; التسلح النووي الإسرائيلي.. بين أسلوب «التخويف» والنظرة الموضوعية | مجلة المجتمع

العنوان التسلح النووي الإسرائيلي.. بين أسلوب «التخويف» والنظرة الموضوعية

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الأحد 29-ديسمبر-1991

مشاهدات 83

نشر في 982

نشر في الصفحة 24

الأحد 29-ديسمبر-1991

إن قضية النصر والعجز عن النصر لا ترتبط بالسلاح ونوعيته فحسب

اعتدنا منذ سنوات على سماع نبأ بين الفينة والفنية عن حجم الطاقة النووية العسكرية الإسرائيلية، وإذا به ينتشر في وسائل الإعلام العربية خاصة انتشار الدوائر على سطح ماء راكد ألقى فيه بحجر.. وسط امتناع الجهات الرسمية الإسرائيلية عن قول شيء قاطع بهذا الصدد.. مما ينسجم مع ما صرح به شمعون بيريس ذات مرة بأن الأفضل أن يبقى العرب على مخاوفهم دون إعطائهم معلومات ثابتة. وآخر مثال على تلك ما تردد أن عددًا للرؤوس المتفجرة النووية الإسرائيلية بلغ ۳۰۰ لا ۱۰۰ فقط وأن السلاح النووي الإسرائيلي قد استنفر مرتين إحداهما أثناء حرب ۷۳م والأخرى أثناء حرب الخليج الثانية.

جوانب الموضوع:

ولهذا الموضوع جانبان جانب التخويف والجانب الموضوعي، أما جانب التخويف فيدخل في إطار عملية التيئيس الجماعي من أي سبيل لتحرير الأرض واستعادة كامل الحقوق اعتمادًا على القوة العسكرية، فنظرًا إلى استحالة إقناع الفرد المسلم بأن الحق باطل وأن الباطل حق لا يبقى لضمان السكوت الجماهيري إزاء الاستغناء عن الحقوق الأصيلة سوى مدخل الإيهام باستحالة استعادتها، ولا ينفع في ذلك سوى إبراز عنصر الطاقة النووية العسكرية، ذلك أن التفوق فيما عدا ذلك ثابت في جانب الطرف العربي منذ النكبة الأولى إلى اليوم وهذا مما أثبته آخر تقرير صدر عن معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن والذي يؤخذ منه تقدير حجم التفوق العربي بالأسلحة التقليدية بما يعادل ٤- ١ في الدبابات، و۲- ۱ في المدرعات، و٤٠٥- ١ في الطائرات، و۲- ۱ في المروحيات، و١٥- ١ في منصات الصواريخ، و۷۰۵- ۱ في الوحدات البحرية، و٤-١ في عدد الجنود النظاميين فضلًا عن التفوق البشري وفي عدد الكفاءات العلمية ومستواها وفي العمق السوقي الجغرافي وفي الثروات الاقتصادية فلا يمكن إذا إقناعنا بعجزنا إلا من خلال محاولة إبطال مفعول ذلك كله عن طريق إبراز أن العدو الصهيوني يملك السلاح النووي ولا نملكه، وإذا ظهرت بوادر لذلك فسرعان ما يقضي عليها بمختلف السبل.

والجواب في ميدان التخويف هو أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وأن جندنا لهم الغالبون بمعنى ترسيخ هذه المنطلقات وأمثالها في مناهج التربية والتوجيه، فهذا عند صدق النية وحسن الأسلوب ما يزيل عامل الخوف ويسقط حجة من يعتمدون عليه.

أما الجانب الموضوعي فقد كان موضع البحث والدراسة في وقت مبكر ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:

-        فصل: الذرة في إسرائيل من كتيب أخطار التقدم العلمي في إسرائيل ليوسف مروة، صدر عام ٦٧ م في بيروت وكان مؤلفه رئيس المختبر النووي والبيوكيميائي في الجزائر فترة من الزمن.

-        فصل السلاح الذري في إسرائيل من كتاب العسكرية الإسرائيلية للواء الركن محمود شيت خطاب صدر عام ٦٨م في بيروت وكان مؤلفه مستشارًا عسكريًا بجامعة الدول العربية.

-        كتاب السلاح النووي والصراع العربي الإسرائيلي للدكتور سلمان رشید سلمان صدر عام ٧٨م في بيروت.

والأمثلة كثيرة فقد طرح الموضوع طرحًا جادًا في فترة مبكرة نسبيًا ولكن لم يصل إلى درجة طرحه سياسيًا وعسكريًا بصورة منسقة وجادة على مستوى القيادات والزعامات والحكومات المسؤولة في بلادنا العربية والإسلامية.. وهذا ما يمثل أحد التحديات الرئيسة الموجهة إلى المسؤولين عن اتخاذ القرار في الدرجة الأولى وهل يكون نتيجة قوة أو عجز.

أمثلة من الواقع:

لكن الأهم من ذلك من الناحية الموضوعية في الظروف الراهنة استيعاب حقيقة أن قضية النصر والعجز عن النصر لا ترتبط بالسلاح ونوعيته فحسب، ونأخذ على ذلك مثالين من زاوية الدراسة الفكرية الاختصاصية، ومن زاوية السياسة الواقعية تأكيدًا على ضرورة عدم بناء القرارات المصيرية المستقبلية على حكاية التوازن العسكري وحده!!

المثال الأول:

نجد على المستوى الاختصاصي أن أيجال الون الرجل العسكري الإسرائيلي المتخصص يذكر في كتابه إنشاء وتكوين الجيش الإسرائيلي مثال ما يذكره أمين النفوري الرجل العسكري السوري المتخصص في كتابه توازن القوى بين العرب وإسرائيل، وكلاهما صادر عقب حرب ٦٧م فيؤكدان على تعدد عوامل النصر النهائي لحسم أي نزاع طويل الأمد بين فريقين خصمين وهي في نظر الاختصاصيين:

-        الطاقة البشرية: من الناحية الكمية ومن الناحية النوعية.

-        الطاقة السوقية: من ناحية الموقع والأرض ومن ناحية التسلح.

-        الطاقة الاقتصادية: من ناحية المستويات العلمية.. والثروات المتوفرة.

-        الظروف المناسبة: محليًا ودوليًا من حيث حسن استغلالها.

وتوجب النظرة الموضوعية أن نؤكد أننا نملك قطعًا التفوق في هذا كله على المدى المتوسط والبعيد ما عدا استغلال الظروف المناسبة على حسب المعطيات الراهنة، فهذا بالذات ما كان ولا يزال ضحية الفرقة والنزاعات وسوء الإدارة والتوجيه محليًا وضحية التبعيات والضياع دوليًا.

والجواب على ذلك هو ما نردده بألسنتنا وأقلامنا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (الرعد: ١١).

 ولكن نحتاج والكلام لكل مخلص إلى فهم هذا المعنى الفهم المشروط بتقديم الصيغة الحضارية الإسلامية الشاملة للمسلمين والعالم والعصر من خلال طرح ميداني متفاعل مع المشكلات متطور مع المعطيات، ومتوازن في مختلف المجالات وبحيث يفرض نفسه عبر قيمته الذاتية ونتائجه المرئية في الحياة اليومية والعامة للناس.

المثال الثاني:

أما المثال الثاني لبيان أن النصر والعجز عن النصر أوسع نطاقًا من مسألة توازن التسلح فنأخذه من السياسة الواقعية ولا نعود به إلى فيتنام والدولة النووية الأمريكية الكبرى أو أفغانستان والدولة النووية السوفيتية الكبرى بل نقف عند بعض ما شهدناه في الفترة الأخيرة.. لنقارن بين قضيتنا مع الكيان الغاصب بفلسطين وبين قضية دول البلطيق التي لم تملك ولا تملك ثروة بشرية ولا اقتصادية ولا عسكرية ولا جغرافية، لم تملك واقعيًا سوى بقاء الهدف الأصيل هدف التحرير الكامل من احتلال دولة عظمى شردت ووطنت وغيرت وبدلت وكانت تملك من أسلحة الدمار الفتاكة والقوة المادية ما يبدو الكيان الإسرائيلي أمامه هزيلًا باهتًا.. وتحررت دول البلطيق وأصبحت جزءًا من واقعنا العالمي المعاصر وأصبح الاتحاد السوفيتي أثرًا بعد عين وقد اعتمد تحرير البلطيق على الاستفادة من الظروف.. ولكن بعد بقاء هدف التحرير رغم الاحتلال الطويل والبطش الواسع النطاق.. وهذا ما يجعلنا نكرر التأكيد على أن في مقدمة ما نحتاج إليه في المرحلة الراهنة هو الحفاظ على أصالة الهدف البعيد الراسخ على قاعدة الشرعية بمختلف وجوهها، ثم أن نرتفع بأنفسنا إلى مستوى الاستفادة من سائر الظروف المحلية والدولية حولنا استفادة هادفة لا يبدو أننا سنحققها إلا بتحقيق النقلة التي نحتاج إليها في صيغتنا الحضارية الإسلامية من ساحة الفكر إلى ساحة الفكر والعطاء معًا، ومن ميدان المبادئ إلى ميدان المبادئ والتعامل مع المشكلات، ومن أساليب الدعوة والتوجيه إلى أساليب الدعوة والتوجيه والبناء معًا بالتفاعل الحي مع واقع المسلمين وواقع العالم والعصر المتوازن بعيدًا عن التشنجات وردود الأفعال والراسخ على التصورات الإسلامية المؤثر بقيمته الذاتية فيما حوله ليتجاوز العقبات الخارجية الكأداء، ويسهم حقيقة في صناعة الأحداث والتطورات.

وهذا ما نرى فيه على صعيد قضية فلسطين وسواها محور التحدي الأكبر والمهمة المعاصرة الرئيسة الملقاة على عاتق كل مخلص للأمة والبلاد، ولا سيما من جعل رسالة الإسلام قضية وجوده في دنياه وأمل نجاته وفوزه في آخرته.

 

الرابط المختصر :