; التراث في رؤية عصرية.. مفتاح الراحة لأهل الفلاحة | مجلة المجتمع

العنوان التراث في رؤية عصرية.. مفتاح الراحة لأهل الفلاحة

الكاتب محمد حسن عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 61

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 19-يناير-1988

كتاب «مفتاح الراحة لأهل الفلاحة» هو الذي نتوقف عنده، محاولين التعريف به، واستكشاف قضية حاضرة تمسح عن تراثنا غبار الزمن الطويل، أو بعض غباره، وتنبه الخواطر إلى جانب من إيجابيات هذه الكتب أو الزوايا الجديدة التي يمكن أن نطل منها عليها. «مفتاح الراحة لأهل الفلاحة» واضح المحتوى من عنوانه، وهو كتاب موسوعي حقًا في بابه، موسوعي بأكثر من معنى، كما سنرى. وقد توافر على تحقيقه عالمان فاضلان أشارا في مقدمته إلى غموض شخصية مؤلفه المجهول، واكتفيا باستنتاج أن المؤلف المجهول قد اعتمد على النقل من كتب سابقيه في علم الفلاحة، وأن هذا النقل يتدرج إلى أن يصل إلى الربع الأول من القرن الثامن الهجري. وبهذا رجح عندهما أن المؤلف عاش إبان القرن الثامن، كما رجح عندهما أنه من أهل الشام لملاحظات يريانها كافية لهذا الترجيح، فأوصافه لبعض النباتات في دمشق وما حولها، وإشارته إلى بعض الأسماء الشائعة لأنواع من الفواكه لم تُعرف بها إلا في الشام، ووصفه لبعض الأماكن هناك مؤشرات تدل على ذلك. ومهما يكن من أمر، فإن محتوى الكتاب ومنهجه يدلان على أمور هامة لم يصرفنا عنها أن المؤلف مجهول، كما لم يصرف ذلك هذين المحققين الفاضلين، ومعهما المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي أصدر هذا الكتاب ضمن سلسلته التراثية، فأدى للعلم والثقافة وللتاريخ أيضًا، بل أدى للغة العربية خدمة نافعة مؤثرة، تستحق التقدير.

 

في كتاب «مفتاح الراحة لأهل الفلاحة» كما في كثير من الدراسات المبكرة، يختلط عالم الغيب بعالم المشاهدة، وقد تأتي الحقيقة في ثوب الخرافة، وقد يحدث العكس. وهذا أمر متوقع في علوم لم تتحدد مناهج البحث فيها، ولم يتفق العلماء على المسائل التي تندرج تحتها، والوسائل التي ينبغي اعتمادها في اختبار هذه المسائل وتصنيفها، ووصف نتائج البحث فيها. وهكذا ينقل المؤلف المجهول عن المسعودي -في مروج الذهب- أن آدم -عليه السلام- لما هبط إلى الأرض خرج من الجنة ومعه ثلاثون قضيبًا مودعة أصناف الثمر، منها عشرة لها قشر، ومنها عشرة لثمرها نوى، ومنها عشرة ليس لها قشر ولا نوى، ثم أخذ يعدد هذه العشرات المنحدرة إلينا من الجنة، وهي غالبًا من أنواع الفاكهة. ومع وضوح الخلل في القسمة العقلية التي صُنفت إليها هذه المجاميع الثلاثة، فإن من حقنا أن نتساءل: من أين جاءت الأنواع الأخرى من النبات، التي تبدو لنا أكثر أهمية لمعيشة الإنسان من الفستق والصنوبر والنبق والخروب إلى آخره؟ على أية حال، إننا لم نؤثر هذا الكتاب بحديثنا لنشير إلى سلبياته، وإنما لنضيء مساحة من معرفتنا بالتراث، وما يمكن أن يجدد من فكرتنا عن الراهن الذي نعيش. ولقد أدى المؤلف المجهول خدمة عظيمة حقًا بكتابة هذا من حيث غطى أكثر ما نعرف من أنواع النبات، يذكر اسمه وموعد زراعته وأسلوب غرسه، ونظام ريه، ومتى يُحصد ولماذا يجود؟ وأخطر الآفات التي يتعرض لها. وقد أشرنا منذ قليل أننا نعتبر هذا الكتاب موسوعيًا بأكثر من معنى، وهذه الموسوعية ستكون مدخلنا إلى المعرفة بالقضية الحاضرة، بل بأكثر من قضية حاضرة يثيرها هذا الكتاب.

 

الإيجابية الأولى النابعة من هذه النظرة الموسوعية، تتجلى في الاهتمام بالفلاحة في ذاتها. ونحن نعرف أن اللغة العربية في صميمها لغة الصحراء بنت الجزيرة العربية التي لم تكن تعرف الزراعة في أكثر مناطقها، كما نعرف أن الأدب العربي في جوهره أدب بدوي، بدأ بشعراء الحجاز ونجد وما حولهما. حين أراد محمد بن سلام الجمحي أن يضع الشعراء في طبقات فإنه التفت إلى شعراء البادية فوضعهم في أماكنهم من طبقاته، والتفت عن غيرهم فلم يمنحهم هذه الميزة. وقد خلعت الصحراء والبداوة كثيرًا من الفضائل على هذا الأدب وعلى اللغة التي كُتب بها، كما تركت آثارًا سلبية في بعض المجالات منها احتقار العمل اليدوي، والاستهانة بمن يمتهنه وبخاصة مهنة الزراعة أو الفلاحة. ولا نشك في أن الفلاحة والعمل في الزراعة علم له أصوله، ولكن بالإضافة إلى ذلك، لكي نستدرك على بعض الأفكار المتوارثة عن الأنشطة العملية في ماضينا، وعن العلاقة بالأرض، وهي مسألة مهمة في تأكيد معنى المواطنة وتعميق الرابطة بالعمران، ودعم المفهوم الحضاري للدور الذي قامت عليه حركة الفتح الإسلامي، واستقرار الدولة الإسلامية.

 

هذه مسألة أولى ليست بالقليلة، غير أن هذا الكتاب «مفتاح الراحة لأهل الفلاحة» قامت مادته على اختصارات واختبارات من كتب سابقة عليه في نفس الفن. وهذا النهج من مؤلفه المجهول يفتح أمامنا الطريق إلى استكشاف قانون لتطورنا العلمي في هذه الحقب المترامية من ماضينا، فما حجم النقل عن الماضي؟ وماذا أضيف إلى كتب السابقين؟ وفي أي اتجاه أضيف؟ وعلامَ تدل الزيادة أو النقص في المعلومات؟ وما هي الظروف الموضوعية التي أحاطت بعملية الاختيار والاختصار؟ إن هذا العمل لو بدأناه في كافة علومنا العربية التراثية سيضع أمامنا خريطة واضحة القسمات، لتاريخنا العلمي الذي لا نعرف عنه غير آراء متناثرة، وأحكام مبتورة، وأخطاء تأخذ عند بعضنا شكل المسلمات.

 

يستطيع دارس اللهجات الحديثة والمعني بهجرة الكلمات بين الأقاليم أن يجد مادة جديدة في هذا الكتاب؛ لأنه حين يذكر اسم نبات في إقليم فإنه يذكر ما تطلقه الأقاليم الأخرى على نفس النوع، وربما علل اختلاف التسمية بشيء من التاريخ المجهول، الذي لم يتعود المؤرخون على ذكره أو الاهتمام به، مثل ما يُذكر عن إفلاح البطيخ، فيذكر أنه نوعان: بري، وبستاني. والبري يسمى الحنظل، والبستاني ينقسم إلى: هندي، وصيني، وخراساني. ويذكر أن الهندي يسمى بمصر البطيخ الأخضر، أما الصيني فيسمى الأصفر، وهذا يعني أن ما يُطلق عليه الآن «الشمام» كان يسمى في زمنه «البطيخ» وهو يحمل نفس التسمية حاليًا في بعض البلاد. أما البطيخ الخراساني -هكذا يقول المؤلف المجهول- فإنه يسمى بمصر العبدلاوي، منسوبًا لعبد الله بن طاهر؛ فإنه الذي دخل به إلى مصر، وهو بطيخ أصفر أيضًا. وهناك بطيخ مرقش من ثلاثة ألوان الأحمر والأصفر والأسود، ويُطلق عليه: الزبش، بسبب لونه، واللفاح، وفي العراق يسمى دستنبوي، ومعناها بالفارسية رائحة اليد، ويُعرف في الشام بالشمام. والمؤلف المجهول، إلى جانب هذا التسجيل الدقيق لأسماء الثمار في مختلف المناطق، يضع في سياق كتابه الكثير من أبيات الشعر ومقطوعاته التي قيلت في وصف هذه النباتات أو قيلت في وصف النساء مُشبهات بالثمار الناضجة، أو فيما يناسب من حالات النفس أو حالات الحياة. والمؤلف بهذا الصنيع يقدم كتابًا مهمًا لدارس الأدب والباحث في الصور البيانية، ومع هذا فإنه يقدم لنا مثالًا طريفًا للتأليف العلمي، حين يمتزج بالأدب والفن فيقدم للقارئ العادي والمتخصص معًا مادة علمية صحيحة في سياق ممتع يحقق الفائدة واللذة، ويفتح في الذهن آفاقًا جديدة تحرك الفكر كما تؤثر في الشعور، وتكشف عن وحدة المعرفة في نهاية المطاف.

الرابط المختصر :