العنوان التراث في رؤية عصرية (7) التيجان في ملوك حمير
الكاتب محمد حسن عبدالله
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
من هنا وجدت اجتهادات أخرى أكثر
وعيًا بطبيعة الصراع الحضاري بين الأمم، وأبعاده، وأسلحته، ونتائجه. وهكذا ظهر مصطلح
جديد، وخطير هو «شخصية الأمة». وليس القصد من الحفاظ عن شخصية الأمة، أن تظل تتمايز
عن غيرها من الأمم وحسب، إن هذه غاية جليلة أيضًا وتستحق كل ما يبذل في سبيلها من بحث
علمي، وإنفاق مادي، وحماية روحية، وحفاظ على التراث. إن هذا التمايز قدر الأمم التي
تملك تاريخًا عريقًا يمتد لآلاف السنين كجذور حية في تربة الحضارة الإنسانية الشاملة.
إن هذا التمايز يتطلب أن نعود إلى ماضينا الزاهر، بعين الناقد، ورؤية الخبير بمكامن
القوة وعوامل الانحلال، نعود إلى هذا الماضي الزاهر لا لنعيده إلى الحياة.. إن الحياة
نهر يتدفق، لا يكف عن الجريان، وقانون الأنهار يأبى أن يعود مصب النهر إلى منبعه..
والنهضات القومية ليست أمنيات، إنها تقوم على أسباب موضوعية، وبشروط أو تحت ظروف الزمن
أو طبيعة العصر جزء أساسي فيها، وإذا كان الزمن يمضي، كموجات النهر إلى غير عودة، فإن
هذا يعني أن شروط النهضة تتغير، أو تتطور، ما بين عصر وعصر، وأرض وأرض. وإذن فإن إحياء
الماضي، أو الحفاظ على التراث أو الحرص على تمايز الشخصية القومية لا يعني بالضرورة
أن نلوي عنق الواقع فننظر إلى الوراء بدلًا من أن ننظر إلى الأمام.. إنه يعني القيام
بالتحليل العلمي لهذا الماضي، وانتقاء العناصر الصالحة فيه للبقاء. فإذا كان السؤال:
من أين تبدأ النهضات القومية؟ فإن الجواب الذي نراه: تبدأ بتصحيح النظر إلى الماضي
وتجديد الحكم عليه برؤية علمية موضوعية.. إن هذا التصحيح، وتلك الرؤية العلمية الموضوعية
هي الطريق إلى الاختيار الطبيعي، لاستبقاء عناصر القوة ونفي عناصر الضعف، دون تخاذل
أمام اعتبارات عاطفية، جعلتنا نقدس كل ما هو من الماضي، ونخشى مناقشته، وكأن وجوده
التاريخي دليل لا يجحد على صحته وعلى نفعه للماضي، والحاضر والمستقبل!
كانت انبعاثة هذه القضية الحاضرة
من وحي قراءة لكتاب قديم، هو كتاب «التيجان في ملوك حِمْيَر» لمؤلفه وهب بن منبه، الصنعاني، وقد عاش
وهب في صدر الإسلام بين عامي أربعة وثلاثين هجرية، وأربعة عشر بعد المائة، وإذن فقد
عاصر الصحابة وعاصر التابعين، وسمع من كثير منهم وكما تقول عنه المصادر القديمة، كان
كثير الأخبار، ينقلها عن الكتب القديمة، عالمًا بأساطير الأولين ولاسيما الإسرائيليات
وكان يقول: «سمعت اثنين وتسعين كتابًا، كلها أنزلت من السماء، اثنان وسبعون منها
في الكنائس، وعشرون في أيدي الناس لا يعلمها إلا قليل». وسواء صح هذا القول في نسبته
إلى وهب بن منبه أو لم يصح، وسواء صح مضمون الخبر عن وجود اثنين وتسعين كتابًا، أكثرها
مجهول، لكنه تمكن من الاطلاع عليه، أو لم يصح، فإن هذا كله لا يغض من قيمة كتاب «التيجان
في ملوك حِمْيَر» من حيث هو تاريخ أسطوري رائع يشيد بدور اليمن، وجنوب الجزيرة العربية،
ومنزلتها الحضارية، وبطولاتها قبل الإسلام بل منذ بدء الخلق، إلى قبيل بعثة محمد صلى
الله عليه وسلم. لقد وضع كتاب التيجان بدوافع انتمائية قبلية، تريد أن ترفع من شأن
قحطان، في مقابل اعتزاز عرب الشمال بعد الإسلام، وهذا النعمان بن بشير، شاعر الأنصار،
وهم أصلا من جنوب الجزيرة، يفاخر بالمجد القديم، فيقول:
ونحن بنينا سد يأجوج فاستوى
بأيماننا، هل يهدم السد هادم
فمن ذا يفاخرنا من الناس معشر
كرام، فذو القرنين منا، وحاتم
وذو القرنين في البيت الثاني
ليس الإسكندر المقدوني، على ما يشيع عن ذلك، ولكنه ملك يمني حدثنا عنه وهب بن منبه
في التيجان أيضًا، وهو الصعب ذو القرنين بن الحارث، الرائش ذي مرائد، بن عمرو الهمال،
ويرتقي بنسبه إلى وائل بن حمير من سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام،
ويمضي مع سلسلة الأجداد حتى يصل إلى آدم أبي البشر.
هذا إذن تاريخ أسطوري لم يشهده
أحد، ولم يتحدث عنه كتاب سماوي، أو تاريخ موثق، أراد به ابن منبه أن يبرز عظمة الماضي
اليمني، ومقدرة رجال العمالقة الأفذاذ، وهو في سبيل هذه الغاية يلغي الزمن والمسافات
وقدرة الإنسان المحدود بعمره، وما تيسر له من استطاعة العمل والانتقال. لكنه يقدم هذا
كله بأسلوب حميم في حماسته واعتزازه، وبثقة من شهد ذلك الزمان السحيق، ورأى تفاصيله
واطمأن إلى حدوثه.
نكتفي بمثال واحد نقتبسه من
كتاب التيجان لنرقب حرية الخيال وانطلاق التصور، بالصفات التي ذكرنا. قال وهب:
«وكان قد تملك بيت المقدس وملك الشام نمرود بن كنعان بن ماريع بن
كنعان بن حام بن نوح.. وإنه زحف إلى بيت المقدس وقحطان بسمرقند، فلم يكن لبني عملاق
به طاقة، فأجابوه.. فهربت النوبة والفرار إلى المغرب، وكان القوط قبل ذلك باليمن، فتبعتهم
عاد إلى الشام، وهربوا من قحطان إلى المغرب
... ورحلوا عنهم القوط فنزلوا على النيل،
وأخذ قحطان نمرودًا أسيرًا فقتله وصلبه ببيت المقدس، وكان النمرود بن كنعان أول قتيل
صلب. ثم حج قحطان ورجع إلى اليمن، فعاش مدة طويلة، ثم مات بمأرب، وولى أمره ابنه يعرب
بن قحطان وكان ولي الملك من ولد قحطان لصلبه عشرة، إلا أنهم من تحت ملك أخيهم يعرب
بن قحطان»، ثم يعدد وهب أسماء العشرة، والممالك التي يحكمونها، وهي تقريبًا تشمل العالم
القديم بأسره ما بين مكة، وبابل، وحضرموت، والحبشة، وعمان وغيرها.. يتحدث وهب بن منبه
عن القوط والإفرنج ومن يسميهم السكس حديث العارف، عن هزائمهم، وانسحابهم، ويصل إلى
الهملايا والصين وروسيا.. وتتحرك شخصياته دائمًا من اليمن لتسجل أمجادها في أطراف الأرض
وتعود بعد ذلك إلى الوطن الأم، مصدر الأمجاد، وصانع الأبطال، بطريقة بديعة شاعرية،
لا نكاد نجدها في غير الملاحم العظيمة، كالإلياذة والأودسا.
إن كتاب التيجان لوهب بن منبه
يمكن أن يصحح فكرتنا عن حجم المعرفة بالعالم عند العرب في القرن الهجري الأول ولكن
الأهم من ذلك أنه يصحح لدينا رأيًّا شائعًا ليس سليمًا ولا دقيقًا عن ارتباط العقلية
العربية بالماديات، والتصاقها بالواقع، وعجزها عن بناء عمل خيالي مترامي المساحة واسع
النظرة إلى عالم المشاهدة وعالم الغيب أيضًا.. فهذا كتاب قديم ينحدر إلينا من القرن
الأول، ليصحح لنا فكرة سائدة عن منزلة الخيال عند العرب.. ويضيف إلى التاريخ الأسطوري
الذي بدأه هوميروس بالإلياذة، هذا الأثر العظيم، الذي يحق لنا به أن نأخذ مكانًا حرمناه
جهلًا، أو تجاهلًا، في عالم الأساطير، وعالم الشعر على سواء.