; هل تصوم وسائل الإعلام في رمضان؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تصوم وسائل الإعلام في رمضان؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993

مشاهدات 150

نشر في العدد 1041

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 09-مارس-1993

في رمضان تُصفَّد الشياطين، لكنها في وسائل الإعلام في كثير من الدول الإسلامية، تتنادى وتجتمع لتقيم الأفراح والليالي الملاح، وتلعب بالأهواء وتلهب الشهوات وتفتح الباب على مصراعيه للتسيب والتحلل والرذيلة في هذا الشهر الفضيل. في رمضان يكثر العباد والركع السجود، والقراءة والتهجد والخشوع، ويصان السمع والبصر واللسان عن الفحش والفجور والعصيان، وفي وسائل الإعلام يكثر الرقص والتثني ويزداد العري والتغني، ويتواصل الهيام والغرام، والعشق والمدام. تتهجد فيه الموسيقى والمعازف، ويتعبد السكارى في محاريب «الكازينوهات» طوال الليل الساجي، تطلب العون من الشياطين، والتوفيق من الأبالسة والهداية من الندام والإجابة من الفتيات والرضى من العشاق.

رمضان يرتدي فيه كل صائم لباس التقوى، وينهل منه بزاد الإيمان ويغتسل فيه بماء الطهر والعفاف، أما وسائل الإعلام فقد سارت في الطرقات، ودخلت البيوت، وخالطت الناس عارية مفضحة، وارتشفت وعبثت وأوغلَت في الحرام حتى الثمالة، وتمرغت وتلطخت بالأوحال والأرجاس حتى ذهبت معالمها، وتهتكت وتفضحت وانكشفت سوءاتها حتى نبذتها الفضيلة وتبرأ منها الحياء، وذهب عنها الخجل والكرامة.

لقد كان الفساق القدامى يستحيون من المعصية في رمضان، ويعتبرونه قيدًا ثقيلًا على شهوات الجسد ونزوات النفس، وكان ذلك في قلة من الناس يُنبذون في المجتمعات ويعدون من الخلعاء ساقطي المروءة. ولأبي نواس في ذلك حماقات نذكر منها على سبيل الفكاهة قوله:

منع الصوم العقارا                           وذوى اللهو فغارا

وبقينا في سجون الصوم                     اللهم أسارى

غير أنا سنداري                             فيه ما ليس يدارى

لكن الداهية العظمى أن الفساق اليوم صاروا لا يستحيون في رمضان ولا في غير رمضان، وأخذوا يجاهرون في رمضان بما لم يجاهر به في غيره، ويستعدون لذلك من شهور عددًا، ويبدعون فيه من البهارج والمفاسد ما يغري ويجذب ويفتن ويضل كثيرًا من الناس.. يكوّنون الفرق الاستعراضية ليُعرض في رمضان أبرع ما أبدعته عقول صناع الملذات، وعباقرة مؤلفي الملاهي، وتظهر الإعلانات عن ذلك بلا حياء ولا تورع ولا وجل، لتعلن عن السحور الحالم والفطور على الأنغام والسهر حتى الصباح مع وصلات الإيقاع الراقص، وما خفي كان أعظم. ويعلن عن كل ذلك، وتُذيعه محطات إذاعية وتلفازية تنفق عليها الدولة من دماء المسلمين الكادحين بدعوى الفنون والثقافة! والفنون والثقافات منها براء. يقول الفيلسوف «ابن سينا» ويتفق معه الناقد الروسي «جلانسكي» وغيره: «إنه لا يمكن أن يكون الشيء جميلًا إلا إذا كان أخلاقيًا، فالفنون الجميلة لابد أن تكون أخلاقية لها مقاصد وغايات أخلاقية». أما ما نراه من بعض ما يسمى بالفنون التي تستنفذ غرائز الإنسان وحدها، فلا يمكن أن يكون لها مقاصد خُلقية، وبالتالي فهي ليست فنونًا، وإنما هي صراعات شهوانية، ومتاهات جنسية أريد لها أن تفعل في الأمة فعلًا محسوبًا ومبرمجًا لهدم تلك الشعوب وجرها إلى الهاوية.

والفن الذي نراه الآن لا يصلح إلا لنعي أمة يراد لها أن تتكفن وتنحل، والكثافة الإعلامية المسلطة على الأمة على مدى أربع وعشرين ساعة وإلحاحها على أعصاب الناس وأسماعهم وأنظارهم ونفسياتهم، لا يمكن أن تُفلت أحدًا من شباكها إلا من رحم ربك. واليوم تساعد الأنظمة العربية والإسلامية في هذا منظومة من شبكات الإعلام الغربية الموجهة بقصد مبيت إلى تلك الشعوب المسكينة، والمحرومة من التوجيه السليم والحماية الخُلقية والنفسية والاجتماعية من رُعاتها. بل أصبحت مع هذا يُضغط على أعصابها أن تلين، وعلى أخلاقها أن تتسيب، وعلى رجولتها أن تنماع، في وقت نعاني فيه من فقدان العزيمة والهمة والجد ونطالب فيه بالنهوض وملاحقة العصر وزيادة الإنتاج.. صدقني أيها الصديق إن الأمر ليس محيرًا ولا خافيًا على أحد، خاصة إذا كان ولي ذلك والقادر عليه ومدبره ومنفذه هم في قمة المسؤولية وموقع القرار!

وأقول أخيرًا وليس آخرًا: هل تصوم وسائل الإعلام المسلمة في رمضان وتتقي الله؟ أم يُرسَم لها أن تفطر على ما حرم الله وتذهب آثار الصوم من نفوس الناس ويستوي الماء والخشبة؟!

واقرأ أيضًا:

إعلامنا.. لماذا لا يحترم رمضان؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

133

الثلاثاء 05-يناير-1971

هذا الأسبوع (42)

نشر في العدد 594

84

الثلاثاء 09-نوفمبر-1982

الأسرة (العدد 594)