; التراث في رؤية عصرية.. رسَالة التوحيد (6) | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية.. رسَالة التوحيد (6)

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 94

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987


«رسالة التوحيد» للأستاذ الإمام، محمد عبده، هي الكتاب القديم الذي نختاره في هذه الوقفة مع كتاب قديم ليفتح آفاق الحاضر، ويجدد علاقتنا بتراثنا العظيم، وهذا الكتاب «رسالة التوحيد» يثير في الخاطر أكثر من مدخل، يؤدي إلى القضية الحاضرة التي نؤثرها باهتمام. فمؤلف الكتاب، محمد عبده- رحمه الله- قد توفي منذ ثمانين عامًا كاملة، كما أنه ألف «رسالة التوحيد» منذ قرن كامل أيضًا، إذ فارق الإمام أستاذه وصديقه جمال الدين الأفغاني في باريس عام ١٨٨٥ ميلادية، واتجه إلى بيروت، منفيًا حتى يؤذن له في العودة إلى وطنه.

وفي بيروت شرع في إلقاء محاضرات في علم الكلام، كانت النواة للكتاب، الذي صدر بعد ذلك. وإذن فإن الكتاب- الرسالة- لا يعد من التراث، لأن مؤلفه وإن لم يكن من المعاصرين فإنه ليس من القدماء، إنه من علماء العصر الحديث، بل من مؤسسي الفكر العربي في هذا العصر الحديث، ومع هذا فإننا نختار «رسالة التوحيد» وندافع عن هذا الاختيار، إذ إنه مما يؤسف له أشد الأسف أن وسائل التسلية الحديثة، الزاخرة بكل ما يبهر العين، ويسحر الأذن، ويشغل كافة الحواس والمشاعر، هذه الوسائل قد شحنت الناس، وبخاصة الأجيال الجديدة، وصرفتهم عن المعرفة عن طريق القراءة، وبهذا تضاءل حظ الكتاب الجاد من الانتشار، مطبوعًا، ووصوله عن طريق هذه الوسائل المستخدمة أشد ضآلة، وبهذا يتحول إلى تراث وهو لا يزال جديدًا، وينسى أمره قبل أن يشتهر ذكره، ولقد كانت لفتة ذات مغزى أن بعض المجلات الفكرية الجادة، استحدثت بابًا تنشر فيه فصولًا من هذا التراث الحديث لكتاب ومفكرين معاصرين، أو أقرب إلينا عهدًا من الأستاذ الإمام، مثل زكي مبارك وأحمد أمين، ومصطفى صادق الرافعي، والمازني، وهؤلاء جميعًا، على جلالة الدور الذي أدوه لأمتهم وثقافتهم العربية، لا يكاد الجيل الجديد من المتعلمين أن يقرأ لهم شيئًا، بل لا يكاد يعرف أسماءهم.

لقد تضمن كتاب «رسالة التوحيد» أكثر من موضوع، هو بذاته قضية حاضرة، لأن الإمام محمد عبده، كان مفكرًا عميق الغور، وكان شديد التواصل مع قضايا عصره وهي قضايا عصرنا، بل إنها قضايا كل عصر، لأنه يمس جوهر علاقة الإنسان بخالقه، وعلاقته بالدين كمنظم للعقيدة والسلوك، ومدير للنظام الاجتماعي، ثم أخيرًا، وربما أولًا وقبل كل شيء: علاقة الإنسان بنفسه، بضميره، بفطرته، بإرادته، ومسؤوليته عن كل ما يأتي ويدع من أعمال.

لقد آثرت هذه القضية الأخيرة من بين ما يثير «رسالة التوحيد» من قضايا، وإني لأظن أن قضية «موقع الإنسان بين الطرفين المتباعدين: الجبر والاختيار» من القضايا التي لا يتوقف البحث فيها، عنيت بها الفلسفات قديمًا وحديثًا، واهتم بها الأنبياء، وقالت فيها الكتب السماوية كثيرًا، ومع كل ما هو مسطور ومعروف فإن سؤال الفتيان في حصص التربية الإسلامية في المدارس، وسؤال الشباب في الجامعة بمناسبة وأحيانًا بغير مناسبة، عن حظ الإنسان من المسؤولية تجاه ما يصنع، لا يزال يتردد، ويبحث عن جواب، وقد تولى الأستاذ الإمام تقديم إجابة شافية، في رسالة التوحيد، فضلًا عن أن حياته الشخصية، وجهاده العلمي النبيل، يقدمان إجابة معقدة لما سطره في كتابه فكأنما كان محمد عبده يعيش فكره، أو يفكر بتجربته المعيشة، وهذا شأن العاملين من العلماء، تتطابق الأقوال والأفعال، ويتحد المعتقد الباطن، والرأي الظاهر المعلن بين الناس.

لقد التحق محمد عبده بالمعاهد الأزهرية ثم بالأزهر، مرتين، وفي كل مرة، كان يشعر بأنه غير مستطيع أن يتجاوب مع طريقة التدريس، والمواد المختارة للتدريس، فكان ينصرف عن التعليم بائسًا، ويقرر اكتساب رزقه من عمل آخر، حدث ذلك في بداية شبابه حين التحق بالجامع الأحمدي بمدينة طنطا، ويبدو أن المنهج الذي كانت تطبقه معاهد الأزهر كان عسيرًا، دفع الصبي (محمد عبده) إلى الانصراف عن الدراسة والعمل بالزراعة، ولكن.. حدث أن التقى بأحد أخوال أبيه، وهو رجل صوفي طيب القلب، استطاع من خلال حنانه الأبوي، وسلامة إدراكه للمعاني الروحية في الكتب القديمة، أن يقنع الفتى بالعودة إلى الدراسة في المعهد، ويتكرر الأمر نفسه بعد أن يلتحق الشاب محمد عبده بالأزهر، ويقضي فيه أكثر من ثلاث سنوات، أحس أنه لم يجن منها ما كان يريد، كان يتوق إلى فكر حي جديد، فانقطع مرة أخرى عن دروسه وانتابته أزمة نفسية أوشكت أن تدفع به إلى العزلة والزهد، ثم يظهر الشيخ الصوفي مرة أخرى ليأخذ بيده إلى النجاة، عن طريق التأمل، والفكر الموصل إلى العمل، وحين التقى الأستاذ الإمام بجمال الدين الأفغاني، كان موقعه في تجديد الفكر الإسلامي قد تحدد وأصبح واحدًا من العمد، التي ينهض عليها هذا الفكر. فأين تقع حرية الإرادة من رحلة حياة الإمام؟ تلك الرحلة العجيبة التي أوشكت أن تتوقف وتصل إلى الإفلاس مرتين، ثم انتهت إلى هذا النور الباهر الذي نجده مائلًا في سيرته، وفي كتبه على حد سواء؟!

كيف يبسط ويبسط محمد عبده، في رسالة التوحيد، علاقة الإنسان بالخالق سبحانه في إطار حرية الفعل الإنساني؟ يقول: «كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله، ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقوة ما فيه، ويعد إنكار شيء من ذلك مساويًا لإنكار وجوده، في مجافاته لبداهة العقل، هكذا يعتمد الإمام على الملاحظة العملية، وتحريك الفطرة، وشهادة الحواس، وما يصدق على الفرد يصدق على الجماعة، وهنا يظهر الفعل الإنساني حرًا بلا قيد، يفعل ما تمليه عن الأفعال الحرة للإنسان».

«ومع ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه، وقد يطلب كسب رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة فسقط في مهلكة، فيعود باللائمة على نفسه أنه كان لم يحكم النظر في تقدير فعله، ويتخذ من خيبته أول مرة مرشدًا له في الأخرى، فيعاود العمل من طريق أقوم، وبوسائل أحكم، ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ما يشتهي، إن كان سبب الإخفاق في المسعى منازعة منافس له في مطلبه، لوجدانه من نفسه أنه الفاعل في حرمانه، فينبري لمناضلته، وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك، إن لم يكن لتقصيره أو لمنافسة غيره دخل فيما لقي من مصير عمله، كأن هبت ريح فأغرقت بضاعته، أو نزلت صاعقة فأحرقت ماشيته، أو علق أمله بمعين فمات، أو بذي منصب فعزل- يتجه من ذلك إلى أن في الكون قوة أسمى من أن تحيط بها قدرته، وأن وراء تدبيره سلطانًا، لا تصل إليه سلطته».

هذه صفحة قديمة، أو كالقديمة، تعرض لقضية قديمة حاضرة، بأسلوب سهل مقنع، بعيد عن الخطابية والمبالغة، قريب إلى الفطرة وحكم الواقع المشاهد، فما أحوجنا إلى بعث تراثنا الحديث، الذي انزوى بعيدًا عن العيون أمام مزاحمات غير مجدية، مع شدة الشوق إليه، ونفعه المؤكد ليس لشفاء القلوب الحائرة، وحسب، وإنما ليستمر التواصل الفكري والروحي بين أجيال المفكرين من أمتنا، وأجيال المريدين لهم في كل عصر قادم.

الرابط المختصر :