; قصة «حزب الله» التركي. | مجلة المجتمع

العنوان قصة «حزب الله» التركي.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000

مشاهدات 79

نشر في العدد 1386

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 01-فبراير-2000

اسم «حزب الله» أطلقه الآخرون على تلك الجماعة الكردية مقابل «حزب الشيطان» الذي كان يمثله حزب العمال الكردستاني 

يعيش الشعب التركي في ذهول منذ الإعلان عن العمليات التي تقول الحكومة التركية إن الجماعة التي أطلق عليها اسم حزب الله، قد قامت بها، وتشمل قتل عدد من المدنيين، وكم سعدت الأوساط المعادية للدين في تركيا بهذه الأحداث إذ اهتبلتها فرصة للهجوم على المسلمين وعلى الإسلام ودمغهما بالإرهاب وبالوحشية، كيف لا... والمسؤول عن ذلك حزب يسمى «حزب الله» حسبما أعلنت الجهات الرسمية.

والظاهر أنه ما من شيء جميل ومقدس في هذه الدنيا إلا ويمكن استغلاله استغلالًا سيئًا من قبل بعض المنحرفين.

فمَن تلك الجماعة المسماة بـ «حزب الله»؟

 تشكلت هذه الجماعة في الثمانينيات في جنوب شرقي تركيا عندما كان حزب العمال الكردستاني يقوم بعملياته العسكرية، فكان تشكيل هذه الجماعة رد فعل لهذه العمليات. وقد تشكلت في البداية تحت عنوان إسلامي لمقاومة هذا العنف القائم على أسس قومية وماركسية في الوقت نفسه. ولم تتشكل في البداية كجماعة عنف، بل كجماعة تقف ضد دعاوى حزب العمال ورغبته الانفصالية، ولما كانت هذه الجماعة كردية فقد خشي حزب العمال الكردستاني من منافستها له بين الجماهير الكردية ولا سيما أن العاطفة الدينية قوية لديها فبدأ بالتعرض لها واغتيال زعمائها وانقسمت هذه الجماعة إلى قسمين: قسم رأى البدء بالحركات المسلحة، وقسم آخر وقف ضد هذه الفكرة، وساعدت الاغتيالات التي قام بها حزب العمال على رجحان كفة المناصرين للعمليات المسلحة، وقالوا إن الإرهاب لا يداوى بالطرق السلمية بل بطرق مضادة مماثلة فسلكت طريق الهجوم المسلح على أنصار حزب العمال الكردستاني وقتلهم.

 وقد عانى رؤساء ذلك القسم الذي لم يرض بسلوك طريق العنف الشيء الكثير، وتعرض بعضهم للاغتيال حتى اضطروا إلى الهجرة وانمحى أثرهم.

استمرت عمليات الاغتيالات وأعمال التفجير والصدامات المسلحة بين أنصار حزب العمال وبين هذه الجماعة التي كانت تطلق على حزب العمال الكردستاني اسم «حزب الشيطان»؛ لذا تم إطلاق اسم «حزب الله» على هذه الجماعة لا من قبلها بل من قبل الآخرين ولا علاقة لهذه الجماعة الكردية السنية بحزب الله الشيعي في لبنان. 

بعد القبض على عبد الله أوجلان وانهيار حزب العمال الكردستاني، أو ضعفه بشكل كبير ومحسوس وهجرة معظمهم من تركيا إلى الخارج، نقل «حزب الله» نشاطه إلى المدن الكبيرة، كانت الجماعة قد تبدلت وأصبحت لعبة بيد قوى داخلية وخارجية، وتورطت في أعمال تهريب المخدرات وتجارة الأسلحة وجمع المال عن طريق التهديد والابتزاز.

وفي الأسابيع الأخيرة قامت هذه الجماعة باختطاف العديد من رجال الأعمال - وأكثرهم من المعروفين باتجاهاتهم الإسلامية- فقامت قوى الأمن ببعض المداهمات وحاصرت في إحداها بيتًا وردت المعلومات بأنه مسكن لرؤساء هذه الجماعة، وبدأت المصادمات بين قوى الأمن وبين المحصورين في البيت الذين كانوا ثلاثة أشخاص أحدهم حسين ولي أوغلو - رئيس الجماعة وجمال توتال - مسؤول الجناح العسكري، وأديب كوموش - مسؤول منطقة مرمرة-، وكانت نتيجة المصادمة مقتل رئيس الجماعة وأسر الشخصين الآخرين.

ولكن هذه الحوادث لم تمر دون إثارة شكوك وأسئلة عديدة في وسائل الإعلام التركية؛ فقد تساءل العديد من الصحفيين والكتاب والإعلاميين: أين كانت الحكومة طوال هذه السنوات الماضية؟ وكيف استطاعت في ظرف أسبوع واحد كشف جميع أوكار هذه الجماعة وقبضت على المسؤولين فيها بينما لم تحرك ساكنًا ضدها طوال أكثر من عشر سنوات؟ والسؤال الأهم هل قامت الحكومة وأجهزة الاستخبارات فيها بتغذية هذه الجماعة ومساعدتها فعلاً في السنوات الماضية؟

هذه الأسئلة التي ترد حاليًا في وسائل الاعلام بل بين كواليس السياسة والأحزاب مستندة إلى الشكوك القوية حول قيام الحكومة بتغذية هذه الجماعة لكونها كانت تقاتل حزب العمال الكردستاني قتالًا عنيفًا وتكبده خسائر فادحة وتقتل زعماءه؛ لذا قامت الحكومة بغض الطرف عن معسكراتها التدريبية وعن نشاطاتها المسلحة لكونها تقاتل عدوها اللدود، ثم تطور الأمر إلى قيام الحكومة بتغذيتها، بل ربما إلى تدريب أفرادها.

 ولم يبق أمر هذه الجماعة محصورًا داخل تركيا، بل دخلت أطراف خارجية في اللعبة؛ إذ يقال إن إيران ساعدتها لخوفها من الحركة القومية الكردية التي كان يمثلها حزب العمال، وقيل إنها فتحت بعض معسكرات التدريب لهذه الجماعة على أراضيها، وأن رئيس الجماعة حسين ولي أوغلو قام بزيارة إيران سرًّا عدة مرات.

وعندما قامت هذه الجماعة قبل ثلاث سنوات باغتيال الملياردير اليهودي التركي نسيم مالكي -وهو شخصية مهمة بالنسبة لإسرائيل- دخل الموساد في اللعبة، وكان هذا من أسباب الإشارة إلى أن الموساد ساعد قوى الأمن التركية في القبض على أفراد هذه الجماعة بالمعلومات التي زودهم بها -علمًا بأن المسؤولين الحكوميين نفوا ذلك، وقالوا إن القبض على أفراد هذه الجماعة نجاح لقوى الأمن التركية فقط والظاهر أن هذا صحيح لأن قوى الأمن كانت تملك جميع الملفات العائدة للجماعة. 

هناك عدة سيناريوهات في هذا الموضوع: يشير أحد هذه السيناريوهات إلى أن الحكومة التركية شكلت في عام ١٩٩٥م لجنة في البرلمان للتحقيق في الجرائم والاغتيالات الغامضة العديدة التي وقعت في جنوب شرقي الأناضول. وبعد قيام هذه اللجنة بجهود مكثفة وزيارات للمنطقة قدمت تقريرًا مفصلًا حول الموضوع، وأشارت في هذا التقرير إلى خطر جماعة «حزب الله» وأنها بدأت بالتوسع والانتشار بسرعة كبيرة بين الجماهير الكردية، كما قدمت الحلول التي تراها مناسبة في هذا الأمر ولكن هذا التقرير لم يأت إلى الهيئة العامة لمجلس الأمة، ولم تجر حوله المناقشات، وبعد كل هذه السنوات وبعد حدوث المئات من حوادث الاختطاف والقتل بدأت الحكومة وبشكل فجائي بتصفية هذه الجماعة، ووجهت ضربة قاصمة لها في جميع المدن التركية وذلك في وقت قصير جدًّا؛ فهل الأمر محاولة جديدة لتشويه سمعة الإسلام والحركات الإسلامية المعتدلة في وقت يتعرض فيه حزب الفضيلة للمحاكمة؟

 سيناريو آخر يرى أن الموضوع يتعلق بمن يمثل الجماهير الكردية؛ إذ إنه بعد إلقاء القبض على أوجلان واعترافاته في المحكمة بأنه نادم وأنه سيسعى لصالح تركيا أضعف حزب العمال الذي كان يدّعي أنه هو الممثل الوحيد للجماهير الكردية مما مهد الطريق لمنظمة حزب الله بعد أن بقيت وحدها في الميدان، وهنا لم تقف الحكومة مكتوفة الأيدي ولم تسمح لها بالتوسع فقامت بتصفيتها وإظهار مدى وحشيتها، أي بعد أن رأى الشعب الكردي وحشية حزب العمال أرادت الحكومة إظهار وحشية هذه الجماعة أيضًا، أو نستطيع القول إن الحكومة التركية ساعدت هذه الجماعة عندما كانت في حاجة إليها، ولكنها لم تعد في حاجة إليها الآن بعد انهيار حزب العمال؛ لذا قامت بضربها وتصفيتها، فقد أدت دورها وانتهى هذا الدور ولم تعد في حاجة إليها؟

 هذا إذا نظرنا إلى الموضوع من المنظور الداخلي، أي كشأن داخلي لتركيا، ولكن للموضوع بعد خارجي أيضًا، فهناك الآن متغيرات سريعة تحدث في المسرح الدولي ولا سيما في أوروبا وخطواتها المتلاحقة في سبيل الاتحاد الأوروبي، ولعل من أبرز هذه المتغيرات التقارب التركي - اليوناني ونسيان سنوات طويلة من العداء السياسي بينهما، لقد صرح وزير خارجية اليونان في زيارته الأخيرة لتركيا بأنه كان من الخطأ القيام في السابق بتأييد حزب العمال؛ لأن تأييد مثل هذا الحزب القومي- الماركسي الداعي للانفصال ولّد رد فعل عكسيًّا لدى الشعب التركي فقوى تيار القومية التركية، وكان أبرز دليل على هذا وصول الحزب القومي التركي إلى الحكم بعد نجاحه الكبير في الانتخابات الأخيرة، وأضاف وزير خارجية اليونان أنه لا توجد دولة في الاتحاد الأوروبي ترى مصلحة في دخول تركيا للاتحاد الأوروبي وهي تحمل شحنة قوية من المشاعر القومية، أي أن المدد الخارجي لمثل هذه الحركات سوف ينقطع تمامًا، ولن تجد أي تأييد سياسي خارجي بعد الآن، ولا يشمل هذا الحركات الموجودة في تركيا فحسب بل جميع الحركات الانفصالية في أوروبا.

الرابط المختصر :