; كظم الغيظ.. العفو.. الإحسان: مراحل مطلوبة لمواجهة أي توتر بين أفراد المؤسسة- التدرج القرآني في حل الإشكال الإداري | مجلة المجتمع

العنوان كظم الغيظ.. العفو.. الإحسان: مراحل مطلوبة لمواجهة أي توتر بين أفراد المؤسسة- التدرج القرآني في حل الإشكال الإداري

الكاتب مهيوب خضر محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 76

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 57

الثلاثاء 23-مايو-2000

منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم -عليه السلام- كانت الأخطاء البشرية ومازالت- جزءًا لا يتجزأ من حياة الإنسان اليومية، ومع تطور الحياة على مر الأزمان أصبح العمل الجماعي واقعًا يفرض نفسه بقوة في كل المجالات، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الاحتكاك مع الآخرين، وبالتالي ظهور كم كبير من المشاحنات، والتوتر، وارتفاع حدة الصراع بين أفراد المؤسسة الواحدة.

من هنا أفنى بعض علماء الإدارة عمره باحثًا عن الأسلوب الأمثل في إيجاد البداية الصحيحة والخطوة الأولى للسيطرة على ما يبرز من مشكلات في ساعات العمل مع الحفاظ على جو الود العام الذي يجب أن يسود المؤسسة. 

وبعد طول بحث ودراسة وصل الباحثون إلى قاعدة سجلوها في كتبهم تقول «Temper Loser is task Loser»، بمعنى «فقدان المزاج هو فقدان للمهمة»، فهم يؤكدون ضرورة سيطرة المسؤول على أعصابه، وإلا فقد مزاجه عندما يعلم بمشكلة أو خطأ سببه فلان من العاملين في المنظمة، فهذه هي الخطوة الأولى الصحيحة على طريق حل الإشكال الإداري. 

ومنطلق علماء الإدارة في هذا الأمر هو الحفاظ على العلاقات الإنسانية، ومبدأ العمل بروح الفريق في المنظمة الذي إذا ما ضعف فقد يكون سببًا حتميًا في انهيار المؤسسة أو على الأقل ضعف الإنتاج، وتردي النوعية، ولو رجع علماء الإدارة إلى القرآن الكريم لكفاهم هذا الرجوع ذلك الكم الكبير من الجهد والوقت اللذين بذلوهما في البحث عن العلاج الشافي لهذه المسألة.

فقد شاء سبحانه وتعالى أن ينزل التوجيه الرباني لكل مسؤول على وجه الأرض في القرآن الكريم، إذ يقول سبحانه ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).

وابتداء نشير إلى قضية مهمة هي أن معظم الآيات القرآنية التي تتحدث عن توجيه سلوك المسلم العام تجاه الآخرين نجدها عامة تخص الناس جميعًا دون وجود أي حوافز تفريقية من دين أو جنس أو لون أو لغة أو مستوى اجتماعي أو منصب إداري.. ومن هذا على سبيل المثال الآية: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٣٤)، وكلمة الناس هنا تفيد العموم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ (هود: 85)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ميزان السلوك والمعاملة في الإسلام میزان ثابت لا يرتبط بظروف المكان، والزمان، والأشخاص.

والله سبحانه وتعالى قد قسم علاج هذه المشكلة إلى ثلاث مراحل، ترتقي تدريجيًّا بحيث تتناسب كل مرحلة مع مستوى سلوك وأخلاق الشخص المعني أو المسؤول تحديدًا.

فكظم الغيظ هو المرحلة الأولى، التي تعني سيطرة الإنسان المسؤول على أعصابه ونفسه ومزاجه في أثناء وقوع الخطأ أو المشكلة، حتى لا تزداد الأمور سوءًا، وتتفاقم المشكلة، ومن هنا جاء الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (رواه البخاري في صحيحه).

ولقد كان رسول الله r خير من يطبق وحي السماء من البشر، فعندما جاءه أعرابي يطلب منه شيئًا أعطاه الرسول ما يريد، ثم قال له r: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا ولا أجملت! فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم الرسول r له أن كفوا، ثم قام r الله ودخل بيته، وزاد الأعرابي في العطاء، ووجهه توجيهًا إيجابيًّا، اعترف بعده الأعرابي بالإحسان على رؤوس الأشهاد. 

ثم استغل الرسول r هذا الموقف ليوجه صحابته قائلًا: «مثلي ومثل هذا، كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحبها فقال لهم: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها فأخذ من قمام الأرض، فردها حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه، دخل النار». 

«هكذا كان الرسول r الله يستغضب أحيانًا غير أنه ما يجاوز حدود التكرم والإغضاء» «خلق المسلم لمحمد الغزالي». 

أما المرحلة الثانية فهي قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 134)، وفي هذه الآية توجيه رباني للتعامل بطريقة إيجابية مع الموقف، وهذه الإيجابية تعني عدم اللجوء إلى لائحة العقوبات مباشرة، بل التروي، وتهدئة الموقف بالتزام مبدأ العفو على قدر الاستطاعة، والإيجابية هنا تعني أيضًا تغيير وجهة النظر من اعتبار المشكلة والخطأ سببًا للتوتر والانزعاج إلى اعتباره مصدرًا للتطور، والارتقاء، وهذا ما يحدث عندما تدرس أعراض المشكلة وأسبابها بالتفصيل، ثم يحدد الحل المناسب الذي من المفروض أن يكون خطوة في تقدم مسيرة العمل إلى الأمام. 

وهذا أحد أهم الأسباب الرئيسة في ازدهار حضارة اليابان، إذ إنهم يعتبرون المشكلة كنزًا عظيمًا حصلوا عليه، ومن خلاله يمكن تطوير الأداء والعطاء في المؤسسة، وهذه هي النظرية الإيجابية المطلوبة.

وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 148)، فهو المرحلة الثالثة، وهي أرقى وأسمى من المراحل السابقة، وفيها العلاج الشافي بحيث يقوم المسؤول بالإحسان إلى من أخطأ وقصر، وهذا ما فعله الرسول r الله عندما زاد الأعرابي من العطاء، قد فعل ما فعل. 

والإحسان هنا قد يكون إحسانًا معنويًّا لا يتعدى مستوى الكلمة الطيبة، وعندها سوف يقوم الشخص المعني بتقديم كل الولاء والاحترام لمسؤوله، وسوف يعمل جادًّا على تقبل توجيهاته، وتلافي كل الأسباب التي أدت إلى حدوث المشكلة أو الخطأ، وهذا ما يؤكده الشيخ محمد الغزالي في كتابه «خلق المسلم» حول قصة الأعرابي، إذ يقول «إن الأعرابي الذي اشترى رضاه بما علمت لا يبعد أن تراه بعد أيام وقد كلف بعمل خطير، يقدم فيه عنقه عن طيب خاطر».

والإحسان إلى المخطئ فيه نوع من الاحترام له، ولإنسانيته، ولشخصيته، وهذا ما يشدد عليه علماء الإدارة إذ يعتبرون «الحاجة إلى الاحترام» على رأس أولويات حاجات الإنسان التي إن توافرت له فسوف يسعى إلى تقديم كل ما في وسعه لصالح العمل، والمصلحة العامة دون كلل أو ملل.

ومن خلال السير عبر المراحل الثلاث -كما أراد الله سبحانه وتعالى- فإن العلاقات الإنسانية بين أفراد المؤسسة الواحدة سوف تسمو إلى أعلى بدلًا من أن تهوي إلى أسفل، وهذا ما يحرص عليه علم الإدارة الذي يعتبر هذا الأمر عاملًا أساسيًّا في تطور المنظمة على صعيد الأداء والإنتاج والتوعية والسمعة.

هذه المعاني يؤكدها الأستاذ سيد قطب -يرحمه الله- في تفسيره لهذه الآيات إذ يقول: «الجماعة التي يحبها الله وتحب الله.. والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان، هي جماعة متضامنة وجماعة متأخية، وجماعة قوية» .

مهيوب خضر محمود 

إسلام آباد - باكستان

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 277

133

الثلاثاء 02-ديسمبر-1975

جنبلاط يقول في كل مكان ما يناسبه

نشر في العدد 306

74

الثلاثاء 22-يونيو-1976

ليس للفلسطينيين إلا الله