; التعليق الأسبوعي.. إرتريا.. في الصراع الاستراتيجي استقلال مزيف برعاية أمريكا | مجلة المجتمع

العنوان التعليق الأسبوعي.. إرتريا.. في الصراع الاستراتيجي استقلال مزيف برعاية أمريكا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

مشاهدات 85

نشر في العدد 217

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 10-سبتمبر-1974

صاحب تطور الأحداث في الحبشة.. والتدرج في صعود الانقلابيين إلى السلطة. والتمهل في تصفية الإمبراطور. صاحب ذلك دفع جديد لقضية إرتريا إلى سطح الأحداث. نواب إرتريا ينسحبون من البرلمان الإثيوبي. الناطقون باسم ثورة إرتريا يرحبون بالتفاوض مع القابضين الجدد على السلطة في إثيوبيا. وزير الدفاع الإثيوبي الجنرال آمان ميكائيل أنذوم.. قام بجولة شاملة في كافة أنحاء إرتريا .. وهو أقوى رجل في المجموعة الانقلابية.. وهو كذلك من إرتريا !! لجنة التنسيق العسكرية- الانقلابيون الجدد وجهت اتهامًا لأجهزة مخابرات الإمبراطور تتهمها فيه «بالوحشية في معاملة الإريتريين» في الأسبوع الماضي انعقد المؤتمر الثاني للاتحاد العام لطلبة إرتريا وكان أبرز مظاهر نشاط المؤتمر هو الدعوة إلى «وحدة الثوار». فقد اتخذ المؤتمر عدة قرارات. على رأسها: ١- إدانة الاقتتال بين رفاق السلاح. ٢- إيقاف القتال فورًا. ٣- أن المؤتمر يطالب فصائل الثورة الإرترية بتوجيه صفوفها والتصدي لكل الحلول المطروحة. كتبت صحيفة «بوليسنا ارمجا» وهي لسان حال البوليس الأثيوبي كتبت تطالب «بالحل السلمي والسياسي للمسألة الإرترية التي لا يمكن أن تحل عسكريًا». مجموعة من المؤشرات- صاحبت تطور الأحداث في أثيوبيا- تبرز مدى الاهتمام المفاجئ أو المدروس بالقضية الإرترية. فماذا هناك؟ وما صلة هذا الاهتمام بالاستراتيجية الدولية.. والأمريكية بصفة خاصة. إن عزل أي قضية سياسية عما يجري في العالم تفكير لا يقود إلى رؤية سليمة ولا إلى تقدير سياسي صائب. إن إرتريا لها وزنها الاستراتيجي. - بالنسبة للحبشة - وبالنسبة لليهود. - وبالنسبة لأمريكا. وفي إطار هذه المصالح المشتركة للأحباش واليهود والأمريكان.. تحرك اليوم قضية إرتريا. وليس من العدل ولا من العقل أن نرد كل الاهتمام بقضية إرتريا إلى العوامل الآنفة.. فهناك أصحاب القضية الحقيقيون الذين ما فتئوا يحركونها بالقتال.. والدبلوماسية.. وبإنهاك نظام الإمبراطور داخل أثيوبيا ذاتها. لكن هذا «الحجم» الضخم الذي أعطى لقضية إرتريا في الشهور الأخيرة يتجاوز مقدرة أبناء إرتريا. مرة أخرى.. ماذا هناك؟ لنرتب الصورة أو الرؤية السياسية في تسلسل منطقي وتتابع موضوعي. إرتريا - استراتيجيا تمتد إرتريا ٦٧٠ ميلًا على ساحل البحر الأحمر. من رأس كسار.. إلى رأس دومره .. تبلغ مساحتها ٤٨٣٥٠ ميلًا مربعًا.. سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.. نسبة المسلمين فيهم ۸۸% أن الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به إرتريا .. بالغ الأهمية. وترى فيه كل من الحبشة، والمؤسسة الصهيونية.. وأمريكا حماية هائلة لأمنها ومصالحها. أولًا: أثيوبيا الحبشة أو أثيوبيا من البلاد القلائل التي ليس صلة مباشرة بالبحار. وكان أباطرة الحبشة يطمعون باستمرار في السيطرة على إرتريا بحجة أنها رئة أثيوبيا البحرية.. ومتنفسها المائي. والحبشة تخشى قيام دولة قوية مستقلة في إرتريا. لأن من شأن هذه الدولة إيقاظ مسلمي إثيوبيا. وتوفير الحماية اللازمة لهم. عن قرب. والتشابك العائلي والاجتماعي بين مسلمي أثيوبيا.. وبين الإرتريين يعين على التعاون في السراء و الضراء وكثرا ما قام مسلمو إثيوبيا بتغطية أمنية لتحركات ثوار إرتريا .. كما قاموا بإمدادهم بالتموين ومختلف التسهيلات. إذن .. أثيوبيا محتاجة إلى إرتريا .. استراتيجيًا. وفي نفس الوقت الأحباش يخشون من قيام دولة ارترية قوية مستقلة.. ولذلك سارع الانقلابيون الجدد بإطلاق الوعود من أجل مصلحة الإرتريين. وقاموا بعملية تطويق تنويمية تمنى أبناء إرتريا بالحل السلمي والتعايش السلمي. والانقلابيون يعلمون أنهم في موقف حرج الآن.. موقف إذا تحرك فيه الإرتريون لاستخلاص حقهم فإن الموقف الأثيوبي المضطرب هو أحسن فرصة مواتية. ثانيًا.. اليهود تغلغل اليهود في إرتريا بشكل مخيف. فقد أنشأوا مستعمرات كاملة تخضع لإدارتهم المباشرة.. وأنشأوا ۲۲ شركة استثمارية. وأقاموا عشرات المناجم. و تغلغلوا في أجهزة الأمن الأثيوبية المكلفة بتعقب الإرتريين واغتيالهم. وطوال ١٨ عامًا ظل أحد اليهود وزيرًا للدولة في البلاط الإمبراطوري. وقد أسندت إليه مهمة «إيجاد للفرص» لليهود في إرتريا. وكان اليهود ولا يزالون يحلمون بتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة يهودية كموقع استراتيجي عسكري.. وكممر للتجارة اليهودية إلى أفريقيا. ومن هنا كان حرص اليهود واستماتتهم في خليج العقبة. وإرتريا تمتد على البحر مسافة ٦۷۰ ميلًا.. وهي مسافة لا يستهان بها.. سواء في التحكم التجاري أو الرصد العسكري. ثالثًا.. أمريكا أمريكا تملك قواعد عسكرية في إرتريا وفي اسمرا عاصمة إرتريا - يقيم الأمريكيون قاعدة مزودة بإمكانات تماثل إمكانات القاعدة الأمريكية الضخمة في إسبانيا. ولا قيمة للقواعد الأمريكية في الحبشة -من تقدير الأمريكيين- ما لم تكن القواعد أو المنافذ البحرية في تلك المنطقة تحت أيديهم. والمنافذ الوحيدة هنالك تتمثل في ساحل إرتريا. والأمريكيون يتخذون من مواني مصوع وعصب. قواعد الأساطيلهم وبوارجهم. إن الأمريكيين في السنوات الأخيرة تزايد نهمهم على القواعد أو المواقع الاستراتيجية البحرية بالذات. وقبل شهر ونصف تقريبا وبالتحديد يوم ٢٣-٧-١٩٧٤ كتبت «المجتمع» في هذا المكان.. كتبت تقول: ويلاحظ في التحرك الأمريكي الأخير.. اللهث وراء الحصول على مواقع استراتيجية.. وبحرية بالذات.. فبعد رحلته إلى الشرق الأوسط ذهب وزير الخارجية الأمريكي إلى إسبانيا ليوقع اتفاقات بتجديد مدة القواعد البحرية الأمريكية هناك. وفي الحبشة- حيث الانقلاب- وحيث إرتريا المحتلة موانئ للبحرية الأمريكية في مصوع وعصب وجزر دهلك. وفي عام ۱۹۷۱ ومن أجل حماية أطماعها في المحيط الهندي قامت أمريكا بتمويل جزيرة دييغو غارسيا الواقعة على مسافة ۱۲۰۰ ميل جنوبي الهند إلى قاعدة تموين بحرية جوية نووية تتمركز فيها القاذفات النووية «ب ٥٢» أن اللهث الأمريكي وراء القواعد البحرية أصبح ظاهرة متكاملة الأجزاء في هذا النطاق تحرك أمريكا رجالها لتمييع قضية إرتريا. وهناك موقف آخر يفسر اتجاه الأمريكيين للسيطرة على سواحل إرتريا. ففي الاجتماع الماضي للجنة الأمن الاستراتيجي في الولايات المتحدة بحث موضوع النفوذ السوفيتي في الصومال. وفي الأسبوع الماضي تحدثت الصحافة الأمريكية عن أن الصومال منح الروس قاعدة بحرية في أراضيه. في دوامة التهويل هذه يريد الأمريكان أن يعززوا مواقعهم من جديد في إرتريا عن طريق استقلال مزيف!! وكأنهم يقولون: ما دام الصومال منح الروس -وهو زعم أمريكي لم يتأكد بعد- حق إقامة قواعد بحرية في جزئها الشرقي على المحيط الهندي فالرد هو أن نثبت مواقعنا على ساحل البحر الأحمر. إن قلب المرأة رقيقا فما استطاعت والأمريكان والأحباش متفقون على تسوية قضية إرتريا بسرعة من أجل التفرغ لمواجهة الصومال. ولذلك وحتى هذه اللحظة لم يقل العسكريون في أثيوبيا رأيهم في مشاكل الحدود مع الصومال، كسبًا للوقت! وتمكينا لأنفسهم داخل بلادهم قبل كل شيء. وتجمع الدراسات التنقيبية على أن البحر الأحمر يموج موجًا بكميات تجارية هائلة.. من النفط.. خاصة ساحل إرتريا. الحل الأمريكي للقضية وتريد أمريكا أن تسبق الأحداث فتقدم حلا لقضية إرتريا يجهض الحل الحقيقي والاستقلال الأصيل. فما هو الحل الأمريكي؟ هو حل يشبه حل القضية الفلسطينية في بعض الجوانب. يخير الإرتريون بين خيارين قاتلين الحكم الذاتي تحت الوصاية الحبشية. أو الاستقلال المزيف تحت المظلة الأمريكية. وهذا الحل تطويقا للبديل المحتمل وهو الاستقلال الحقيقي الذي يصفى النفوذ الحبشي واليهودي والأمريكي من إرتريا. وبطبيعة الحال سيرفض الإرتريون الخيار الأول لأنهم جربوه طويلا وكثيرا ولكن لعل بعضهم يقع تحت ضغط اليأس. أو بهرج الخداع في شباك الاستقلال المزيف. دولة من ورق تقوم على المعونات الأمريكية، وفي إطار النفوذ الأمريكي يتسلط عليها أشخاص يخونون شعبهم وقضيتهم جريا وراء السلطة والجاه. الحل الصحيح ومساهمة مع إخواننا في إرتريا نطرح هذه الحلول التي نحسبها مجدية. استغلال الظروف السيئة التي تعيش فيها أثيوبيا. فالتناقضات في الحبشة لا يكاد يوجد لها مثيل في العالم الإقطاع.. والكنيسة.. والفقر.. والقبائل.. والفساد.. والمجاعات والخليط المتنافر من المسلمين والنصارى.. وسوء المواصلات.. وبعد المسافات.. والنقمة العامة.. وفترة قلق انتقال السلطة من الإمبراطور إلى الجيش. هذه المتناقضات هي فرصة العمر بالنسبة لإرتريا .. والوعي السياسي يقضي باستغلالها إلى أبعد مدى. العودة إلى السلاح من جديد.. فالجيش منهمك بمعالجة الأوضاع الداخلية. توثيق الصلة بمسلمي إثيوبيا فقد جمعت بين الطرفين عقيدة الإسلام وسوء الظروف، ووحدة الآلام. التحصن بالإسلام في مواجهة الشراسة النصرانية من قبل الأحباش والأمريكان. والشراسة اليهودية من قبل اليهود. التمسك حتى آخر رمق بالاستقلال الحقيقي لا يقيده شرط ولا يحده نفوذ ما. الوحدة التامة بين أبناء إرتريا حتى لا يخذل العدو الصفوف ويضرب بعضهم برقاب بعض. يا إخوة إرتريا: لقد أريق على ثرى إرتريا .. دم مسلم غزير. فلا تضيعوا الغرس في لحظة خداع. أو في لحظة يأس.. أو في لحظة طمع.
الرابط المختصر :