العنوان عدة الداعي: «الإيمان العميق» الجزء الثاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
مشاهدات 175
نشر في العدد 370
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
أخي القارئ من كتاب أصول الدعوة لعبد الكريم زيدان نواصل معك هذا البحث الجميل جدًا، في عدة الداعي في دعوته إلى الله، راجين من الله ينفعنا بما علمنا، إنه على كل شيء قدير.
حقيقة الإيمان العميق.
نريد بالإيمان العميق، أن الداعي المسلم تيقن بأن الإسلام الذي هداه الله إليه، وأمره بالدعوة إليه حق خالص؛ لأنه هدى الله، وما عداه باطل وضلال قطعًا، قال تعالي ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ﴾ (البقرة: 120) ﴿فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ﴾ (يونس: 32) وإن هذا اليقين بأحقية الإسلام صار عند الداعي المسلم كالبدهية، وكالواحد زائد واحد يساوي اثنين، ومن ثم لا تقبل هذه البدهية أي نقاش أو جدال أو شك أو مراجعة أو إعادة نظر، وتيقن أن أي تحول عن هذا اليقين، وميل إلى غيره يعني اتباع الأهواء الباطلة التي فيها الضلال وضياع الإيمان، قال تعالى ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ (الأنعام: 56) إن هذا الإيمان العميق بأحقية الإسلام قائم على علم قطعي، وبينة راسخة لا شك فيها، وإن كذب بها المبطلون الضالون الذين لا يبصرون الحق المنزل من عند الله، لا لخفائه ولكن لعمى أبصارهم، وموت قلوبهم فلا يتصور ميل الداعي المسلم إلى باطلهم، ولا يتصور منه الشك في دعوته، كما لا يتصور ارتياب البصير في بصره، إذا وجد نفسه بين العميان قال تعالى ﴿قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ﴾ (الأنعام: 57) وإن هذه البينة التي أقام عليها الداعي المسلم إيمانه العميق مستمدة من ذات الإسلام وطبيعته، لا من شيء خارج عنه، ولهذا فإن إيمانه العميق ينبض في كيانه، ويسري فيه مسرى الدم، ولا يمكن أن يتأثر أو يضعف أو يزول لأي سبب خارجي، مهما كان نوع وطبيعة هذا السبب الخارجي، فهو ليس من الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِين﴾ فهذا شأن المنافق أو ضعيف الإيمان المرتاب، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم «هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن إصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر».
فإيمان الداعي العميق ثابت لا يتزعزع، مهما صادفته محنة أو شدة، ومهما كانت حالة من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومنعة، حتى لو بقي وحده في الأرض، وهكذا كان إيمان صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع أحوالهم، يوم كانوا في مكة محاصرين يعذبهم الكفرة، ويوم هاجروا فارين بدينهم إلى الحبشة، ويوم هاجروا إلى المدينة، ويوم انتصروا في بدر، وانكسروا في أحد، وحوصروا في الخندق، إنهم في جميع تلك الأحوال التي تقلبوا فيها لم يتزعزع إيمانهم، ولم يتسرب إلى قلوبهم ذرة من الشك في كونهم على الحق، وموصولين بالحق، ويدعون إلى الحق، وإن الكفرة في ضلال مبين، قال تعالى﴿لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَاهُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ﴾(الرعد: 14) ولا يضعف إيمان الداعي انصراف الناس عنه، وعدم إجابتهم له، فقد لبث نوح -عليه السلام- كما أخبرنا الله ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14) ولم يؤمن له إلا القليل، كما لا يدل انصراف الناس عنه أنه مقصر في دعوته، ما دام قد أفرغ جهده، فالتقصير يعرف -إن وجد- من قلة ما يقدمه الداعي للدعوة لا من عدم إجابة المدعو.
ثمرات هذا الإيمان ولوازمه.
إن لهذا الإيمان العميق لوازم وثمرات لابد منها، ويستحيل تخلفها، وإذا ما تخلفت أو ضعفت كان ذلك دليلًا قاطعًا على عدم وجود هذا النوع من الإيمان، أو دليلًا على ضحالته وضعفه، فما هي هذه الثمرات واللوازم؟ الواقع أنها كثيرة، وهي مذكورة في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- في باب صفات المؤمنين، فما على المسلم إلا أن يتلو تلك الآيات والأحاديث الشريفة، ويقف عند كل صفة وردت فيها، ويتمعن في معناها، ويتأمل في مدلولها، ثم يرجع إلى نفسه ويتفحصها، ويسبر مقدار ما فيها من معاني تلك الصفة، فإن وجدها فيه فليحمد الله تعالى، وإن لم يجدها أو وجدها هزيلة فليتدارك إيمانه، ويعيد النظر فيه ويقويه ويعمقه ويتعاهده ويغذيه بالغذاء الإيماني الخاص، فإنه سيثمر إن شاء الله تعالى الثمر المطلوب، وتصبغ نفسه بصبغة أهل الإيمان العميق، ويكفينا هنا أن نذكر بعض هذه الثمار الطيبة للإيمان العميق، وبعض لوازمه لأهميتها، ونترك غيرها لمقام آخر إذا يسر الله تعالى ذلك.
أولًا: المحبة
محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده من ثمرات الإيمان المنوه به في القرآن، قال تعالى﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَلَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54) وهي من ثمرات الإيمان العميق قطعًا، بل هي روح الإيمان ولبه؛ لأن الإيمان يقوم على المعرفة اليقينية بالرب جل جلاله، كما قلنا، ومن عرف ربه أحبه، كما قال الحسن، وكلما قويت المعرفة ازداد عمق الإيمان، وازدادت محبة العبد لربه، وقوة المعرفة إنما تكون بالفكر الصافي في صفات الرب، وعظمته ونعمائه التي أعظمها هدايته للداعي المسلم إلى الإيمان به ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ (الأعراف: 43) وحب المسلم لربه تعالى يمتد إلى ما يحبه المحبوب جل جلاله، ولهذا يحب المسلم نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه حبيب الله ورسوله إلى الناس ومبلغهم الإسلام، وكذلك يحب المسلم القرآن وتعاليم الإسلام؛ لأنها رسالة الله، ويحب المؤمنين؛ لأنهم عباد الله المطيعين الذين يقومون بعبادة مولاهم، وحب المسلم لله وما تعلق به يترك أثرًا طيبًا حلوًا في نفس المسلم، يحس بحلاوته وطيبه، قال صلى الله عليه وسلم «ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله». فحب العبد لربه يستلزم هذه الأمور قطعًا، ولا يمكن أن تتخلف عنه، وقد يكون من المفيد أن أتبسط ولو قليلًا في لوازم محبة المسلم لربه جل جلاله، وأجمل هذه اللوازم في فقرات، زيادة في إيضاحها وإظهارها لعظيم أهميتها فأقول:
لوازم محبة العبد لربه
قال تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54) وقال تعالى ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞرَّحِيمٞ﴾ (آل عمران: 31) فلوازم محبة المسلم لربه في ضوء هاتين الآيتين الكريمتين هي:
أولًا: أذلة على المؤمنين، فالمسلم رقيق رحيم شفيق على أخيه المسلم، والداعي وهو يدعو أخاه المسلم إلى ما يرضي الله، يستشعر هذه الشفقة والرحمة، التي تصل إلى صورة الذلة المشروعة، وسنتكلم عن هذه فيما بعد وهذه مثل قوله تعالى في صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ﴿رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ (الفتح: 29)
ثانيا: أعزة على الكافرين، وهذا مثل قوله ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّار﴾ (الفتح: 29) لا يهين ولا يستكين ولا يشعر بصغار أمامهم، ولا في غيبتهم، لا في ظاهره ولا في باطنه، فهو قوي عليهم بقدر ما هو لين على المؤمنين.
ثالثًا: يجاهدون في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يعني جهاد النفس الدائم حتى تستقيم وتستمر على طاعة الله، وجهاد العدو حتى يخنس وينكف ضرره، وجهاد الدعوة إلى الله حتى يتم التبليغ والتبيين، ويتيسر للناس سبل الهداية، وهذا الجهاد المبذول من الداعي المسلم في دعوته إلى الله تعالى يظهر ويتميز بالانشغال التام في أمور الدعوة والافتقار بها، وتقليب وجوه الرأي في وسائلها، والحرص على نجاحها، وإيثارها على الولد والمال والنفس والراحة وحطام الدنيا كلها، قال تعالى﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾(التوبة: 24)
رابعًا: لا يخافون لومة لائم، أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله والدعوة إليه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عن ذلك صاد، ولا يمنعهم منه لوم اللائمين، ولا عذل العاذلين.
خامسًا: متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هديه في جميع أحواله، بالإضافة إلى طاعة أمره، والابتعاد عما نهى ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ (الحشر: 7) فهو قدوة الداعي إلى الله، يقتدى به في سيرته في دعوته إلى الله خطوة خطوة ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ (الأحزاب: 21) وأنفع شيء للداعي المسلم أن يتفقه في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيرته في الدعوة إلى الله، منذ أن بعثه الله إلى أن اختاره إلى جواره الكريم، ووجه هذا النفع للداعي أن سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام هي ترجمة عملية للمنهج الرباني، للدعوة إليه الذي جاءت به آيات الله في قرآنه، وما من حالة قط يمر بها الداعي إلى الله إلا يجد مثيلها أو شبيهًا لها أو قريبًا منها في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وكيف تصرف إزاءها سيد الدعاة إلى الله؟ إن التفقه في السيرة النبوية إذا انضم إلى التفقه في القرآن، لا سيما فيما يخص الدعوة إلى الله، يجعل الداعي على نور من ربه، وفرقان مبين يبين له الصواب في الأمور المشتبهة والدقيقة، والذي يعين على متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- استحضار شخصه الكريم في فكر الداعي ومصاحبته مصاحبة روحية وجدانية، وتخيل مواقفه المختلفة، واستحضار صفاته الكريمة، وعظيم شفقته على الأمة، فإن هذا ونحوه سيزيد من محبة المسلم لرسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وكلما ازدادت محبته له ازداد تعلقه به ومتابعته له.
ومن لوازم محبة الداعي المسلم لربه المستفادة من القرآن والسنة وطبيعة المحبة أمور أخرى منها:
أ- الولع بذكره تعالى في كل حين، فلا يفتر عنه لسان الداعي، ولا يخلو منه قلبه، فمن أحب شيئا أكثر بالضرورة من ذكره، وذكر ما يتعلق به، ومن هنا كان من علامات المحبين الإكثار من تلاوة كتابه جل جلاله، فهو ربيع قلوبهم وأنيسهم في وحدتهم، والنور الذي ينير صدورهم، وكذلك ذكر الله في كل حين وفي كل مناسبة، ولهذا يستحب للداعي المسلم أن يأخذ نفسه بأوراد الذكر التي وردت بها السنة النبوية، يتلوها بعد صلاة الصبح، وعند النوم، الخروج والدخول والأكل والشرب واللباس والسفر والإقامة وفي الأسحار.
ب- يأنس بمناجاة الله بالخلوة، فهو لا يستوحش منها ولا يضيق بها، بل يهتبلها فرصة لهذه المناجاة.
جـ - يتنعم بطاعته ولا يستثقلها، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه، وينشط لها، ولهذا كانت الصلاة قرة عين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وراحة لنفسه الكريمة من تعب الدنيا، قال الجنيد رحمه الله: «علامة المحب دوام النشاط في طاعة الله».
د- لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله -عز وجل-، ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله، وعن القيام بخدمته وطاعته.
هـ - يؤثر ما يحبه الله على ما يحبه هو في ظاهره وباطنه، فإن المحب الصادق يؤثر دائمًا ما يحبه محبوبه، ولا يبالي بالمشاق والأتعاب في هذا الإيثار.
ز- يحب لقاء الله؛ لأن المحب يحب لقاء الحبيب، وبالتالي فهو لا يكره الموت إذا جاء؛ لأنه مفتاح اللقاء وطريق الوصول إلى الله.
ح- الغيرة لله، وعلامتها الغضب إذا انتهكت محارم الله، وهكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب لربه إذا انتهكت محارمه، ومع هذه الغيرة حزن يصيب المسلم إذا رأى مخالفة المسلمين لشرع الله، روى أن أحد الصحابة -وأظنه أبا الدرداء- دخل إلى بيته يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: دخلت المسجد، فرأيت الناس لا يقيمون صلاتهم على النحو الذي شاهدته في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثانيًا- الخوف
- ومن ثمرات الإيمان العميق ولوازمه الخوف من الله، فإن رأس الحكمة مخافة الله، ومن عرف الله خافه، ومن خاف الله لم يخف أحدًا من الناس وخافه الناس، وبيان ذلك أن حقيقة الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع المؤلم في المستقبل، وسبب هذا الخوف العام بالمفضي إلى وقوع هذا المؤلم في المستقبل، فالخوف من الله علم المسلم بما يفضي إلى عقابه، وهو عصيانه وعدم القيام بحقه -تبارك وتعالى-، ويزداد هذا الخوف كلما فقه المسلم عظم الجناية في مخالفة الرب -تبارك وتعالى-، وأنه جل جلاله لو أهلك العالمين لم يمنعه من ذلك مانع، وأعظم ما يقوي جانب الخوف في العبد تدبر آيات الوعيد في القرآن، فإنها حق وصدق، لا مبالغة فيها ولا تخييل، وإن العباد مجزيون على أعمالهم حتى الذرة من الخير أو الشر يعملونها، فإذا حصل عنده هذا الإيمان العميق بأثر الذنوب ودقة الحساب، وتفرد الله بالحكم يوم الحساب، ومجهولية الخاتمة، انبعث في القلب الخشية من الرب جل جلاله، وابتعد المسلم عن مفضيات المكروه المؤلم، ثم لا تلبث هذه الخشية وحرقة الخوف أن تفيض من القلب على البدن، فلا يرى المؤمن إلا وجلًا كالمصاب الحزن، لا يمزح ولا يهزل ولا يضحك إلا تبسمًا، فإن الحزين الخائف المشدوه لا يجد فرصة الهزل، وإن وجدها لا يستطيعه ولا يقدر عليه، وللخوف أثره القطعي، فإن من خاف من شيء هرب منه، وابتعد عنه، وأخذ الوقاية منه، ولهذا يفر من الأسد الهائج والنار المحرقة، والذنوب والمعاصي عقارب وحيات ومؤذيات ومحرقات، لا بد أن يفر منها كل خائف من الله ولا بد أن يغلبها بالطاعات.
إن الداعي المسلم إذا ما استشعر خوف الله، انكف وانزجر عن المخالفات، واندفع إلى ما يقي نفسه من المؤذيات في الآخرة، وعلى رأس الوقاية تقوى الله، وفي مقدمة تقوى الله الجهاد في سبيل الله، ومنه الدعوة إليه، وازداد بخشيته من ربه هدى ورحمة قال تعالى: ﴿هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾(الأعراف: 154) فالهدى والرحمة للخائف لا للآمن.
ثالثًا- الرجاء
ومن ثمرات الإيمان العميق الرجاء، وعدم القنوط من رحمة الله، ذلك أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بما وعدهم به في كتابه المجيد، ومنعهم من القنوط، والشأن في صاحب الإيمان العميق أن يؤمن بهذا الوعد الصادق من الرب القادر الرحيم، فيحمله هذا الرجاء على تحقيق أسبابه، وأسبابه هي طاعة الرب، ومنها الدعوة إليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل