العنوان خواطر في التربية الإسلامية: التربية والمرأة
الكاتب محمد حسن بريغش
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
مشاهدات 69
نشر في العدد 781
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 02-سبتمبر-1986
القسم الأول
•
النظر إلى الرجل والمرأة بمنظار واحد ووضعهما من حيث الخصائص والاستعدادات
في موضع واحد خطأ يؤدي إلى مثل تلك النتائج.
•
التربية الغربية تقوم على إلغاء الفوارق الفطرية بين الرجل والمرأة.
•
مشكلات الشباب التي تضطرم في وسط المجتمع ثمرة من ثمار المناهج الغربية.
•
آن الأوان كي نعيد النظر في المناهج التربوية عامة فنقيمها من الأساس
على العقيدة.
من سمات هذا العصر أنه عصر التخصص الدقيق، والبحث المستفيض في الجزئيات
الصغيرة، ولذا استطاعت دول كثيرة أن تجني ثمار التخصص المبكر لدى أبنائها، لاسيما إذا
كان توجيه الناشئين إلى الاختصاص المناسب قائمًا على أسس موضوعية وواقعية، بحيث يتلاءم
الاختيار أو التوجيه مع مواهب الناشئ، وإمكاناته الحقيقية، حتى يصبح الاستغراق في الاختصاص
ضربًا من الهوية المحببة، أو المغامرة الناجحة المشوقة.
هذا التوجيه أمر محمود يصل بالمتعلم إلى المكانة الصحيحة التي ينبغي
أن يصل إليها- إذا كانت بقية العوامل المؤثرة سليمة وإيجابية- ويحتل المتخصص بعدها
الموقع الملائم فيتحمل المسؤولية بجدارة، ويؤدي الأمانة بشغف واقتدار.
والمرأة- مثل الرجل- لها ميزاتها الخاصة، وخصائصها المميزة التي
تؤهلها لأمور تناسب هذه المميزات والخصائص.
وهي- مثلها مثل الرجل- تخضع من أجل النمو الصحيح للفرد والمجتمع
والتقدم المنشود للأمة، تخضع للأسس الموضوعية والواقعية التي توجهها للاختصاص الملائم،
والذي يؤهلها للقيام بمسؤوليتها بجدارة واقتدار.
والأمر الغريب الذي يدعو للحيرة أن هذه القاعدة طبقت على الأفراد
(ذكورًا وإناثًا) لتوجيه كل واحد إلى الاختصاص الملائم، وكان التمييز بين الفرد والآخر
على أساس أن لكل إنسان (فرد) مميزاته التي تصبغه بالهوية الخاصة به دون الناس جميعًا.
وإذا كان هناك صفات مشتركة بين الذكور جميعًا، فإن هناك صفات خاصة
لكل فرد، وخصائص مميزة تفرده عن غيره، وتسمه بسمة تكون صفة وعلامة فارقة لهذا الفرد
أو لذاك.
وعلى هذا الأساس فإن هناك سمات مشتركة بين النساء، وهذه السمات تميزها
عن الرجال بشكل واضح، وتفردها عن بني البشر بصفات تخص المرأة دون الرجل.
ولم يعد هناك حاجة لتكرار الصفات الجسدية (الفطرية) والنفسية والعقلية،
والوظيفية التي تتميز بها المرأة عن الرجل، لأنها شائعة ومعروفة، وحقائق لم تعد تقبل
الظنون أو الإيهام([1]).
ومع هذا فإن الأخذ بهذه الحقيقة، وتطبيق القاعدة العامة في توجيه
الناشئين (ذكورًا وإناثًا) إلى الاختصاصات المناسبة لمواهبهم وإمكاناتهم الحقيقية،
إن الأخذ بذلك ظل محصورًا في عالم الذكور، مع تجاهل الفوارق بين المرأة والرجل، والنظر
إلى المرأة من خلال الأطر المطبقة على الرجل، وكان من نتيجة ذلك فوضى اجتماعية ونفسية
وإهدار للطاقات، ووضع للأمور في غير مكانها.
وإذا عدنا إلى واقع التربية والتعليم في العالم العربي كله، نجد
أن المناهج المقررة لا تميز بين الرجل والمرأة، فمنذ البداية: من مرحلة رياض الأطفال
والتمهيدي وإلى أعلى مستويات الاختصاص يتلقى المتعلم معلومات واحدة، وبأسلوب واحد.
ولم يجد كثير من الناس غرابة في الأمر، ولكن الحقيقة أن هذا الذي
يطبق قائم على عقيدة غربية مادية علمانية، والتي تتلخص بالنظر إلى الحياة من الوجه
المادي لها فقط، بل الاختصار على هذا الوجه وإلغاء بقية الوجوه، وكذلك الفصل بين حياة
الإنسان على الأرض وحياته في الآخرة، بل ونكران الآخرة عمليًّا، وإن كانوا يقولون بذلك
نظريًّا، لأن بناء التربية قائم على هذين الأمرين دون النظر إلى جوانب الحياة الأخرى،
وإلى عاقبة الإنسان في الآخرة.
إضافة إلى هذين الأمرين، قامت التربية الغربية على إلغاء الفوارق
الفطرية بين الرجل والمرأة، والتقريب بين الجنسين لغايات قريبة وبعيدة، منها محاربة
الدين وإبعاده عن حياة البشر؛ ليتمكن أباطرة العالم الماديون وحكماء صهيون من التحكم
بمصائر الشعوب وتحقيق غاياتهم الخبيثة، ولا يتسنى لهم ذلك إلا بإطلاق الجنس وإثارة
الشهوات، وإزالة الحواجز بين الرجل والمرأة لتعم الفوضى وتنشأ الظروف المواتية لهم
لامتلاك ناصية التوجيه والقيادة في عالم تضيع فيه القيم، وتتحكم فيه الشهوات، وتكبله
الحاجات المادية الصرفة.
وفي عالم الواقع يبدأ الطفل: الذكر والأنثى في تلقي العلوم ذاتها،
ومفردات المواد بشكل متطابق.
فإذا بهذه المرحلة- التربوية- التعليمية- التي يخضع الناشئ لها لمدة
تزيد عن العشرين عامًا تثمر أوضاعًا غريبة، ومشكلات عديدة.. المرأة تشعر عبر هذه الرحلة
أنها كالرجل، تعلمت كما تعلم، وقرأت كل المفردات الموزعة على المواد المختلفة وأدت
بها الامتحان، واستظهرتها وتفوقت فيها على الرجل، لأنها أكثر قدرة على الاستذكار لظروفها
التي منحتها فرصًا أوسع من فرص الرجل.. فلماذا لا تكون مثل الرجل؟
لماذا لا تتأهل لقيادة الأجهزة واحتلال المناصب التي يحتلها الرجل؟
لماذا لا تبحث بنفسها عن الزوج وتجرب مرات ومرات كما يفعل الرجل؟ لماذا لا تكون بيدها
مقدرات الأسرة، فتأمر، وتنهى، وتمارس شتى النشاطات في المجتمع، وتستمتع بهواياتها المختلفة،
وتكون الصداقات والصلات المناسبة، والتي تتلاءم مع طبيعتها ومستواها وطموحاتها؟
لماذا.. ولماذا.. ولماذا...؟
أسئلة تبدو طبيعية بعد أن غرست مناهج التربية في نفسها أنها مثل
الرجل وقد تكون أفضل منه.
وهنا تبرز المشكلات المختلفة: النفسية على مستوى الفرد، والأسرية
والاجتماعية والسياسية.
ويركب الموجة- بل يقطف الثمار- العلمانيون؛ فيطالبون بحقوق المرأة
ومساواتها ومشاركتها في شتى المجالات، وإعطائها حق ... إلى درجة تقييد الرجل ومنعه
من حق الزواج من أخرى، أو حق الطلاق، أو...
وتعيش المرأة في تعاسة، ويعيش الرجل في تعاسة، ويعيش المجتمع كله
في شقاء، مبعثه الخروج عن فطرة الحياة السوية.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: كيف ينبغي أن يكون تعليم المرأة؟
وهذا ما ينبغي أن يهتم به الباحثون والمربون لعلاج المشكلات التي نتجت عن التربية الغربية،
والتي تجاهلت التميز، والخصوصية التي يتمتع بها الرجل، وتتمتع بها المرأة.
إن النظر إلى الرجل والمرأة بمنظار واحد، ووضعهما- من حيث الخصائص
والاستعدادات- في موضع واحد خطأ يؤدي إلى مثل تلك النتائج، ولذلك لابد من وضع المرأة
في شطر لا يقل عن شطر الرجل، وهو ولا شك يبلغ نصف الحياة أو يزيد عن ذلك، ولهذا الشطر
خصائصه، ومهامه، واختصاصاته، ومسؤولياته، وما لم تقم به المرأة يؤدي إلى انهيار الشطر
كله، أو ضعفه، أو تسرب الخلل إلى بعض أجزائه.
ولا نستطيع تحقيق هذا الهدف إلا من خلال التربية المتأنية، التربية
التي تقوم على حقائق الفطرة، وحقائق الحياة، وحقائق هذا الدين. وإذا أردنا أن نطبق
ذلك في واقع التعليم، لا بد من بناء المناهج منذ البداية في شعبتين متوازيتين، أولاهما
تخص عالم الرجال، وثانيهما تخص عالم النساء، وكل من الشعبتين تحتويان أمورًا أساسية
ومشتركة مثل: قضايا العقيدة، والتصور للحياة، وللعلائق بين المخلوقات وللأهداف العامة
للتربية.
وفي كل شعبة قضايا أساسية تميزها عن أختها، وتعطيها سمتها الخاصة
بها.
فهناك موضوعات تخص المرأة وهناك موضوعات تخص الرجل؛ ولذلك توزع هذه
الموضوعات في الشعبة التي تناسبها، وتغطى بالأسلوب الذي يناسب طبيعة كل شعبة.
وهناك موضوعات مشتركة يمكن أن تكون في كلا الشعبتين، ولكن مفردات
هذه الموضوعات تتطابق أو تتوازى أو تختلف، وفقًا لحاجة كلا الطرفين لها، ولتلائمها
مع خصائصه الأساسية.
ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:
في المواد الدينية: كل القضايا الخاصة بالعقيدة، وحقائق التصور الإسلامي
يشترك فيها كل من المرأة والرجل، لأنها من الأمور الأساسية.
في اللغة العربية: كل القضايا الخاصة بالقراءة والكتابة وقواعد النحو
والإملاء من الأمور المشتركة بين الرجل والمرأة.
في التاريخ: لابد من إعطاء قدر مشترك عن التاريخ الإسلامي ولاسيما
سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة نخبة من صحبه، وتاريخ الدعوة في مراحلها المختلفة،
مع لمحة عن تطور الحكم منذ البعثة وإلى مطالع العصر الحديث.
في الجغرافيا: هناك قدر مشترك ولاسيما عن جغرافية الوطن العربي والإسلامي
عامة، وأهم صفاته ومميزاته، مع لمحة واضحة عن جغرافية البلد الذي ينتمي إليه الدارس
أو الدارسة.
أما في بقية الأمور فلابد من مراعاة الميزات الخاصة للرجل والمرأة،
ولنضرب على ذلك أمثلة:
في المواد الدينية: الفقه مثلًا: لابد من دراسة كل ما له علاقة بعبادات
المسلم والتي يتعين عليه فهمها وتعلمها مهما كان اختصاصه، وطبيعته، ولكن عرض المباحث
الفقهية للرجل تختلف في تفصيلاتها عن المباحث الخاصة بالمرأة.
هناك جزئيات تحتاج إلى تفصيل وتدقيق عند الرجل، وهناك جزئيات تحتاج
إلى تفصيل وتدقيق عند المرأة.
وما يخص الرجل أكثر يكتفي إجماله واختصاره عند المرأة، وكذلك العكس.
في الحديث الشريف: مع وجود قدر مشترك بين ما يعطى للرجل والمرأة،
فإنه لابد من اختيار الأحاديث الشريفة التي تخص الرجل، أو لها علاقة بسلوكه وبمسؤولياته
في الحياة، وتعطى في مدارس الذكور.
وكذلك لابد من اختيار عدد من الأحاديث الشريفة التي تخص المرأة،
أو لها علاقة بسلوكها، ومسؤوليتها في الحياة، ولاسيما ما يتعلق منها بقضايا المرأة
والطفولة والتربية والنظافة والوقاية، وغير ذلك من الأمور التي تساهم في تربية المرأة
وإعدادها وتخصصها.. وهكذا بالنسبة للقرآن الكريم، لاسيما ما يتعلق منه بالدراسة.
أما العلوم التطبيقية، فإن القدر المشترك بين الرجل والمرأة يتعلق
بالأشياء عامة، ولكن جزئيات المادة تحتاج إلى تقسيم موضوعي يؤدي إلى تقوية التخصص،
ويتخلص من الموضوعات التي لا تفيد الدارس بشكل مباشر، وتستهلك جزءًا كبيرًا من طاقته.
ولنأخذ أمثلة على ذلك:
في الكيمياء: هناك أمور مشتركة عن وصف المادة- أي مادة- وعن خصائص
بعض المواد، وعن فائدتها، وعلاقاتها مع بعض، ولكن الأمر يختلف في اختيار المواد التي
نجد فائدة في دراسة الرجل لها، أو المرأة.. هذه المواد، أو النواتج الكيميائية، وتطبيقاتها
تختلف من شعبة لأخرى، ويركز على المواد والنواتج التي تفيد عمليًّا في وظيفة المرأة
وعملها ومسؤوليتها في الحياة، فتدرسها مفصلة، وتدرس طرق الإفادة منها، وحفظها، والتفاعلات
الخاصة بها، واستعمالاتها وكثير منها له علاقة بالمأكولات والتموين، والصيانة العامة،
وبعض المصنوعات...إلخ. وكذلك الفيزياء والأحياء وغيرها من العلوم.
وبصورة عامة فإن هذا الجانب من التربية([2]) والمتعلق
بالناحية التعليمية يحتاج إلى دراسة موضوعية، تقوم على حقائق ثابتة، وليس أوهامًا علمية،
ونظرات فلسفية، تنبعث من عقائد وضعية فاسدة أثبتت التجربة والواقع فشلها وفسادها، مع
اليقين بأن كل عقيدة سوى عقيدة التوحيد، وكل دين عدا دين الإسلام باطل وفاشل، ولقد
آن لنا أن نعيد النظر في المناهج التربوية عامة، فنقيمها من الأساس على العقيدة، وعلى
هدى شريعة الله التي جعلت التربية أول وأهم وسائلها للوصول إلى الإنسان المسلم الحقيقي.
لقد آن لنا أن نتحرر حقًّا من أسار الشعور بالنقص أمام الغربيين
فنرفض نظراتهم للنفس الإنسانية، لأنها قائمة على تخيلات خاطئة، ومنبعثة من اعتبار الإنسان
مادة، وحياته حياة مادية، منفصلة عن كل ما حولها، لا علاقة لها بالخالق، ولا علاقة
لها بالحياة، إلا من قبيل التناقض والتنافر والصراع.
إن كثيرًا من المشكلات التي يعاني منها الشباب، أو التي تضطرم في
وسط المجتمع نتيجة طبيعية لغرس التربية المادية وثمرة من ثمار المناهج الغربية، فلا
عجب أن نرى المنحرفين والشاذين، والشاردين عن منهج الله.
وإن قوة البناء تكمن في أساسه القوي المتين، الذي يعد لكي يحمل البناء
الشامخ مهما علا وتفرع وامتد، وهذه أمانة.
بشرى لقراء المجتمع
_____________
([1])
هناك كتب كثيرة عن المرأة تبين خصائصها المميزة من الناحية الجسدية
«العضوية» والنفسية.
([2]) لأن الأمور التعليمية جانب من جوانب العملية التربوية والتي تشتمل على أمور كثيرة، يشترك في الوصول إليها الإعلام والمدارس، والبيت، وبيئة المجتمع… إلخ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل