترة التدريب العسكري بنجاح تكون مدة الخدمة العاملة 15 شهراً، على أن يوزع المجندون على الوحدات، وفقاً للأوامر التي تصدر عن رئيس الأركان العامة للجيش أو نائبه.
وأوضح القانون أن خدمة الاحتياط هي الخدمة الواجبة على كل من أنهى الخدمة العاملة وتكون مدتها 30 يوماً في السنة، كما نصت (المادة 27) من القانون على أن "ينقل المجندون إلى الاحتياط لمدة 10 سنوات أو حتى بلوغهم سن الـ45 أيهما أقرب بعد انتهاء خدمتهم العاملة".
ونصت (المادة الثالثة): "يشترط للتعيين بأي من الوظائف الحكومية أو غير الحكومية أو منح ترخيص مزاولة مهنة حرة تقديم شهادة أداء الخدمة العاملة أو تأجيلها أو الاستثناء أو الإعفاء منها وفقاً لأحكام هذا القانون وتكون الأولوية في التعيين لمن أدى الخدمة العاملة".
السعودية على الطريق
وفي السعودية، ظهرت لأول مرة دعوات علنية للتجنيد الإجباري للشباب؛ إذ دعا مفتي السعودية، عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، إلى التجنيد الإجباري للشباب للدفاع عن الدين والوطن، وقال مفتي السعودية، أثناء خطبة الجمعة بالرياض: "لابد من الاستعداد والتسلح الدائم لمقاومة أي شيطان، والتجنيد الإجباري لشبابنا أمر مهم ومطلوب لتكون لنا قوة لا تغلب، مدربة تدريباً جيداً".
ومن جانبه، أكد نائب رئيس لجنة الشؤون الأمنية في مجلس الشورى د. نواف الفغم، في تصريحات صحفية، ضرورة درس تجنيد الشبان إجبارياً، ليكونوا عوناً للوطن في الظروف الصعبة، وأكد الفغم أن القوات المسلحة قادرة على مواجهة العدو في "عاصفة الحزم"، ولا توجد حاجة إلى فرض التجنيد بشكل عاجل، إلا إذا رأى ولي الأمر ذلك، وأوضح أن التجنيد الإجباري تحتاج إليه الدول في حال التهديد الأمني أو وجود قلاقل في الدول المجاورة.
قطر والإمارات والبحرين
أما في قطر، فقد بدأت العمل بالتجنيد الإلزامي للمرة الأولى في تاريخها في 11 مارس 2014م، وأصبح على كل قطري أتمّ 18 عاماً أن يؤدي الخدمة العسكرية، وذلك بعد أن كان الأمر "اختيارياً"، وينص قانون الخدمة الوطنية، الذي أصدره أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: "يُكلف بالخدمة العاملة كل قطري من الذكور أتم الثامنة عشرة ولم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره"، كما ينص القانون على أن مدة الخدمة "ثلاثة أشهر لكل من تخرج من إحدى الكليات أو المعاهد المعتمدة بالدولة، والتي لا تقل مدة الدراسة فيها عن سنتين، أو ما يعادلها"، بينما تكون مدة الخدمة أربعة أشهر لغير ما سبق.
أما دولة الإمارات، فقد بدأت العمل بالتجنيد الإلزامي في 30 أغسطس 2014م، إذ أصدر رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان قانوناً بتطبيق التجنيد الإجباري على شباب الإماراتيين، وينص القانون على إلزام الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاماً من ذوي اللياقة الطبية بالتجنيد، والرجال من أصحاب المؤهل العالي سيخدمون فترة تسعة أشهر فقط، بينما سيخدم من لم يحصل على مؤهل عال عامين.
أما في البحرين، فالتجنيد مازال غير إجباري حتى الآن، رغم زيادة المطالب في الفترة الأخيرة بفرض قانون التجنيد الإلزامي، في ظل ما تشهده البحرين من اضطرابات سياسية، وأعمال عنف وإرهاب.
نوع من استثمار الشباب ولكن..
وقال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت د. إبراهيم الهدبان لـ"المجتمع": القانون أقر، وفي النهاية ليس أمامنا إلى أن نمتثل للقانون، فالبعض يرى أنه في ظل الظروف التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي كان لزاماً علينا أن نقوم بهذه الخطوة لحماية أراضينا، فليس من المنطق أن نعتمد على غيرنا في حمايتنا، فالكويت بلد صغير، وبها خيرات كثيرة، وعلى أبنائها حمايتها، مشيراً إلى أن التجنيد الإلزامي هو نوع من الاستثمار في الشباب، ولكن في المقابل أرى بأنه كان يجب أن يتم دراسة الأمر بشكل أفضل مما هو عليه الآن، كان يجب التأني قبل إقرار قانون التجنيد الإلزامي.
وأكد الهدبان بأنه لا يؤيد إقرار التجنيد الإلزامي على جميع الشباب، بل كان يجب أن يترك الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتطوع، وأن نكتفي بدورات تدريبية لطلبة وطالبات الجامعات، والهيئة العامة للتعليم التطبيقي، وغيرهم من طلبة الكويت خارج إطار التجنيد الإلزامي، مشيراً إلى أن مسألة هروب البعض بأعذار من التجنيد الإلزامي سوف تنتشر في فترة من الفترات، فكما أن الطلبة يقدمون الأعذار لعدم حضورهم الاختبارات، فمن الممكن أن يقدموا أعذاراً طبية أيضاً لعدم دخولهم في التجنيد الإلزامي، وفي النهاية كنت أتمنى أن تتم دراسة الأمر أكثر من ذلك.
قانون فاشل
وقال المحامي والقانوني جاسر الجدعي لـ"المجتمع": إن قانون التجنيد الإلزامي والذي أقره مجلس الأمة مؤخراً قانون فاشل، مشيراً إلى أن البعض يريد عسكرة المجتمع الكويتي من خلال إقرار هذا القانون، فالكويت تحتاج إلى إصلاح سياسي أكثر مما تحتاج إلى تجنيد إلزامي، كما أن إعفاء بعض فئات المجتمع من التجنيد هو مخالف للدستور، فالدستور أقر في (المادة 29) منه أن "الناس سواسية في الكرامة الإنسانية, وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين"، موضحاً أن إعفاء من يعملون في القطاع الخاص من التجنيد هو بمثابة تخفيف الضغط عن القطاع الحكومي، ومطالبة الحكومة بتوفير وظائف للشباب، فقد أقرت تلك المادة لتوجيه الشباب إلى القطاع الخاص.
غير دستوري
وقال عضو الحركة الدستورية الإسلامية النائب في مجلس فبراير 2012 د. حمد المطر: قانون التجنيد الإلزامي غير دستوري؛ إذ كيف يستثنى من يعمل في القطاع الخاص من التجنيد؟ أليس التجنيد كما يدعون واجباً وطنياً ويفترض استحقاقه للكل؟
وتابع: وما الاستفادة المرجوة من التجنيد؟ وهل تمت دراسته بشكل كامل من حيث الأهداف والمضمون؟ ثم ما تكلفته على الدولة؟ لأنه يبدو أن مناقصاته شهية جداً.
أبرز المشاريع الفاشلة
قال النائب السابق د. حسن عبدالله جوهر: إن تجربة التجنيد الإلزامي من عام 1977 حتى 1990م كانت من أبرز المشاريع الفاشلة في تاريخ الكويت، وبالتأكيد لن يرضى أي مسؤول أو مجند أو ضابط احتياط أن يتكرر هذا الفشل بعد ثلاثة عقود، وللأمانة التاريخية لا أجد آفاقاً واعدة للقانون الجديد على الرغم من سمو الفكرة ونبل مقاصدها، فبعد ثلاثة عقود يعود التجنيد الإلزامي إلى الواجهة تحت عنوان الخدمة الوطنية العسكرية، حيث أعلن القانون الجديد أنه تدارك السلبيات السابقة، وجاء في إطار فلسفة تساهم في الانضباط ومحاربة الظواهر السلبية، فهل يحقق هذا القانون الأهداف المثالية التي حددها في بناء جيل جديد مهمته الأساسية الدفاع عن الوطن؟
وأكد جوهر أن تهذيب قانون التجنيد الإلزامي الفاشل وتجاوز سلبياته لا يكونان في تقليص مدة الخدمة، ولا يمكن تطهير الشباب المجند من الظواهر السلبية المجتمعية، التي تحولت إلى ثقافة عامة يعيش تفاصيلها كل مواطن يومياً وعلى مدار الساعة، في مدة زمنية لا تتجاوز سنة انتقالية، فالتجنيد الإلزامي السابق كان من أهم مصادر الظواهر السلبية القائمة على اختلاق القصص الكاذبة وإقحام الواسطة، إما للتهرب من الخدمة أو الغياب غير المبرر أو الإعفاء من الحراسات والنوبات الليلية، وفترة الدورات التنشيطية كانت أحلى مناسبة لأخذ إجازة دورية براتب كامل، حيث لم تتجاوز نسبة الملتزمين بها 5% فقط!
وتابع جوهر: بالإضافة إلى ذلك فمن الناحية اللوجستية، قد يكون من الاستحالة استقبال الآلاف من المتطوعين سنوياً من خريجي الثانوية، حيث إن الأعداد في زيادة كبيرة وسريعة، فالعام الدراسي الحالي سوف يشهد تخرج نحو 40 ألف طالب حتى لو كان نصفهم من البنات يظل العدد فوق استيعاب المؤسسة العسكرية، كما أن سياسة التأجيل سوف تكون الخيار الأسهل، ومعه ترتفع نسبة الجامعيين، حيث يلتحق أكثر من 60% من خريجي الثانوية بالجامعات، وهذا العدد سوف يربك القواعد العسكرية التي تقضي بأن يكون "ضابط لكل مائة فرد عسكري في أحسن الحالات"، وفي الحالة الكويتية سوف تنعكس المعادلة لتكون "جندياً واحداً مقابل مائة ضابط".
واستدرك جوهر قائلاً: أما إستراتيجيتنا الدفاعية منذ التحرير فهي قائمة على الاتفاقيات الأمنية مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بكلفة مليارات الدولارات، ولم يتم أي ذكر في القانون الجديد أو مناقشاته لإعادة رسم هذه الإستراتيجية وإعطائها الطابع الوطني، ولو بالتدرج المبني على أسس واضحة وجدول زمني محدد سلفاً.
واختتم جوهر في كل الأحوال إذا كانت الخدمة الوطنية العسكرية مطلباً أساسياً، وهو كذلك، فثمة بدائل كان بالأحرى دراستها، ومن أبسطها التوسع في خدمة التطوع، وفتح المجال للشباب الكويتي من حملة الثانوية ودون ذلك للالتحاق بالجيش، ثم التساهل معهم في التسريح أو الاستقالة بعد مضي خمس سنوات، وعدم منعهم من استكمال دراستهم أو إيجاد فرص عمل مدنية، وبذلك يكون الوعاء العسكري ممتلئاً دائماً والخبرة الميدانية للآلاف من هؤلاء المتطوعين تجعل منهم نواة جيش احتياط كامل، ورغم الملاحظات الكثيرة على القانون الجديد ودخوله إلى حيز التنفيذ نتمنى أن تؤخذ الأخطاء العملية أولاً بأول، ويتم تداركها فوراً؛ حتى لا نكرر ذلك الفشل الذريع مرة أخرى!
قرار سياسي لا يتخذه إلا ولي الأمر
ومن جانبه، أكد رئيس لجنة الشؤون الأمنية بمجلس الشورى السعودي د. سعود السبيعي، أن التجنيد الإجباري قرار سياسي لا يتخذه إلا ولي الأمر، قائلاً: وجهة نظر مفتي عام المملكة نحترمها، لكن هذه قضايا جانبها سياسي ولا يتخذها إلا ولي الأمر الذي بيده الحل والربط.
وأضاف السبيعي أنه لو تتعرض المملكة - لا سمح الله - لخطر ستجد جميع أبناء المملكة شبابهم وشيبانهم يتقدمون للدفاع عن الدين والبلد، مستشهداً بحرب تحرير الكويت، مشيراً إلى أن ولاة الأمر صرحوا بأن المملكة ليست بحاجة إلى نظام التجنيد الإجباري، وأنه لو طلب ولي الأمر من أبناء المملكة لتجدهم جميعاً على أهبة الاستعداد لنداء ولي الأمر.