العنوان التحقيق الإجرامي عند العرب والمسلمين
الكاتب الأستاذ عبد الله الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1971
مشاهدات 83
نشر في العدد 44
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 19-يناير-1971
· إكراه المتهمين على الاعتراف دليل على ضعف المقدرة والضمير
· كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته
· غوستاف ليون يقول: ما عرف التاريخ مجدًا أعظم من مجد العرب،
ولا عدلًا أعظم من عدل الإسلام
1- التحقيق
2- المحقق
3- العرب أول أمة أرست قواعد التحقيق.
4- العرب أول من فطن لأثر العنصر النفسي في التحقيق واهتموا به، وعمدوا إلى التفريق بين الشهود، وأخذوا بالكشف العلمي «الفحص والتحليل» والفني «تقصي الآثار».
5- الإمام علي بن أبي طالب «كرم الله وجهه» أول وأشهر محقق جنائي عبقري في الإسلام.
نستهل حديثنا اليوم ونتوجه بالآية الكريمة الآتية من كتاب الله المجيد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ إلا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8).
هكذا أمر الله تبارك وتعالى وهكذا كان نهيه للناس عامة يطالبهم بإحقاق الحق وإقامة دعائم العدل، وما أحرى المحقق أن يكون أول ملب لهذا النداء المقدس فيكون القدوة الحسنة الصالحة نظرًا لما لجهوده من تأثير قوي فعال ولما لوجوده في المجتمع من حساسية وأثر بارز.
1- التحقيق: ملاحظة: قبل الكلام عن التحقيق أود أن أذكر هذه الملاحظة البسيطة أبين فيها وجود التحقيق الإجرامي منذ القدم في بلادنا وقبل أن تقوم أية قائمة أو اعتبار لأية دولة من دول أوروبا، بصورة عابرة ومقتضبة. ما كدت أبدأ قراءة أي كتاب من كتب التحقيق الإجرامي «الجنائي» إلا ويقع بصري على العبارة التالية: «إن علم التحقيق الجنائي حديث العهد، لم يظهر إلى حيز الوجود إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر». وكان البعض من السادة المؤلفين وأساتذتنا الأفاضل من يستدرك ويحتاط فينزع إلى بعض التحفظ فيُدون في كتابه أو يقول في محاضرته العبارة التالية «لم يظهر علم التحقيق الجنائي كعلم مستقل واضح المعالم إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر».
ولعلنا نجدهم في هذا التعبير الأخير الذي صار يتكرر بصياغته ومفهومه تقليديًّا، أكثر من الأولين قربًا إلى الواقع كما نراهم أكثر منهم دقة وتوفيقًا، وهكذا فإن الجميع من الأساتذة الأكارم يؤكدون على أن هذا العلم لم يظهر ولم يؤخذ به إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، ويعزون الفضل الأكبر في ظهوره إلى مجموعة من علماء الغرب كالعالم «نيسفورووموسو – إيطاليا – والأستاذ هنزكروس – ألمانيا – والأستاذ ألفونس بريتلون والدكتور أدمون لوكار – فرنسا - والأستاذ إدوارد هنري وهولدن - بريطانيا - وغيرهم من علماء وخبراء الغرب» (من أوربيين وأمريكيين) ويسهبون في التمجيد بهم وبمدارسهم التي اعتبروها مراكز إشعاع أرسلت أشعة أنوارها لأنحاء المعمورة كافة».
أجل: نجد هؤلاء الأساتذة الأفاضل وأولئك المؤلفين الكرام يذكرون أولئك العلماء والخبراء والأطباء الغربيين فقط دون أن ترد في محاضراتهم أو في صفحات مؤلفاتهم القيمة أية إشارة عابرة أو لمحة خاطفة عمن سبقوا هؤلاء الغربيين في هذا العلم وأرسوا قواعده قبل مئات ۔إن لم نقل آلاف السنين- في بلاد الشرق العربي وديار الإسلام، وعمن كانوا هم الذين تنبهوا إليه وأظهروا معالمه ووضعوا له الأسس المتينة لتقام عليها صروحه الحالية أو على الأقل أنهم حددوا معالم طريقه رغم ما كانت عليه حالتهم الحضارية واستطاعوا تحريك وتغيير وتطوير أساليبه وإدخال التحسين عليها بالرغم مما يسرته لهم إمكاناتهم المحدودة في تلك الأحقاب الزمنية البعيدة.
وفي هذا المجال لا يسعنا الخوض في هذا الموضوع لأننا أعددنا بحثًا خاصًّا سننشره في وقت لاحق بعنوان «التحقيق الإجرامي عبر العصور» ذكرنا فيه ما لدينا من حجج حسب التسلسل التاريخي، بعونه تبارك وتعالي، ولنعد إلى تعريف التحقيق الإجرامي.
التحقيق الإجرامي: والمقصود بالتحقيق اكتناه الحقائق لغرض اكتشاف الجريمة المقترنة ومعرفة وقائعها وكيفية ارتكابها وظروفها وكذلك معرفة مرتكبها وشركائه وإظهار دور كل واحد منهم تمهيدًا لسوقه إلى المحكمة ليصب القضاء عليه سوط العقاب جزاء ما اجترحه من السيئات بعد معرفة دوره وتحديد مسؤوليته. والتحقيق علم وفن، فهو علم متمم لقانون الجزاء وقانون الإجراءات الجزائية، وفن يلعب فيه حسن التصرف، وسعة الاطلاع والذوق دورًا رئيسيًّا هامًّا.
فمعرفة مواد القانون الجنائي لا تؤهل المحقق لممارسة التحقيق الإجرامي ما لم يدعمها إلمام كاف بعلوم كثيرة مختلفة، كعلم النفس، والطب العدلي «الطب الشرعي»، التاريخ، الطبيعة الجغرافية مع إلمام طيب بأساليب الإجرام بالإضافة إلى ملكة حسن التعبير ووضوح الخط ومعرفة بلغة أجنبية أو أكثر، ليعد في مكنته إثبات وجوده بحق وحقيقة دون أن يكون اسمًا بلا مسمى.
إكراه المتهمين على الاعتراف
والتحقيق لا يعني انتزاع الاعتراف بالقوة أو الإكراه، فالقوة إن كانت أساس النظام فهي لا تكون مطابقة للشرع إلا إذا كانت في خدمة القانون. والإكراه المنصب على المستجوب «مهما كانت صفته ومركزه» لانتزاع الاعتراف منه لم يكن بحد ذاته أسلوبًا وحشيًّا يذكرنا بقانون الغاب أو بربريًّا فحسب وإنما هو دليل على ضعف المقدرة والضمير وتعقد النفس، بالإضافة إلى كونه مدعاة للطعن بنزاهة المحقق وحيدته، ويخلق مجرمًا من بريء.
وإن تعطيل إرادة المستجوب في التأثير على حريته الفكرية عمل يأباه القانون؛ إذ تعتبر الإفادة باطلة لبطلان السبب الذي قامت عليه، سواء كان ناشئًا عن وعيد أو خدعة غير مشروعة أو قام على وعد خلب.
والمستجوب مهما كان مركزه في القضية فهو أمانة مهمة بيد التحقيق، وقسره على الاعتراف كذبًا واعتبار هذا الاعتراف نصرًا «كاذبًا» لتبرير حبسه يتجافي مع أبسط قواعد «الإنسانية والرحمة» فالسجن مدرسة إجرام مهما بذلت إدارته من جهود حسنة وجبارة، خاصة في البلاد النامية التي لم تدرج في مراقي التقدم بعد إلا قليلًا.
هذا ولا يغرب عن بالنا ذكر أهمية التحقيق وخدماته الجليلة، فطالما كانت غرفة التحقيق أشبه بعيادة لطبيب أو صومعة لكاهن حينما يتولى إدارة العمل فيها محقق كفء فاضل استطاع فيها معرفة الكثير مما أخفته النفوس ودفنته في اللاشعور زمنًا طويلًا وكتمته ولم تبح به رغم ما عانته من صنوف التعذيب والقسوة المنصبة عليها، ولطالما كشف التحقيق عن أسرار وأمراض، كان كشفها ومعرفتها مصدر خير عام.
2- المحقق:
والمحقق سواء كان فردًا من أفراد الأسرة القضائية أو عضوًا من أعضاء النيابة أومن المنتسبين إلى سلك الشرطة، هو الذي يتولى التحقيق فيصبح شأنه شأن الطبيب النطاسي البارع الذي يتحسس جسم مريضه بدقة ولطف وإمعان ليشخص داءه ثم يصف له ناجع دوائه.
يتحسس نفسية من يستنطقه «سواء كان شاكيًا أو شاهدًا أو متهمًا» تحسسًا هادئًا ليتمكن من معرفة أمكنة الضعف ويتثبت من تعيين الثغرات فيها لكي يستطيع النفوذ من خلالها إليها ويتحين الفترة المناسبة التي يفاجئه فيها بطرح الأسئلة الفنية المحرجة التي تفتح مغاليق فمه وتحرك لسانه بالاعتراف. يبذل أقصى جهده في جمع الأدلة والقرائن سعيًا لتقصي الحقيقة وإظهارها بصورة صحيحة وسليمة مطابقة للعدل والصواب دون أن يحيد أو يذهب مذهب المتزلفين لذوي الجاه أو الحظوة أو السلطان. وجهود المحقق يجب ألا تقف عند حد معرفة الجناة والحصول على الأدلة التي تثبت ارتكاب كل متهم لجريمته أو معرفة أبعادها فحسب، وإنما عليه أن يتجاوز هذا الحد إلى ما هو أبعد مدى وأعمق أثرًا؛ فعليه أن يتحرى الدوافع الظاهرة منها والخفية ويقف على العوامل الحقيقية ويتلمس البواعث وأسبابها التي تكمن في ثنايا نفسه، مساهمًا ومتعاونًا مع جميع ذوي الاختصاص الآخرين في وضع الأسس القمينة لاستنباط أفضل طرق المكافحة الكفيلة بإعداد أنجع العلاج للحد من بوادر الجناح وظواهر الإجرام في المجتمع.
هذا الشخص –المحقق- يجب أن يمتاز بعدة ميزات تؤهله إلى تولي هذا المنصب الخطير، ويتصف بأحمد الصفات فيجب على المحقق أن يكون مستقلًا ومنصفًا وممن تحلّوا بالذوق والرصانة والنزاهة والصبر والكتمان والشدة ودقة الملاحظة بالإضافة إلى سعة في الاطلاع وغزارة في المعلومات.
فعليه أن يكون دمثًا لينًا من غير ضعف في مواقف الشدة؛ فالقوة أساس النظام إذا استخدمها من أجل الحق وجعلها في خدمة القانون، وألا يكون هريتًا أو متكبرًا أو منطويًا، بل عليه أن يتغلغل في أوساط المجتمع ويكون على صلة بطبقاته كافة، صلة تجعله مُلمًّا بعادات وتقاليد وطراز حياة ومعيشة أفرادها وطبيعة عمل كل فئة، فمن خلال التحامه بهذه المجموعات واتصاله تنبثق إمكانية استشراف الحقيقة وكشف المعرفة عن أسباب حدوث المشاكل بين أفرادها، كما أنه يتمكن من استجلاء أوضاعهم السلوكية من خلالها.
المحقق الشجاع
وإننا لا نعني بهذا أن على المحقق أن يتدنى إلى درك السفهاء واللا أخلاقيين وخشار الناس فيشاركهم في بعض ما عندهم لكي يعد بإمكانه معرفة أساليبهم ويقف على الحقائق لكي يرسم خطط النجاة للآخرين.
لا، إننا لا نعني هذا مطلقًا لأن الأمر لمعرفة الشر لا يتم إلا عن طريق الغوص في مستنقعه، وإنما يكفي عن طريق التجربة الطويلة للمحقق؛ إذ يختبر تلك الرذائل والمساوئ ومعرفتهما بوعي وإدراك وتمحيص يكشف له تلك العوامل الحقيقية المستترة التي أدت إلى فساد جو تلك الفئة ودفعت بأفرادها إلى الانحراف عن سواء السبيل وعندئذ يكن في مقدوره وضع يده على مواطن سيطرة تلك الدوافع وقياس قوتها التي تتحكم في سلوكهم وبالتالي يسهل عليه معرفتها ومعالجتها واجتثاث جذورها من أعماق نفوسهم، ورحم الله أمير المؤمنين سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال «من لم يعرف الشر حري بأن يقع فيه».
والمحقق النزيه الكفء هو ذلك الإنسان الذي يفكر تفكيرًا موضوعيًّا بعيدًا عن الغرض الذي يهدف إلى نشدان المغنم الظالم ويتصرف بشجاعة وروح عالية ترتفع عن مزالق الهوى والتعصب الأعمى وكل تحيز مقيت، ومتى ما تغلب على نزوات نفسه سلم من سوارق العقل؛ فالمحاباة تجرد المحقق من ثوب الرحمة وتعصف بكرامته وتورده موارد الزارية والامتهان، ليس بالنسبة إلى من حابى على حسابه وظلمه وإنما يناله الاحتقار من ذلك الشخص الذي حاباه ونصره على باطله.
والمحقق الشجاع لا يكون أنانيًّا أو يسعى لحماية نفسه خائفًا من تقولات يطلقها حساده ومبغضوه، خاصة أولئك الذين ترتجف قلوبهم وتخور قواهم أمام المال أو الجاه أو السطوة ممن ارتضوا برنق العيش وتناسوا قوة الله تبارك وتعالى عليهم، تلك القوة التي هي فوق كل قوة على الأرض.
وألا يتأثر بما يوجهون إليه من نقد رخيص نابع من أعماق نفوسهم الحاقدة التي لم تستطع الارتقاء إلى المرتبة العالية التي تبوأتها نفسه.
وتفكير المحقق الموضوعي هو الذي ينير له معالم الطريق ويبدد أمامه ظلمة الغموض الذي اكتنف جوانب القضية المناط به تحقيقها، يرتبط بكل من ماضيه ومستقبله ارتباطًا وثيقًا، يستلهم من الأول –الماضي– العبرة ويتذوق ثمار الخبرة بينما يستمد المثابرة والرجاء من الثاني –المستقبل– ويمتلئ قلبه إيمانا بالله تبارك وتعالى، فيزداد ثقة في نفسه ويصبح من جراء ذلك قديرًا على تذليل كل عقبة كأْداء تصادفه أو تعترض سبيله في مسيرته ويمضي قدمًا خلال تغيير صاعد بناء لا يعرف التذبذب والانتكاس والتوقف، لا يكل ولا يني ولن يهدأ إلا بعد بلوغ الهدف الأسمى المتمثل بنجاحه في مهمته التي تولاها فأرضى خالقه العلي القدير وضميره ورفع راية العدالة ونشر الطمأنينة في قلوب أبناء المجتمع ويكون بهذا قد ثبت هيبة الحكومة وأظهر جلالها وعزز مركز القانون وهيمنته.
وصدق نبينا الأعظم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ومن هذا الحديث الشريف يتبين لنا تساوي أفراد المجتمع في وجوب الشعور بالمسؤولية والشعور بالمسؤولية في الإسلام قياس.
وتقدم الأمة يعرف ويقاس من خلال مدى اهتمام الفرد وشعوره بالمسؤولية، والمحقق وفقًا لطبيعة عمله يجب أن يكون على مستوى المسؤولية «بكل ما في الكلمة من معنى» فإذا آثر العافية وتهاون أو إذا تملكته العاطفة اللينة الرخيصة واستهوته الشهوة الظالمة فتلكأ أو تراخى ولم يجهد نفسه في التدقيق لمعرفة الحقيقة ولم يكلفها في البحث عن الأدلة ولم يسبر غور نفسية الشاكي والشاهد والمتهم فإنه يطمس معالم الحق ويضل سواء السبيل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: 38).
فكم جنى المتقاعسون والمهملون والجهلة من المسؤولين على بلادهم وأبناء أمتهم في إهمالهم وكانوا السبب الأول المباشر في تسليمها إلى الغزاة الطامعين وتركها لقمة سائغة في فم كل غول نهم، كما أن معظم البلايا والرزايا التي أحاقت بالأمم وعصفت بكياناتها عبر الأزمان كلها تمت على أيدي أولئك المسؤولين المتهاونين الذين امتلأت نفوسهم غرورًا بسلطانهم على الضعفاء وعمَت عيونهم عن رؤية الحق وسكرت عقولهم بخمرة التعاظم الأجوف والاستعلاء الفارغ، فغدروا الحقوق ورفعوا رايات الظلم وساروا بقافلة المجتمع في بوادي الفناء ومتاهات الدمار وانتقلوا بها من ربوع الحياة إلى مقابر التاريخ ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) ما دام في الكون تفاوت في الأخلاق وتباين في الأرزاق فلا مناص من وجود الجريمة.
وما دام المحقق موجودًا وإلى جانبه المجرم فلا بد من وجود المجابهة العنيفة بين قوة الخير وقوة الشر ولا بد من حدوث الصدام المرير الذي تصطرع فيه هاتان القوتان باستمرار.
هذا -المجرم- يحاول جاهدًا بكل قابلياته وحيله نفي التهمة عنه والابتعاد عن نطاق الشبهة وذاك -المحقق- يسعى بكل جوارحه وإمكاناته متشبثًا بشتى الوسائل الخيرة المشروعة، مستحينا كل مناسبة وظرف لجمع الأدلة والقرائن سالكًا مختلف الطرق السوية التي تسد على الأول منافذ النجاة والهرب من التهمة مهما حاوط وأبدى من شديد المكر والإنكار.
فكلاهما يشهر سلاحه ويستعمله ضد الآخر، تارة تتباوأ قوتاهما وتارة أخرى تكتب الغلبة لمن كان أمضى سلاحًا وأحسن استعمالًا له، وعندئذ يقسر خصمه على إلقاء سلاحه ويضطره على رفع يديه معلنًا الاستسلام وهذا هو مصير كل باطل وظلم حينما يدركه إعصار الحق والعدالة. هذا هو الصراع الدائم الرهيب أزلي وسيبقى سجالًا بينهما إلى الأبد.
وإن انعكاس مجهود المحقق على الحالة في المجتمع شديد الوقع وسريع الأثر وذو نتائج بالغة في الأهمية، فجهل المحقق أو عدم اكتراثه يسم عمله بسمات الضعف، والضعف هذا يلقي في المجتمع بذور الحنق والرعب والتذمر من السلطة وبعدم الثقة في قدرتها، وبالإضافة على ذلك فإنه يكون السبب الأول المباشر في تشجيع المجرمين على التمادي في إجرامهم، وهذا من شأنه يؤدي إلى تكاثر الإجرام وتفاقم الشر والإضرار والآلام.
فكم من مجرم عات وسفاح آثم وفاتك عنيد استطاع أن يكتب لنفسه البراءة من التهمة المسندة إليه بسبب تغلب شخصيته القوية وطغيانها على شخصية المحقق الضعيفة، ومن البديهي أن المجرم المحترف اعتاد على تهيئة دفاعه قبل اندفاعه يتمعن في التفكير ويحكم التدبير قبل مضيه في طريق الغواية والشر دون أن يسقط من حسابه إعداد الأسئلة التي توقع طرحها عليه، خاصة تلك الأسئلة الواهية التي تصدر من محقق يفتقر إلى العلم والحذق وتعوزه الحيلة ويجهل فنية الاستجواب وحسن الصياغة، لا يغتنم الوقت المناسب لكل سؤال ذي دلالة وهدف، لضحالة معلوماته وضيق أفق مداركه أو نفاد صبره «عصبي المزاج»، والجهل أس الرذيلة ومنبع الأخطاء والأخطار.
ضحايا الغفلة
وكم من مآس حلت بأناس أبرياء غيبتهم ظلمات السجون إلى أن قضوا نحبهم فيها وصعدت أرواحهم إلى خالقها تشكو ظلم الإنسان واضطهاده لأخيه الإنسان، وكم سجّلت مباني المعتقلات في جوف الصحراء وجزر النفي في عرض المحيطات، للعبرة والتاريخ من مظالم، لا لعداء أو ضغينة ما، فحسب وإنما كانت نتيجة الغفلة والجهل أو التسرع والرعونة والإهمال في تقصي الحقائق إيثارًا للراحة، كما أن قصور العدالة ما زالت تعج وتزدحم بتماثيل الضحايا البريئة التي تنتصب شامخة في باحاتها، والتي لو استطاعت على الكلام حينما نستنطقها لأسمعتنا توجعًا وأنينًا يصم آذان القدر.
إذا كانت دنيا الحرب قد مجدت الجندي الذي دافع عن حياض وطنه دفاعًا مجيدًا واستشهد دون أن يعرف اسمه وخلدته بإشادة نصب تذكاري له اعترافًا بفضله وأسمته الجندي المجهول، فإن في دنيا العدالة مجاهدًا مجهولًا آخر أقنى وأقوى وأشد صلابة وعنادًا من ذلك الجندي لأنه قضى سنين حياته كلها حاملا السلاح يتنقل به من ساحة حرب ضروس ينافح فيها ويصارع أشرس وأذكى الناس إلى ساحة حرب طاحنة أخرى يكافح فيها بلا هوادة، دون أن يوفّى حقه سواء في الحياة أو بعد الممات؛ فالمحقق في حياته قد خسر مودة الظالم دون أن يربح صداقة المظلوم الذي أخذ بيده.
وهكذا كان المجاهد الهادي المسالم العنيد يقوم دومًا بتأدية زكاة المروءة والشرف مساهمًا في عرقلة نمو الفساد الخلقي الذي يفرز في كل يوم عددًا من الضحايا الذين يزداد بهم رصيد المجتمع تعاسة وشقاء وانحطاطًا، دون أن يفسح المجال لجعل الأمر سهلًا.
وأخيرًا نقول رأينا في المحقق، هو أنه أول وأبرز من يبني أسس العدالة ويقيم صرحها باذخ الأرومة ويهيئ الطمأنينة التي ترتكز عليها الحياة، وله من الله تبارك وتعالى الجزاء الأوفى فيما بذله من تعب وسهر وعرق مستهديًا بهدي رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وبحديثه الشريف.
أ- عينان لا تمسهما النار؛ عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله.
ب- ألا إن لله خلقًا اختصهم بقضاء حوائج الناس، حببهم في الخير، وحبب الخير إليهم، أولئك الآمنون من عذاب الله في الدنيا ويوم الحساب.
3- العرب أول من أرسوا قواعد التحقيق وعمدوا إلى التفريق بين الشهود.
نكتفي بالأمثلة التالية دون أن نقدم لهذا العنوان أونمهد.
قصة دانيال.. والقاضيان.. والمرأة المتهمة بالزنا..
اشتهر النبي دانيال عليه السلام بحدة الذكاء وقوة العارضة منذ نعومة أظفاره، ذاق لوعة اليتم منذ طفولته بفقد أبويه، ولكن الله تبارك وتعالى قيض له امرأة مسنة ثرية من بني إسرائيل كفلته واحتضنته ومنحته من الحنان والرعاية التي حرم منها أمثاله ممن افتقدوا باليتم حنان الوالدين ورعايتهما وكانت نتيجة تلك الرعاية والعناية أن نشأ دانيال نشأة صالحة اتسمت بحسن الخلق وهدوء الطبع وحدة الذكاء.
وخلال الفترة التي كان فيها دانيال صبيًا يلهو ويلعب مع إخوانه من الصبيان في الأزقة كان على دست الحكم آنذاك ملك يصرف أمور مملكة بني إسرائيل برويّة وتعقل وكفاءة، وكان لهذا الملك قاضيان وكان لهذين القاضيين صديق عرف بالصلاح والتقوى إلى جانب ما حباه الله تبارك وتعالى من سعة اطلاع وحنكة مما جعل الملك يشاوره في بعض الأمور بين حين وآخر فيمحض له النصيحة إخلاصًا كما كان يمحض النصيحة لكل من شاوره من الناس دون أن يسأل منه حاجة لنفسه. وكانت لهذا الرجل التقي الصالح صديق القاضيين زوجة على جانب عظيم من رفعة الخلق المستمدة من التقوى، بالإضافة إلى ما حباها الله تبارك وتعالى من جمال رائع أخاذ وميزها بقد أهيف مياد.
وفي ظرف خاص أحاط بالملك اضطره على البحث عن شخص كفء أمين ينيط به أمرا مهمًّا يبعثه إلى خارج المملكة لقضائه.
شاور المك القاضيين في الأمر فأشاروا عليه بإناطة المهمة هذه إلى ذلك الرجل الصالح «صديقهما» وأخذ بمشورتهما وكلّفه بتولي المهمة، فصدع الرجل بأمر مليكه دون تردد.
أعد الرجل العدة للسفر وقبيل رحيله أوصى صديقيه «القاضيين» بزوجته خيرًا، فأبديا استعدادهما وبعد مغادرته البلاد صار كل واحد من القاضيين يتردد على بيت الرجل، يسأل الزوجة «الفاتنة» عما تحتاجه ليقوم بتنفيذ ما تطلب بناء على توصية الزوج المسافر، وكانت الزوجة تظهر عند باب البيت تبلغه شكرها على حسن وفائه وتنهي إليه عن اكتفائها وعدم احتياجها لأي شيء.
وهكذا صار كل واحد من هذين القاضيين يزداد ولهًا وافتتانًا بجمال الزوجة الباهر فيتردد على باب بيتها وكأنه مدفوع بدافع ذلك الالتزام الطبيعي المقدس الذي رتبته الصداقة وأملاه الوفاء عليه «حسب الظاهر»، إلا أنه في الحقيقة كان على نقيض ذلك -ولغاية في نفس يعقوب- مثله مثل من ينثر الحب للطير لا ليطعمه بل ليصطاده.
وأخيرًا أحس كل واحد من هذين الصديقين المخادعين باليأس يملأ قلبه وتأكد بأن لا طائل من وراء كثرة التردد على باب بيت هذه الزوجة الجميلة التي بدت أمنع من عقاب الجو فضاق بها ذرعا واضطر أن يكشف عن حقيقة ما في نفسه ويفصح عن سوء دخلته فراودها عن نفسها مرارا ولكنها ردته على أعقابه خائبا، عندئذ اتفقت كلمتهما عليها وهدداها بالويل والثبور إن لم تنزل عند إرادة ورغبة كل واحد منهما، وقالا لها بأنهما سيشهدان عليها عند الملك بعد أن ينسبا إليها واقعة الزنا ولسوف تقتل.
لم تكترث هذه الزوجة الوفية المؤمنة بتهديدها ولم تعرهما إلا أذنًا غير صاغية وازدادت امتناعًا وطلبت منهما تنفيذ وعيدهما.
توجه القاضيان إلى الملك وأبلغاه كذبًا عن زنا وشهدا زورًا عليها وسمع الملك كلامهما وطلب منهما الحضور إلى ديوانه بعد ثلاثة أيام.
أصدر الملك أمره إلى المنادي، أن ينادي في الناس ويطلب تجمعهم في مكان معين ليشهدوا قتل الزوجة الزانية التي خانت زوجها الصالح المسافر بعد أن شهد عليها قاضيا البلد.
لم يتلق الملك نبأ الزنا بنفس مطمئنة، وحاول عبثًا في الوصول إلى نتيجة أو حل يتخلص فيه من شكوكه التي طغت دون أن يجد لها تفسيرًا.
وخانته قابليته وعزت عليه الحيلة طيلة يومه الأول، واضطر على استشارة وزيره الشيخ الذي حنكته التجارب في هذا الأمر ولكن من دون جدوى.
فمضى اليوم الأول سدى وانقضى اليوم الثاني والحال على ما كان عليه لا جديد فيه.
وفي صبيحة اليوم الثالث غادر الوزير الشيخ بيته مبكرًا -على غير عادته– وراح يطوف شوارع البلد وحاراته وأزقتها، على غير هدى، وبينما هو كذلك، شاهد رهطًا من الصبية يلعبون وكان دانيال يلهو معهم، وعلى إثر عبارة تنبيه صدرت من ذلك الصبي دانيال، إلى أولئك الصبية، توقف الوزير الشيخ وأخذ ينصت إلى كلام دانيال الذي كان يخاطب به إخوانه:
تعالوا، اسمعوا، دعوني أمثل دور الملك وفلان وفلان يقومان بتمثيل دور القاضيين «الشاهدين»، وأنتم الباقون منكم من يكون من حاشية الملك ومنكم من يقوم بتأدية دور «الشرطي» وهلم بنا نجري محاكمة المرأة التي أسندت إليها تهمة الزنا.
استهوى العرض هذا أولئك الصبية فوافقوه عليه، كما استرعى انتباه الوزير الشيخ واستهواه هو أيضًا فتوقف عن السير ثم جلس القرفصاء على مقربة من مكان التحقيق ليستمع جيدًا ويشاهد بوضوح كل ما سيجري هناك وكان كالآتي:
أحضر دانيال قصبة اعتبرها سيفًا ووقف وإلى جانبه رجاله وراح يصدر أوامره «كملك» على هذا النحو.
خذوا هذا الشاهد الأول «أحد القاضيين» ونحّوه بعيدًا إلى جهة الشرق من مكاننا هذا واحتجزوه فيه وامنعوا اتصاله بالشاهد الثاني الذي يجب أن تأخذوه مخفورًا أيضًا إلى جهة الغرب ريثما نطلب الواحد بعد الآخر لنسمع شهادته، وبعد أن تم تنفيذ هذه الأوامر، طلب دانيال الشاهد الأول وسأله الأسئلة التالية:
س: أتشهد بالحق؟
جـ: أشهد بالحق، وأشهد أن هذه المرأة قد زنت.
س: متى كان ذلك وفي أي يوم؟
جـ: في الوقت الفلاني من يوم كذا.
س: في أي مكان شهدت الواقعة ومتى كانت تزني؟
جـ: في بيت كائن بالحارة الفلانية ومع شخص فر هاربًا بعد مشاهدتي له اسمه فلان بن فلان الفلاني.
س: صف الزاني، واذكر وصف وميزات المكان؟
جـ: شاب وسيم في مقتبل العمر، ذو لحية قصيرة، نحيف البنية، في غرفة صغيرة مظلمة من البيت تستغل لخزن المؤونة.
س: ما سبب ذهابك إلى ذلك البيت خلال الوقت الذي خُصص لتصريف شؤون الناس وحسم الخلافات الناشئة بين المتقاضين عندك؟
جـ: لشراء القماش، وقد خشيت أن أنسى ذلك فأبلغت الحاجب أن يصرف المراجعين ليأتوا يوم غد، متذرعًا بوعكة ألمّت بي.
س: لماذا اصطحبت زميلك «القاضي الثاني» إلى ذلك المكان؟ جـ: لقضاء الوقت في مناقشة أمور قضائية في الذهاب والإياب.
س: كيف دخلتما البيت، وبإذن من أصحابه؟
جـ: سمعنا صوتًا ضعيفًا يأذن لنا بالدخول إلى البيت ومن بابه الذي لم يكن موصدًا.
س: أكان صاحب الصوت الضعيف رجلًا أم امرأة؟
جـ: رجل. وحينما انتهي من استجوابه أمر بإعادته إلى مكانه وإحضار الثاني الذي وجّه إليه نفس الأسئلة بعد مثوله بين يديه وكانت إجاباته عليها متغايرة، مع إجابات الأول تغايرًا جوهريًا، عندئذ طلب إحضار الشاهد الأول أمامه، فأحضر وأوقف إلى جنب زميله. نهض دانيال من مجلسه مع من يحف به من أترابه وقال: الله أكبر قاضيان شهدا زورًا على امرأة مظلومة ثم صرخ قائلًا «يا منادي نادِ في الناس، إن القاضيين شهد زورًا على فلانة زوجة فلان فليحضروا إلى الميدان الفلاني في يوم كذا ليشهدوا قتلهما».
كل هذا تم حدوثه تحت سمع وبصر الوزير الشيخ الذي امتلأ قلبه فرحًا من جراء ما فيه من عدالة وصواب فبارح مكانه وأهرع إلى الملك وأنهى إليه بما شهد وبما سمع من أولئك الصبيان، فاستصوب الملك فكره، وما كان منه إلا أن أمر بإجراء التحقيق مع القاضيين الشاهدين على نفس النمط واتخذ عين تلك الإجراءات مجددًا، وتبين له الاختلاف الجوهري في الشهادتين فتجلت له براءة الزوجة المظلومة كالشمس في رائعة النهار، وأصدر حكمه القاضي بصلب القاضيين الشاهدين فصلبا «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله»... يتبع.