العنوان التربية الدينية في المدارس.. والقلق
الكاتب عبد الرحيم عبد الله عبد الكريم
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1975
مشاهدات 98
نشر في العدد 254
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 17-يونيو-1975
التربية الدينية في المدارس.. والقلق
يعاني كثير من طلاب المدارس في مراحل متعددة كالثانوية وحتى الجامعة أنواعًا متعددة من القلق، والارتباك، والانفعال، ويرد كثيرون ذلك إلى فترة المراهقة التي يمرون بها، والواقع أن المراهقة ليست أزمة ولا مشكلة، ولا مدعاة للقلق، أو سببًا للطيش، ولكن هنالك أزمة مراهق؛ أي أن هذا الاتهام شخصي يعود إلى التربية والنشأة لمراهق أو لشاب معين، وليس ثمة داع فيزيولوجي أو سيكولوجي في طبيعة المراهقة أو الشباب يدعو إلى التمرد، والقلق، والطيش.
ويرد آخرون السبب إلى ظروف المدنية الحديثة التي توقد الانفعالات
وتهيج الغرائز وتحبط الدوافع، ولكنني أعتقد أن هذا التبرير مبالغ فيه، لأن الذين يدعونه إنما يعايشون الجانب المظلم من الحياة دومًا وهم يجترون آلامهم الوهمية لأنهم لا يعيشون لقضية ولا ينتمون لمبدأ، أنهم رواد المقاهي ونتاج الأسر المحطمة. وقسم آخر يسيء إلى المدنية هو أولئك الذين استعبدتهم المادة والآلة والمطامع الشخصية فلا يستطيعون ارتواء أو امتلاء ولا يشعرون قط برضى أو شبع، إنهم أولئك الذين يفكرون بأمعائهم وجيوبهم، وطبيعي أن يعاني هؤلاء من القلق.
ويرى آخرون السبب في الجنس أو المال أو الحياة ذاتها، ولكن هؤلاء ينظرون بعين واحدة، لأنهم لا ينفذون إلى السبب الحقيقي للضيق النفسي والقلق والقنوط أو اليأس.. وهم ينظرون إلى ظاهرة وليس إلى حقيقة، ويقيمون من حوادث نسبية بمعايير مطلقة، التربية الدينية في ردهم إلى الحالة السوية
إن أهم أسباب القلق: هو «النرجسية والخوف». وهما الصفتان الملازمتان لكل سلوك لاديني ومن هنا نرى أهمية التوجيه القرآني: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) إنه دواء هاتين الظاهرتين المرضيتين اللتين تكونان دعامة القلق والضيق النفسي الحاد
١- النرجسية: Narcissism
وهي تعني إعجاب الإنسان المفرط بنفسه- وقد اقتبس هذا الاصطلاح من الميثولوجيا اليونانية عن Narcissus الذي عشق ذاته عن عندما رأى انعكاس وجهه على صفحة الماء.. ويصف علماء النفس التحليلي حالة التفكير الطفلي البدئي بـ «النرجسية البدائية» وهم يعنون بهذا الاصطلاح أن ذاتية الطفل لم تتحيز بعد جانبًا عقليًا منطقيًا من فكره. ولذلك فالطفل الصغير يعتبر آلية حية غير مفكرة unthinking organism يقدر على البكاء فقط عندما لا تلبي حاجاته، ويعتبر سلوك الكبير الأناني مرتدًا إلى هذه الأنانة الطفلية.
وأكثر ما يعاني المراهقون المنحرفون من عقد النرجسية بمعنى التمركز حول الذات ego centration ونجد أفراد هذا الطراز خاصة لدى بعض الأسر التي تدعي لنفسها مكانة أسمى من باقي البشر فهم يحذرون طفلهم من الاختلاط بالآخرين أو اتخاذ أصدقاء بدعوى أنهم أدنى منة مرتبة. فيكبر أنانيًا متعجرفًا عدوًا للتجمع antisocialونجده أيضًا لدى الأسر المهلهلة التي يعيش فيها كل فرد حريصًا على أشيائه الخاصة والتي تفتقد روح التعاون والألفة، فالأبوان يقتتلان دومًا والأطفال يتحاسدون ويتصارعون باستمرار.. ونجده أيضًا لدى الطفل الوحيد في أسرة تفرط في تدليله فيشب طفلًا غير ناضج، ولا سيما لدى أولئك الذين يعانون من زيادة التعلق بالأم.
ونستطيع أن نعد من مظاهر النرجسية لدى المراهقين: الإعجاب المفرط بالذات والميل إلى المشاكسة وسرعة التأثر والإفراط في ممارسة العادة السرية وأحيانًا الانطواء على الذات واحتقار الآخرين وحب الظهور ولا سيما لدى البنات اللواتي يسعين بصورة أو أخرى إلى جلب الإعجاب بهن، وقد يأتين بتصرفات خرقاء أو مضحكة فعلًا كمحاولة الصبيان التدليل على رجولتهم بالتدخين المبكر، ورفض النصح.
وكثيرًا ما تستمر هذه العقد المرضية وتنمو حتى سن متأخرة، فالفتاة النرجسية ستكون زوجة سيئة لأنها دائمًا تسعى إلى تدليل نفسها وإطراء مواهبها- والغواني يغرهن الثناء- وتتعلل بالأعراض المرضية الكاذبة لتكسب العطف من زوجها، إنها تصلح أن تكون دمية وعارضة أزياء، ولا تصلح لأن تكون امرأة مسؤولة. وكذلك الشاب النرجسي يكون زوجًا سيئًا لأنه يغدو أنانيًا صلفًا شهوانيًا «يحب الاستئثار الطفولي» ويميل إلى الاستحواذ ويشكو دائمًا من إهمال المجتمع لمواهبه الفذة وعدم الانتباه إلى مكانته الرفيعة، ولعلنا نجد في المتنبي مثلًا أعلى لجنون العظمة هذا في قوله:
«أي مكان أرتقي- أي عظيم أتقي وكل ما خلق الله وما لم يخلق.. محتقر في همتي»
إلى آخر هذا الهراء.
إن الحالة السوية للإنسان لا تعني إنكار الذات، ولكنها تعني السمو بالذات فوق الأنانة الضيقة والانفتاح على الآخرين وتهذيب النفس. ولا أجد في ذلك أبلغ من قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: 16)
والدين الإسلامي يغرس في اتباعه منذ الطفولة روح العمل الجماعي والمحبة والتعاون والألفة، ونجد أسمى علاقة إنسانية تتمثل في«الإخوة» ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) وبذلك يهتف في ضمير الإنسان: «لست وحيدًا». فأنت فرد في جماعة في معشر يمتد فوق قوس الزمن وجسر المكان: أنت فرد في فكرة كبيرة ترتبط بهم في الصلاة كل يوم أكثر من مرة عندما تقول: «السلام علينا وعلى عباد الله صالحين» (يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- إن هذه التحية سبب كل عبد لله صالح في السماء والأرض، وصلاة الجماعة انما هي رياضة روحية للخلق الإنساني ليمتد على مستوى أفقي يتصل بالآخرين.... هوة التناقض بين الأنانات المختلفة، يمد جسرًا لإقامة العلاقات الإنسانية الطيبة: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره، وكونوا عباد الله إخوانًا». ومن هنا تبدو لنا أهمية تعويد الأطفال على الصلاة منذ سن السابعة؛ لأننا بذلك نغمسهم في صميم حياة اجتماعية سليمة.
والمسلم بصلته بالله -تعالى- التي وجدها في الصلاة وبالشهادة يتخلص من الأنانة الضيقة؛ لأنه بصلته بالخالق -تعالى- يسمو إلى الكمال، ويستشرق الأفضل، ويتعلق بالأجمل، بذلك يتفهم مكانته في الكون وصلته، فيحب الطبيعة والناس والحياة، ويستعد لذلك بالطهارة والتقوى والإخلاص، ويمارس ذلك في التعاون البر والأمر بالمعروف، ويتعمق هذا الحب في نفسه بحب الله -تعالى- والاستغراق في ذكره وفي الصلاة الخاشعة: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ (سورة المعارج: 19-22)، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك﴾ (سورة الشرح: 1-3)
وإنني لا أجد أسمى من صلة الطالب والشباب عمومًا بالمسجد؛ حيث يستطيع تكوين صداقات حقيقية، ودراسة خلق الصلاة، يستطيع أن يبعد عن التحرف الشذوذي في العلاقات الاجتماعية أو الفهم الذاتي الممارسات الإنسانية: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران: ١٣٠)
٢ – الخوف:
والخوف أيضًا سبب وجيه للقلق والقنوط والانحراف، وله أشكال عدة، ليس هنا مجال ذكرها، ولكنني أرى أسوأها هو ما يكون لدى البعض كابوسًا مؤلمًا يتبدى في مثل الخوف من الموت أو من الخطيئة، أو من إنسان يعتقد أنه يعرف ما بنفسه أو ما إلى ذلك، ولتوضيح ذلك أضرب بعض الأمثلة، لقد اعترف لي طالب ثانوي أنه لا يجد دافعًا له للصلاة سوى خوفه من الموت، وهذه الفكرة تسيطر عليه خاصة عند المساء وتؤرقه؛ ولذلك يرجع فيقضي صلوات الليل والنهار معًا، وآخر اعترف لي بأنه لا يصلي لأنه حسب تعبيره مخطئ فيخاف أن يقف للصلاة بخطيئته، وأعرف شخصًا امتنع عن مداواة زوجته المريضة لأنه يخاف الطبيب الذي يذكره بالموت.
إن مخاوف هؤلاء ناتجة عن سوء التربية والفهم، فالدين يعلمنا أن الموت هو مصير كل حي وأنه أمر واقع كالولادة، وأنه ليس الفناء المطلق للإنسان، ولكنه نقلة إلى عالم آخر.
والذين يعانون من هذا الخوف أكثرهم من ضعيفي الإيمان بالله -تعالى- وباليوم الآخر، أو من الذين تلقوا معلومات صوفية خاطئة، أو من الذين يداومون على التلقي عن جهلة الوعاظ الذين يسيطرون على عقول السذج بأن يصوروا لهم الحياة خطيئة وعذابًا، وأن الموت غول كاسر فاتك يسحق عظامهم في أتون بارد، وما إلى ذلك من الصور التي نرى مخيلة المرضى بالفصام تزخر، ولا أريد أن أقول إن المؤمن لا يحسب للموت حسابًا، ولكنني أقول جازمًا إن المؤمن لا يهاب الموت ولا يخافه، فهذا بلال -رضي الله عنه- عندما حضرته الوفاة حزن أهله وبكوا وقالوا واحزناه، فقال (بل یا فرحتاه غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه)
ويعلمنا القرآن الكريم أننا بالموت لا نفني ولا نضيع: ﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ (سورة آل عمران: ١٨٥) ويعلمنا أن الشهيد في سبيل الله ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (سورة آل عمران: ١٦٩) وهذا نبي الرحمة يبين لنا منزلة الموت في سبيل الله -تعالى- فيقول: والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم اغزو فأقتل، ثم اغزو فأقتل، فمع هذا الإيمان لا يغدو الموت بالنسبة للمسلم سوى قدر ينقله إلى مرحلة أخرى، فهو يخشى أن يموت غير صالح؛ ولذلك يحرص على حياته أن يصونها من العبث عملًا بقوله -تعالى- ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران: ١٠٢) وهو في الوقت ذاته يحب الحياة، ويحافظ عليها؛ ولذلك لا ينتحر حتى ولا احتجاجًا سلبيًا كما يفعل البعض لأن الحياة هبة الخالق، فهو يحافظ عليها، وفي ميدانها يعمل بجد وإخلاص وشجاعة ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (سورة النساء: ٢٩).
وأما الخوف من الخطيئة فقد عالجه الإسلام بالتوبة، فلا حاجة بنا إلى من يكفر عنا ذنوبنا، وليس الرب بعيدًا، عنا ولا يحتاج إلى التماس أو واسطة، وأن أثر التوبة المحيي للقلب هو من أجل نعم الله علينا، أليس هو الغفور الرحيم التواب؟ وهو أيضا شديد العقاب، ولكن المؤمن يخشى عقاب الله، ويحذر مخالفته، فإن أخطأ -وكل بني آدم خطاء- فإنه يكفر بنفسه عن خطيئته، ويرجو الله أن يقبل توبته، ويغسل حوبته، المؤمن أقوى من الخطيئة، يدوسها بقدم الندم بإصرار التوبة بلسان الاستغفار، يعوض عنها بالحسنة، فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه. قال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة آل عمران: ١٣٥).
ولا أعتقد أن أولئك الذين يتعمدون ترك الصلاة والعبادة وإهمال الدين بسبب شعورهم بقلة الدين وبالخطيئة، لا أعتقد أن هؤلاء يفهمون الدين أبدًا، إن مثلهم مثلالمريض الذي يتأبى على الدواء بحجة أنه مريض مع أن الدواء لم يجعل إلا للشفاء.. كذلك فالصلاة جعلت لجلاء القلب وصقل الروح ومحو الخطايا.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45). وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات: - يبقي ذلك مَن درنه شيئًا؟ قالوا: لا يبقي ذلك من درنه شيئًا قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا».
ولذلك نرى أكثر أتباعهم ينقلبون انقلابات نفسية عنيفة في أنواع الشذوذ والانحراف والمخاوف والوسواس.
رأى عمر -رضي الله عنه- مرة شخصًا في المسجد يحني رقبته ويتجمع على نفسه فعلاه بدرته، وقال له: ليست التقوى في الرقبة- وقال له: - أمت علينا ديننا أماتك الله-.
وأنني أنصح في معالجة الخوف الوسواسي بالرجوع إلى وضوح الدين الإسلامي وروحانيته الشافية في مثل الصلاة والتوبة والاستغفار. وإن على من يعاني من ذلك أن يراجع من هو أعلم منه ليتزود بالمعرفة والعلم الصحيح، فالجهل جرثومة فتاكة تعمل في أجسام المرضى، وأما إبليس والخطايا فإنها لا تعمل في جسم الإيمان القوي: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (الحجر: 42)
وقد يمنع الخجل بعض الشباب من إبداء مشاكلهم، ولكن على هؤلاء أن يعلموا أن الخجل مرض ثان يزيد من حدة حالاتهم المرضية السيئة، وأن عليهم أن يفهموا أولًا وأخيرًا أن بيدهم أنفسهم تسوية شؤونهم وأمورهم وبالاستعانة بالله تعالى أولًا وبالعلم ثانيًا وبأهل الذكر- أي حاملي العلم - ثالثًا، ولا يجوز لهم أن يعتقدوا أن لأحد أن يباركهم بنظراته فيغفر لهم أو أن أحدًا من البشر يعلم ما في قلوبهم فيحذروه.. بل الله فاعبد.. وإليه فتهجد، وإياه فادع: - إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله- كتب طالب لي يقول إنه عزم على قتل نفسه أكثر من مرة لشعوره بالتمزق لأنه لا يستطيع التخلص من عاداته السيئة وأحلامه الجنسية التي يعتبرها رجسًا من عمل الشيطان، وكتب آخر يقول: إنه يشعر بعنف أنه يتمزق وأنه وحيد معذب وأن الله تعالى أراد تعذيبه بخلقه، وهو يتردد بين الإيمان والكفر- لا عن عقيدة، بل لقلق ووساوس تخنق قدرة التركيز لديه.
إن هذين الشابين لمثل على انحطاط التربية في مجالاتها المختلفة ولا سيما: الجنسية والنفسية والدينية. ولقد أعلمتهما أنهما ألزما أنفسهما رهقًا وأن هذا الدين يسر وأنه لا يقف في وجه الحياة ولا يكبت الدوافع، بل ينظمها ويهذبها. وإن على الإنسان أن يقوم بدوره في إصلاح نفسه وتثقيفها وإشباع رغباتها بشكل مشروع لا أن يقف موقفًا سلبيًا ينتظر من الهداية أن تأتيه ملفوفة بالسلوفان.
وكم أضيق بأولئك الذين يجعلون حياتهم نهبًا لكل رذيلة فإذا ازدادت نسبة الكولسترول في دمهم أو لم تنتظم دقات قلوبهم المتعبة أو أدركهم الموت ﴿قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (النساء: 18) أو سارع إلى الحج ليغسل ذنوبه كما يدعي، ثم يعود إلى سيرته الأولى.. ومثلهم أولئك الذين يدعون أن التدين لكبار السن فقط وأن الشباب رديف الطيش والمتعة من كل وجه.
أفلم يعلم أولئك أن المرء يشيب على.. ما شب عليه.
وألخص البحث. فأقول إن الإسلام أي الانقياد الطوعي لله تعالى هو دواء ناجع للوساوس والمخاوف وعقدة الإثم والشعور بالنقص وعلاج للأنانية الضيقة ولكل. أدواء النفس- وقنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن- وبالتربية الدينية الصادقة يتحقق للإنسان حياة سوية كما أراد الله لنا، بشرًا سويًا normal.
وهذا هو غاية الدين.
- استبيان ديني وملاحظات:
- قدمت لمجموعة طلاب الصف الأول الثانوي الأسئلة التالية: يجاب عليها بـ «نعم» أو «لا» وهي:
1- هل تعتقد أنك مسلم جيد؟
2- هل تذهب إلى المسجد يوم الجمعة فقط؟
3- هل تعتبر نفسك مقصرًا؟
4- هل تعتقد أنه لا بد من اتباع أحد الشيوخ دائمًا؟
5- هل تحب اتباع المبتدعات الحديثة - الموضات- وتتحمس لها؟
6- هل تسأل عن الأشياء التي لم تفهمها دينيًا؟
7- هل تعاني من بعض الشكوك؟
8- هل تحب أن تصبح يومًا ما رجلًا تقيًا؟
9- هل تخاف من معاصيك وتفكر بها كثيرًا؟
10- هل تعتقد أن الدين يتضارب مع الاستمتاع الطيب بالحياة؟
11- ما هو أفضل عمل قمت به في الأسبوع الفائت؟
أجري هذا الاستبيان في ثانوية عبد المنعم رياض بحلب
-وقد كانت نتائج هذا الاستبيان كالتالي:-
الشعبة الأولى | الشعبة الثانية | الشعبة الثالثة | الشعبة الرابعة | البواقي إجابات ملغاة
| |||||
| نعم | لا | نعم | لا | نعم | لا | نعم | لا | ||
| س1 | 7 | 31 | 14 | 22 | 21 | 16 | 14 | 29 | |
| س2 | 21 | 18 | 12 | 23 | 16 | 22 | 23 | 24 | |
| س3 | 39 | 1 | 32 | 2 | 29 | 8 | 44 | 5 | |
| س4 | 0 | 40 | 10 | 24 | 7 | 31 | 6 | 42 | |
| س5 | 7 | 27 | 7 | 25 | 14 | 19 | 12 | 33 | |
| س6 | 29 | 7 | 31 | 2 | 35 | 3 | 43 | 5 | |
| س7 | 15 | 26 | 23 | 13 | 20 | 17 | 25 | 21 | |
| س8 | 38 | 1 | 31 | 5 | 33 | 3 | 40 | 7 | |
| س9 | 36 | 3 | 35 | 1 | 35 | 3 | 46 | 0 | |
| س10 | 1 | 34 | 4 | 33 | 5 | 30 | 6 | 41 | |
ويكون المجموع كالتالي:
| س1 | س2 | س3 | س4 | س5 | س6 | س7 | س8 | س9 | س10 | |
| نعم | 56 | 72 | 144 | 23 | 40 | 138 | 83 | 142 | 152 | 16 |
| لا | 118 | 87 | 16 | 137 | 104 | 17 | 77 | 16 | 7 | 138 |
ونلاحظ من ذلك ما يلي:
1- ارتفاع نسبة الذين لم يستطيعوا الإقرار بأنهم «جيدون».
2- ارتفاع نسبة الذين لا يذهبون للمساجد سوى أيام الجمعة.
3- ارتفاع نسبة الذين يعترفون بتقصيرهم.
4- انخفاض نسبة الذين يعتقدون بلزوم اتباع أحدهم دائمًا.
5- انخفاض نسبة المتعصبين للمبتدعات الحديثة.
6- انخفاض نسبة الذين لا يسألون عما يهمهم دينيًا.
7- ارتفاع نسبة الذين يعترفون بمساورة بعض الشكوك لهم.
8- ارتفاع نسبة الذين يخافون المعصية ويفكرون فيها كثيرًا.
9- ارتفاع نسبة الذين يحبون أن يصبحوا من أهل التقوى يومًا ما.
10- انخفاض نسبة الذين يعتقدون أن الدين ينافي الاستمتاع الطيب بالحياة.
وألخص الملاحظة على هذه النتائج بما يلي:
1- النتائج جيدة ومشجعة عامة لا سيما بالنسبة للسؤال الرابع والسادس والتاسع والعاشر. وهي تدل على وعي ديني جيد.
2- إن ارتفاع النسبة في السؤالين الأول والثالث مع مدلولها في السؤال الثاني يدل على قصور في تربيتهم الدينية لتتخذ بعدًا امتداديًا في النفس وإن كانت بذور هذا الامتداد موجودة وصالحة وقوية بمدلول النسبة ذاتها في السؤال الأول والثالث من حيث إن تصور المشكلة هو نصف حلها وكذلك شعور هؤلاء المعترضين بتقصيرهم هو طموح للكمال وذلك بمدلول ارتفاع النسبة في السؤال الثامن والتاسع.
وما على هؤلاء سوى أن يخطوا الخطوة التالية في التقدم نحو «الجيد». و «التردد إلى المسجد في غير يوم الجمعة». وعدم الاكتفاء بالاعتراف بالتقصير أو الرغبة في التقوى، بل اتخاذ الخطوات العملية لذلك. وهي متيسرة.
3- إن ارتفاع النسبة في السؤال السابع يعبر عن نوع من القلق، فأنصح بقراءة هذا البحث، والتزود من المعرفة الدينية والسعي لإزالة الأوهام العالقة علمًا بأن اليقين لا يزول بالشك كما يقرر الفقهاء، وأنه ليس كل ما يخطر في بال الإنسان من تساؤلات يكون شكًا- كما يصور ذلك الوعاظ الجهلة- بل أقول جازمًا إنه لو أفصح هؤلاء المعترفون عن شكوكهم لعلمنا أنها كلها من نوع التساؤلات التي يجيب عنها المدرس في اليوم المدرسي كثيرًا.
4- أنصح بأن تكون مناهج التربية الدينية أكثر قربًا إلى مشاكل الطالب وواقعه وبيان واجباته، لما لها من الأثر الكبير في بناء سلوكه وشخصيته. كما أنصح إخواننا الطلبة أن يكونوا أكثر انتماء وعلمًا بواقعهم وواجباتهم وأن يبنوا شخصيتهم وسلوكهم بالاستبصار الحقيقي وبالمعرفة الدينية الراسخة، ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ﴾ (الأنعام: 125).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل