; التعري والتكشف بضاعة إبليسية «1من 2» | مجلة المجتمع

العنوان التعري والتكشف بضاعة إبليسية «1من 2»

الكاتب زهير الخالد

تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001

مشاهدات 62

نشر في العدد 1455

نشر في الصفحة 56

السبت 16-يونيو-2001

أول كيد سعى إليه الشيطان مع أدم وحواء كان لتعريتهما من الثياب وكشف سوأتيهما

الوسائل دائمًا هي الكذب والخداع.. التظاهر بالنصح وإرادة الخير.. استغلال النسيان وحب الخلود

إشاعة العري هدف إبليسي مقصود لما له من أثر عميق في نشر الفتنة والفساد في الأرض

البيئات البعيدة عن شرع الله أكثر المجتمعات تكشفًا وعريا والعكس صحيح

 (*) أستاذ السيرة النبوية كلية التربية بالمدينة المنورة

فرع جامعة الملك عبد العزيز بجدة

التكشف والتعري هدف مقصود لإبليس منذ بدء الحياة البشرية، وما زال هدفًا مقصودًا له ولذريته وأعوانه من شياطين الإنس والجن إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وأسلوبهم في ذلك هو الخداع والتضليل، والإغواء والإغراء بالشعارات الغوغائية.

 منذ أن طرد الله تعالى إبليس من الجنة، بسبب تكبره وعصيانه، حقد الخبيث على أبوينا آدم وحواء -عليهما السلام- وسعى لإخراجهما من الجنة، معتمدًا على نقط الضعف التي تشكل منافذ له إلى نفس الإنسان، كحب الملك والخلد والنسيان، ومعتمدًا الكذب والأيمان الكاذبة والتظاهر بالنصح وإرادة الخير، وهو العدو اللدود الحاقد.

وأول كيد سعى إليه الخبيث مع أبوينا، كان لتعريتهما من ثيابهما، وكشف سوأتيهما، لأن ذلك كان هدفًا مقصودًا له، ولثقل ذلك وشدته عليهما، وعلى أصحاب الفطر السليمة من ذريتهما.

 قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف: 20)

وما زالت تعرية بني آدم من ثيابهم، وكشف سوأتهم، هدفًا مقصودًا له ولذريته وأعوانه من شياطين الإنس والجن للأسباب نفسها، ولكون التكشف والتعري بابًا من أوسع أبواب الفتنة.

 وهذا ما نبهنا إليه ربنا سبحانه وحذرنا منه فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27)

تحت ألف اسم وشعار

ومن هنا نجد هذا السعي المحموم، اليوم، وقبل اليوم من شياطين الإنس والجن وأبواقهم الإباحية يقودهم رأسهم وطاغوتهم الأكبر إبليس لدفع الناس، لا سيما النساء إلى التكشف والتعري تحت ألف اسم واسم، وألف شعار وشعار مسخرين لذلك كل ما يقع في أيديهم أو يصلون إليه من وسائل الإعلام والتوجيه المرئية والمسموعة والمقروءة ووسائل الدعاية حتى في الأمور التي لا علاقة لها بالتكشف والتعري، وحتى في لعب الأطفال.. وكذلك الثياب، لا سيما ثياب المرأة وتفصيلاتها التي يتفنن فيها ما يسمى به دور الأزياء التي تتفنن في إبراز مفاتن المرأة، بتقصير ثيابها إلى ما فوق الركبة تارة فيما سموه ميني جب وميكروجب أو بحسرها عن الذراعين والكتفين وإظهار الظهر أو الصدر تارة أخرى أو بثياب رقيقة تشف عما تحتها أو تلتصق بالجسم، فتجسد ما تحتها وتصفه كما هو، وكأنها لا ثياب عليها، تارة ثالثة. إلى آخر ما تفتقت عنه أذهان شياطين دور الأزياء من أساليب الإبراز المفاتن المرأة، وما يروجه الإباحيون من تلك التفصيلات بحيث كلما كانت الثياب أقل حشمة، وأكثر إبرازًا لمفاتن المرأة وأكثر إغراء لقيت دعاية أوسع، وترويجًا أكثر.

ومن هنا نجد أن أكثر البيئات تكشفًا وتعريًا البيئات البعيدة عن شرع الله -عز وجل-، وهيمنته من التي استحوذ عليها شياطين الإنس والجن وسيطروا فيها على وسائل إعلامها وتوجيهها المختلفة، ولهم فيها الكلمة الأولى أو المسموعة النافذة، وكذلك البيئات الأكثر بدائية وتخلفًا من التي لم تعرف الحضارة، ولم تعرف الثياب، كما أن أكثر البيئات حشمة وتسترًا هي البيئات التي تهيمن عليها شريعة الله -عز وجل-، وقيم الإسلام وأحكامه الشرعية وأخلاقه ومثله العليا، والتي تضعف فيها شوكة شياطين الإنس والجن وتنخفض فيها أصواتهم ويمنعون فيها من الفساد والإفساد، ويبعدون فيها عن وسائل الإعلام والتوجيه.

أما أسلوبهم في الدعوة إلى التكشف فهو الأسلوب الذي سلكه أستاذهم إبليس من قبلهم مع أبوينا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام-، وهو الكذب والمغالطات والإغواء والإغراء بالتكشف.

منافذ الشيطان

لم يسلك إبليس مع أبوينا -عليهما الصلاة والسلام- لتجريدهما من ثيابهما الأسلوب المباشر في التجريد وهو النزع بالقوة، ولو لجأ إليه لما استطاع إليه سبيلًا، وإنما لجأ إلى الكذب والخداع والتظاهر بالنصح وإرادة الخير، منتهزًا نقط الضعف في فطرة أبوينا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- وذريتهما من بعدهما، وهي حب الملك الدائم والخلد في النعيم، وكذلك النسيان، وهي منافذ للشيطان ينفذ منها إلى نفس الإنسان، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد نفذ منها الخبيث إلى نفس أبينا آدم -عليه الصلاة والسلام- فجاءه بصورة الناصح الذي يريد له الخير، فقال:﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ (طه: 120)

فأبدى أبونا آدم -عليه الصلاة والسلام- موافقته لما فطر عليه من حب الملك الدائم والخلد في النعيم، لكن الخبيث دله على الشجرة التي كان الله تعالى نهى أبوينا أدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- عن الأكل منها.

 قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البقرة: 35)

فامتنعا عن موافقة إبليس ولم يطاوعاه في الأكل منها، فسعى الخبيث جهده حق يدفعهما للأكل منها، واستخدم كل أساليب الغش والكذب والإثارة فقال لهما ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ (الأعراف: 20) لكنه لم يفلح في إقناعهما ودفعهما للأكل من تلك الشجرة.

قال بعض العلماء لما رأى الخبيث إبليس اللعين اقتناع أبوينا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- بمطاوعته في الأكل من الشجرة، لجأ إلى أسلوب آخر في الخداع والمغالطة، فقال: يا آدم إن الله تعالى نهاك عن أن تأكل من شجرة واحدة بعينها، وليس من نوعها كله. لذا لا عليك أن تأكل من شجرة أخرى من نوع تلك الشجرة التي نهاك ربك عنها، دون أن تقرب تلك الشجرة التي نهاك عنها، وبذلك تكون قد حصلت على الملك والخلد في الجنة. ولا تكون قد عصيت ربك.

وجعل إبليس -عليه لعنة الله تعالى- يقسم لهما بالله تعالى، ويكثر من الأيمان، والحلف بالله -عز وجل- أنه ناصح لهما، وأنه يريد بهما ولهما الخير، وأنه، وأنه.

قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) وهو الكذوب الخؤون الذي يريد من وراء دفعهما للأكل من تلك الشجرة، أو من نوعها أن يوقعهما في معصية الله -عز وجل- وأن يعريهما من ثيابهما، وأن يخرجهما من الجنة

نسيان آدم

لكن آدم -عليه الصلاة والسلام- لم يكن يتوقع أن أحدًا من الخلق يجرؤ على الحلف بالله تعالى كاذبًا، وكما قيل: ظني بغيري كظني بنفسي.

 وقد ورد في الحديث الشريف «المؤمن غر كريم والفاجر حب لئيم»، والحب الخداع، فالمؤمن يظن غيره كريمًا صادقًا لا يخدع الناس، خلافًا للفاجر الذي ينظر إلى الناس من خلال نفسه، وما هي عليه من الكذب والخداع، فيظن غيره كذلك خداعًا، قال الشاعر:

إن الكريم إذا تشاء خدمته

وترى اللئيم مجربًا لا يخدع

لقد نسي أبوانا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- بما فطرا عليه من النسيان عداوة إبليس المريرة لهما، التي سبق أن نبههما الله تعالى إليها. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (طه: 117)

كما سهيا عن عهد الله تعالى إليهما ألا يأكلا من تلك الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ﴾ (طه: 115)، أي من قبل أن يأكل من الشجرة ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (طه: 115)، أي صبرًا عن الأكل من تلك الشجرة ذاتها أو من نوعها، تحت تأثير ما فطر عليه من الرغبة بالملك الدائم والخلد في النعيم، وتحت تأثير ما فطر عليه من النسيان، والسهو، وكذلك تأثير الأيمان بالله تعالى والقسم والحلف المخدر فصدقا إبليس اللعين ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (الأعراف: 22)، أي أوقعهما فيما أراد إيقاعهما به من التغرير والمكر بهما، فأكلا من الشجرة ذاتها أو من نوعها فجري عليهما أمر الله تعالى ذلك أن أمر الله -عز وجل- جد ووعده صدق قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (فاطر: 5)

وبمجرد ما ذاقا الشجرة زال عنهما لباسهما الذي كان يسترهما، الذي قيل إنه كان من نور وقيل غير ذلك، وبدت لهما سوأتهما، قال تعالى: ﴿بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (الأعراف: 22) فاستحييا حياء شديدًا، بما فطرا عليه من الحياء من كشف العورة، فسارعا إلى سترها بورق الجنة، قال تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 22) فنادهما ربهما سبحانه مذكرًا لهما بعهده وبعداوة الشيطان المريرة لهما، قال تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (الأعراف: 22)

فأدركا خطأهما فتابا وأنابا إليه، وتضرعا إليه سبحانه أن يقبل توبتهما إليه، قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23) فقبلها سبحانه منهما وتاب عليهما وهو التواب الرحيم سبحانه.

 قال بعض العلماء كان أكل أبينا آدم -عليه الصلاة والسلام- من الشجرة قبل نبوته، بدليل قوله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (طه: 122) وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 37)

لكن أمر الله تعالى جد ووعده صدق، كما تقدم، وقد سبق أن كشف لهما عن عداوة إبليس المريرة لهما، وما يريد لهما من الشر والخروج من الجنة وأنهما إن صدقاه وطاوعاه خرجا من الجنة، فلما كان ذلك منهما، وإن كان عن سهو ونسيان، جرى عليهما أمر الله تعالى الذي لا يتخلف، فأمرهما سبحانه بالهبوط من الجنة إلى الأرض مع عدوهما إبليس اللعين مع بقاء عداوته لهما ولذريتهما من بعدهما، واستمرارها في الحياة الدنيا.

قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (الأعراف: 24-25)

لقد تاب الله تعالى على أبوينا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- ووعدهما بأن يعيدهما إلى الجنة، ومعهما من اتبع هدى الله تعالى من ذريتهما.

قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه: 123-127)

أما إبليس عليه لعنة الله تعالى، فلم يتب ولم يرجع إلى الله -عز وجل-، بل تمادى في غيه وطغيانه، وعداوته المريرة لأبينا آدم -عليه الصلاة والسلام- ولذريته من بعده، وسأل الله تعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة، وألا يميته حتى يتمكن من فتنة ذرية آدم، ويصطحبهم معه إلى جهنم، بدافع عداوته لهم، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (ص: 79)

فأعطاه الله تعالى ذلك، ولكن إلى آخر الحياة الدنيا، وليس إلى يوم القيامة، ومن ثم فسيموت كما يموت غيره من المخلوقات:

قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (ص: 80-81)

استمرار الهدف الشيطاني

وقد أخذ الخبيث على نفسه عهدًا ألا يدع سبيلًا من سبل الفتنة إلا ويسلكه، ولا وسيلة من وسائلها، إلا ويستخدمها لفتنة بني أدم.

قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص: 82-83)

وقال الخبيث عليه لعنة الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17)

فقال تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: 18)

لكن الله تعالى بمنه و بعد وكرمه لم يدع بني آدم لعدوهم اللدود إبليس الذي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، وكشف لنا ما يريده هو وقبيله من شياطين الجن وأعوانهم من شياطين الإنس من الشر بنا ولنا، وأن إشاعة التكشف في الناس هدف مقصود لهم ما لإشاعة التكشف والتعري من أثر عميق وواسع في نشر الفتنة ونشر الفساد واثقله وشدته على أصحاب الفطرة السليمة، ومن ثم نبهنا ربنا سبحانه إلى ذلك فحذرنا فقال عز من قائل: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27)

ونقف قليلًا عند هذه اللفتة القرآنية بقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ (الأعراف: 27)، معبرًا بها عما كان من إبليس اللعين من خداع وإغراء وإغواء لأبوينا آدم وحواء -عليهما الصلاة والسلام- لتجريدهما من ثيابهما، بأن مخادعة الصحية التي يراد تجريدها من ثيابها، وإغواؤها وإغراؤها بذلك هو كنزع ثيابها عنها بالقوة، بل هو أشد خطورة وأبقى أثرًا وأهون كلفة، ذلك أن الضحية التي يراد نزع ثيابها عنها بالقوة تتمسك بثيابها وتمانع من نزعها، وتدخل مع الجاني في صراع حتى تتمزق ثيابها وتتقطع لما يكون بينهما من شد وجذب، ومع هذا فإذا ما تغلب عليها وتمكن من تجريدها من ثيابها أو بعضها فإنها سرعان ما تعود لارتدائها وستر جسدها بمجرد ما تتخلص منه، أما ممارسة الخداع والتضليل معها وإغواؤها وإغرائها بالتكشف تحت ألف اسم واسم، وألف شعار وشعار من الشعارات الغوغائية، فإنه يدفعها لأن تتكشف بطوعها ورغبتها وليس هذا وحسب، بل تبقى متكشفة وتتباهي بتكشفها وتعريها كما هو مشاهد من واقع الساذجات اللواتي خدعتهن الشعارات الغوغائية فتجردن من ثيابهن السائرة، وتكشفن وتبرجن و تباهين بذلك، ظنًا منهن أن هذا هو التقدم والتحرر والرقي، مع أنهن رجعن القهقري، بتكشفهن إلى مستوى القبائل البدائية من أكلة لحوم البشر التي لم تعرف الحضارة ولم تعرف الثياب، والتي تتميز حياتها بالتكشف والتعري.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

133

الثلاثاء 05-يناير-1971

هذا الأسبوع (42)