; التزكية الإيمانية.. ودورها في تحقيق النجاح والسعادة | مجلة المجتمع

العنوان التزكية الإيمانية.. ودورها في تحقيق النجاح والسعادة

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2004

مشاهدات 47

نشر في العدد 1625

نشر في الصفحة 52

السبت 30-أكتوبر-2004

النجاح في الحياة وبالتالي السعادة مطلب الناس جميعًا: مؤمنهم وكافرهم صالحهم وطالحهم، غير أن مفهوم النجاح وبالتالي السعادة يختلف باختلاف تصور الناس للوجود ومكانتهم ودورهم في هذا الوجود.

فمن الناس من يتصور الكون على أنه مادة وليس هناك إله ولا آخرة وما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. 

وهؤلاء يعرفون بالدهريين وقد تحدث عنهم القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ( الجاثية: 24).

والنجاح المؤدي إلى السعادة في نظر هذا الصنف من الناس، بلوغ القمة وتحقيق كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين بكل سبل وبأية وسيلة، وعلى أي حال، وشعار هؤلاء حقق لذتك في هذه الحياة بكل ما تستطيع قبل أن تفوت في منك. ومن الناس من يتصور الوجود على أنه عالم مادي وعالم غيبي، وأنه خَلْقُ الله، ولكن الله قد اتخذ شركاء من خلقه جعلهم أبناء له يشاركون في تدبير الأمر، وتصريفه، ويشفعون فيمن يرضون عنه، وما على العبد الذي ارتكب خطأ إلا أن يقدم لهؤلاء الشركاء القرابين، وحينئذ يشفعون عند الله و بالتجاوز عن الأخطاء وعدم العقاب عليها.

قال تعالى: ﴿وَقَالتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ﴾

(التوبة: 30)

وقال: ﴿ ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ﴾( التوبة: 31) وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ﴾ (الزمر: 3).

والنجاح المؤدي إلى السعادة في نظر هذا الصنف من الناس بلوغ القـمـة في هذه الحــيــاة الدنيا والاستمتاع بكل ما تشتهيه الأنفس، وتلت الأعين، ولو على حساب الآخرين، وكل خطأ يغفره الشركاء بعد أن يحصلوا على ما يشاؤون من القرابين، ومن الناس - وهم المسلمون  من يتصور  الوجود دنيا وآخرة، وأن الدنيا دار اختبار وابتلاء على الناس أن يغرسوا فيها، ويزرعوا وفق شرع الله الحنيف ليقطفوا الثمرة ويحصدوها غدًا يوم يردون إلى عالم الغيب والشهادة.

والنجاح في نظر هؤلاء، وبالتالي السعادة أن يبلغوا القمة في الدنيا وأن يظفروا بكل ما يريدون وما يشتهون بما لا يتعارض مع مبادئ الشرع الحنيف. 

وإذا ما ردوا إلى الله جزاهم على ذلك جنة وحريرًا، ومتعهم بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (النحل: 97). إن هذا الصنف من الناس يمكنه أن ينجح ويسعد في الدنيا والآخرة بمراعاة هذه الضوابط: 

1. أن تكون الدنيا من حلال قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ﴾ (البقرة: 168) وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ﴾ ( البقرة: 172).

2.  وأن يأخذها المرء بعزة نفس لا بذل وهوان عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى - لا ينال ما عنده إلا بطاعته», (الحديث أورده الألباني في صحيح الجامع الصغير، وزيادته  1/420-421 رقم ٢٠٨٥ ، من حديث أبي أمامة مرفوعًا بهذا اللفظ).

3. وأن يتصرف فيها بتوسط فلا شح ولا تقتير، ولا إسراف ولا تبذير 

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ (الفرقان: 67).

4. وأن يؤدي حق الله فيها:

وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ (البقرة: 267)

قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ﴾

( الأنعام: 141).

5. وأن تكون هذه الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا ، بحيث إذا طلبت في سبيل الله، سهل التنازل عنها، طمعًا في رضي الله - عز وجل - قال تعال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾, (لقمان: 23) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ﴾ (طه: 131).

سعادة المسلمين إذن، ونجاحهم ورفعتهم بـأن تشمل الدنيا والآخرة جميعًا. 

ولا شك أن هناك وسائل كثيرة توصل للنجاح والسعادة لدى غير المسلمين, أما المسلمون فيوقنون أن نجاحهم ورفعتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة إنما تنبع من الإيمان بالله وما يتصل به من الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره شريطة أن يكون  هذا الإيمان قويًا، بحيث تتحطم فوق صخرته كل ألوان المحن والابتلاءات.

هذا، وأضرع إلى الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يدخلنا به في عباده الصالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1700

50

السبت 06-مايو-2006

إلا رسول الله ﷺ

نشر في العدد 301

40

الثلاثاء 25-مايو-1976

من شذرات القلم (العدد 301)

نشر في العدد 285

76

الأربعاء 04-فبراير-1976

العبادة في الإسلام