العنوان يريطانيا: التعصب البريطاني يعرقل بناء مقر لمركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد
الكاتب خدمة قدس برس
تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998
مشاهدات 95
نشر في العدد 1298
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-مايو-1998
اضطر القائمون على مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية أخيرًا إلى الانسحاب من الاتفاق مع كلية ميرتون التابعة لجامعة أكسفورد البريطانية العريقة على إقامة المقر الرئيس لمركزهم على أرض كانت كلية ميرتون عرضتها عليهم قبل أربع سنوات.
فقد حال التعنت الذي أبدته الكلية دون إتمام مشروع بناء مقر جديد لمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية يجمع في تصاميمه بين الشكل المعماري الإسلامي والهندسة البريطانية القوطية، وقالت الكلية إن سبب اعتراضها يعود إلى كبر حجم المركز المزمع بناؤه غير أن مصادر إعلامية بريطانية أعادت الاعتراضات من قبل الكلية إلى المنافسة بين كليات جامعة أكسفورد على الأرض لبناء مساكن للطلبة فوقها، وكان المركز الإسلامي الضحية لهذه النزاعات.
فقد عرضت كلية ميرتون الأرض لتكون مقرًا للمركز في عام ١٩٩٤م، وبعد أن أعلن مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية الذي يحظى بدعم من ولي العهد البريطاني عن تصاميم البناء الذي صممه المعماري المصري المشهور عبد الوكيل، واحتوى على منارة إسلامية عالية وقبة مع الجمع بين المعمار الإسلامي والطرازين القوطي والموريسكسي اللذين يطبعان مباني الجامعة البريطانية سحبت الكلية عرضها متذرعة بحجم المركز الكبير.
وحاول القائمون على المركز الإسلامي التفاوض مع كلية ميرتون وعرضوا عددًا من الخطط من بينها تخفيض الأرض الممنوحة إلى نصف مساحتها وتغيير الأمد المتفق عليه لملكية الأرض بتحويلها إلى أرض مستأجرة لمدة 99 عامًا، كما عرضوا حتى التفاوض على ثمن الأرض متقدمين بمبالغ أعلى.
ولكن كلية ميرتون مدفوعة بالاعتراضات الشديدة التي بدأها أساتذة في الجامعة بعد عرض الأرض لبناء أكبر مركز لتدريس الإسلام في بريطانيا على أرضية كون خطة بناء المركز ذات «طابع معماري مثير» يحمل مئذنة إسلامية في قلب مدينة أكسفورد تقدمت إلى المحكمة بعريضة لإلغاء المخطط ويعتبر مثل هذا الإجراء في بريطانيا بداية المعركة قانونية طويلة الأمد تعرقل بناء المركز الإسلامي لفترة لا بأس بها.
ودفع هذا بالقائمين على مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية أخيرًا إلى التخلي عن خطتهم لبناء مقر مركزهم الرئيس الذي يدعم عددًا من كراسي البحث في جامعة أكسفورد في قلب الجامعة والابتعاد إلى منطقة بعيدة تمتلك فيها كلية ماغدلين أرضًا تبلغ مساحتها ضعف الأرض التي تملكها كلية ميرتون.
ويقول فرحان نظامي مدير المركز إن الخروج من الاتفاق مع كلية ميرتون جاء على خلفية أن مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية يريد أن يبقي على علاقات جيدة مع الجامعة التي يدعم كراسي بحث فيها، بينما لم تعلق كلية ميرتون على خلفيات الخلاف الذي تعد أساسية فيه، واكتفى محاميها بالقول في بيان له إن اعتراض الكلية كان على حجم المركز الإسلامي.
وكان مركز الدراسات الإسلامية في أكسفورد أعلن في مايو من العام الماضي ١٩٩٧م الانتهاء من التصاميم الأولية لمشروع البناء الجديد التي أعدها المصمم المعماري المصري عبد الوكيل أحد أهم ممثلي تيار المعمار التقليدي الإسلامي، وقال عبد الوكيل في حينه إن المركز الرئيس سيكلف ملايين الدولارات بتبرعات من الدول المشرفة على المركز وهي: السعودية والكويت وماليزيا وسلطنة بروناي.
وقال المعماري عبد الوكيل: إن المسجد أو المركز سيعبر في تصميمه عن ولادة شكل جديد من المعمار الذي يلتقي فيه الشرق والغرب، أو ما دعاه «المعمار الإسلامي البريطاني»، حيث جمع التصميم بين تقاليد المعمار الإسلامي وتقاليد المعمار الأكسفوردي المسمى «أوكسونيان».
المعمار الأكسفوردي
وأكد المصمم أن تصميمه قد أخذ أفضل ما في المعمار الأكسفوردي ومزجه بالتقاليد المعمارية الإسلامية، ويظهر التصميم الذي أثار حفيظة عدد من البريطانيين الرافضين لقيام مسجد بتصميم إسلامي واضح في منطقة نصرانية كأكسفورد ويعرض المركز في موقعه المؤقت هناك الإطار الهيكلي العام الذي سيظهر فيه المسجد والمركز بعد الانتهاء من إنشائه.
ويؤكد التصميم على الباحات والمساحات المفتوحة والمداخل المزخرفة والأقواس والحدائق المغلقة والجدران والسقوف ذات الطابع الزخرفي كما يقدم فضاء المنارة وقاعات صلاة وقناطر وسقوفًا وأقواسًا عربية، وسيكون في قلب هذه الأشكال قاعات رئيسة للدراسة والمحاضرات، وسكن للطلاب ومكاتب المركز وملحقاته.
وكان الكاتب البريطاني روان مور انتقد في تقرير نشرته جريدة الديلي تلغراف اللندنية التصميم المقترح لبناء المركز قائلًا: إنه محاولة للتوصل إلى التناغم بين المعمار الموجود في أكسفورد والمعمار الإسلامي وهذا سينتج لوحة سوريالية خالية من التعابير، وسيكون شكل المركز صورة عن ثقافة مختلفة لا علاقة لها بالمحيط في محاولة منه للقول إن المركز سيبدو نشازًا رغم عدم تعبيره عن ذلك صراحة.
وأفاض مور في حينها في الحديث عما اعتبره اختلاف وجهة نظر السكان في المنطقة حول طبيعة المركز وشكله، وهم إن لم يعبروا عن معارضتهم بناء المركز مثلما عبر بعض السكان في مدينة لوتون حينما وضعوا رأس خنزير على باب مسجد قبل افتتاحه، إلا أن جماعة منهم لا تحبذ إقامة الصرح الإسلامي في قلب المدينة التاريخية.
ويقوم تحليل مور على طبيعة شكل المسجد الموجود في بريطانيا اليوم، حيث يرى أنه يشبه شكل صندوق من الطوب يحمل مجموعة من الزخرفات، ويقول إن المسجد أو المركز المقترح في أكسفورد لا يختلف كثيرًا في هذا السياق عن المساجد البسيطة في بريطانيا والتي تعبر عن ثقافة المهاجرين ودينهم، بل إن المركز حال إتمامه سيقدم صورة عن هذه الثقافة المختلفة على حد قوله.
ويؤكد كاتب المقال الذي عبر عن وجهة نظر شريحة من البريطانيين المعارضين للمظاهر الإسلامية في بلادهم أن المعمار الإسلامي البريطاني أمامه مسيرة طويلة للانضمام إلى المعمار الإسلامي الأندلسي والعثماني والمغولي الذي يقدم تعبيرًا مميزًا عن الثقافة الإسلامية.
وقد بنى مور جدله حول إشكالية الاختلاف التي يعبر عنها المسجد ويعزز صورتها، وكانت هذه الإشكالية هي العيار الذي قاس به مور نجاح المشروع أو فشله، وقبوله أو رفضه.
وعلى الرغم من أن اقتراحاته الأخيرة حاولت تخفيف حدة النقاش، إلا أن الكاتب أخذ مفهوم الاختلاف الثقافي بمعنى «الغرابة»، وأثر هذا كثيرًا على جدوى نقاشه، لأن أي بناء يتحرك في الثقافة التي يعبر عنها، وقد يكون اختلاف الثقافة والمظاهر ذا أثر في مجتمع مغلق يحاول تأكيد وجه واحد من وجوه الهوية، ولكنه يعتبر أساسًا للمجتمع المتعدد الثقافات الذي يقر الاختلاف ويؤكده ضمن المظلة العامة للدولة، أي البوتقة التي نتج منها المجتمع، كما هو الحال في بريطانيا التي يؤكد ساستها على هذه المعاني بين الفينة والأخرى، وضمن منظور الاختلاف فإن الثقافات تتعايش ويثري بعضها بعضًا، وتؤثر وتتأثر، والإسلام ليس غريبًا عن هذا السياق.