العنوان لماذا لا تكون أحكام القضاء رادعة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1981
مشاهدات 64
نشر في العدد 536
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 14-يوليو-1981
التعليق الأسبوعي
· بعد أن صدرت الأحكام في قضايا هتك أعراض وقتل
الطفلتين حنان وشاهين وقضية السطو على المنازل في ضاحية الروضة التي كان بطلها
المجرم فيصل.
وبعد أن أثير موضوع الأمن في مجلس الأمة، وأصبح الشغل الشاغل للناس في
المكاتب والمنازل والديوانيات.
عاد الهلع والفزع مرة أخرى بعد حوادث الانفجارات الخمس وعاد مجلس
الأمة ليعقد جلسة يخصص معظمها للحديث عن قضايا الأمن! والسؤال الذي يطرح نفسه
بإلحاح في مثل هذه الأحوال هو: لماذا لا تكون أحكام القضاء رادعة؟ نعم لماذا لا
تكون رادعة؟! فالجرائم الجنائية والسياسية تترى والأحكام الصادرة بشأنها إما غير
رادعة وإما أنها تستغرق وقتًا طويلًا يميعها ويذهب ما فيها من عبرة واعتبار!
· صحيح أن القضاء الكويتي إذا ما قورن بالقضاء في
بعض الدول العربية والعالمية يعتبر متقدما ونزيها، ولكن مع ذلك، وفي ظروف اطراد
الجريمة وزيادتها كما ونوعا يظل المطلب الشعبي قائما وملحا لإصلاح النظام القضائي
بحيث يكون حازما ورادعا.
· وكما قلنا من قبل في هذا المنبر فإن تطوير أجهزة
الأمن وأجهزة القضاء وإن كانا ملحين إلا إنهما غير كافيين لعلاج أسباب الجريمة،
لأن الجريمة مرتبطة بتطور المجتمع اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا، ولو درسنا
تطور الجريمة في الكويت بالذات لوجدنا أنها تطورت مع تطور المجتمع الكويتي من
المجتمع القبلي الريفي إلى المجتمع الحضري الذي اختلطت فيه الأجناس وتباينت فيه
أوضاعها الثقافية والاقتصادية.
ومن
هنا فإن علاج أسباب الجريمة يجب أن يكون شاملا متكاملا يتضمن إصلاح الأجهزة
المسؤولة وإصلاح النظام التربوي والسياسة الإعلامية والثقافة وإرساء قواعد العدل
والمساواة وتكافؤ الفرص في الكسب والاقتصاد.
وما دمنا في بلد مسلم ينص الدستور على أن دينه الإسلام فلا يجب أن يتم
الإصلاح، ولا نؤمن أن يتحقق الإصلاح، إلا بإرساء قواعد الإسلام والقيم الدينية في
الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة وكل نواحي الحياة، والأخذ بتطبيق الإسلام
والشريعة دليل على صدق التوجه لعلاج المشكلة الاجتماعية بشكل عام ومشكلة الجريمة
بشكل خاص.
ولكي تكون أحكام القضاء حاسمة ورادعة لابد من المبادرة إلى إصلاح
القانون وإصلاح الجهاز القضائي.
· لابد من إصلاح القانون لأنه هو الذي يحدد العقوبة
والقانون الكويتي في معظمه تقليد للقانون المصري الذي هو تقليد للقانون الفرنسي..
العقوبة فيه غير رادعة.. الجرائم التي صدرت فيها أحكام في الكويت لم تتعد في
معظمها السجن لبضعة أشهر أو بضع سنوات، حتى جرائم القتل العمد التي صدرت فيها
أحكام بالإعدام خففت في معظمها إلى المؤبد أو أقل من ذلك مع العفو، وللتمثيل فقط:
فقد حكم على قاتل منذ بضعة أشهر بالسجن خمس سنوات فقط!
إن
السعودية كما تشير الإحصاءات هي الدولة الأولى في العالم من حيث انخفاض نسبة
الجريمة، وذلك يعود بشكل أساسي إلى كون العقوبة رادعة لأنها عقوبة شرعية -مع
تحفظنا على طريقة التنفيذ والإسراع فيها.
ولإصلاح
القانون لابد من الاستجابة للعقيدة التي يعتنقها الشعب، ولابد من الاستجابة للمنطق
وللمطلب الشعبي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لأن أحكامها كما هو مستقر في الفقه
زواجر وجوابر... تزجر المجرم وتجبر المظلوم وتزجر الناس جميعا لأنها تنفذ في الملأ
وأمام أعين الناس.
·
أما
النظام القضائي فيجب ضمان استقلاله عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وكضمانة أولى
لحسن أداء دوره، فالسلطة التنفيذية تدخلت فعلا أكثر من مرة في أحكام القضاء، كان
آخرها استبدال حكم الإعدام الصادر بحق الذي فجر دار الرأي العام إلى السجن المؤبد
ولا ننسى العفو الأميري السنوي عن المساجين.
·
والجهاز
القضائي يطيل أمد التحقيق واستصدار الحكم في معظم القضايا مع أن بعض المجرمين
كانوا يعترفون.. إن إطالة أمد التحقيق وإصدار الحكم النهائي وإن كان أصلا يتمشى مع
العدالة باعتبار أن المجرم بريء حتى تثبت إدانته، إلا أن التأخر في إصدار الأحكام
زاد عن حده كثيرا. وفي كثير من الأحيان يستطيع محامو الدفاع أن يلووا نصوص القانون
ليخففوا الأحكام عن المجرمين.. فقضية قتلة الصراف الفلبينيين مثلا مضى عليها أكثر
من عام ولم يصدر بشأنها حكم نهائي! والتأخر يشمل كذلك التنفيذ.
ونحن
هنا لا نطالب بإلغاء التحقيق ولكن نطالب بالإسراع والحسم فيه ليكون الحكم الصادر
رادعا وذا وقع في المجتمع.
· والجهاز القضائي عند إصدار أحكامه لا يعتمد إلا
على نصوص القانون وتجارب القضاء مع أن القضاء في الدول المتقدمة يضع في الحسبان
الرأي العام عند إجراء الأحكام. فالقضاة في تلك الدول يشددون العقوبة إذا كانت
الجريمة مستبشعة اجتماعيا، ولكن هنا في الكويت وإن بدرت أمارات تجاوب بعض القضاة
مع الرأي العام في بعض الأحكام التي صدرت أخيرا، إلا أن القاعدة العامة هي تقيّد
القاضي بنصوص القانون، وهذه المشكلة بالذات قد يحلها جزئيا تكويت القضاء، حيث إن
ابن البيئة أكثر التصاقا بها وأشد التزاما بتقاليدها وعاداتها وقيمها.
وهذا التقليد معمول به في كثير من الدول، فعندما تكون القضية خاسرة
شعبيا وتتعلق بالقيم والتقاليد وخاصة الجرائم الأخلاقية كثيرا ما يرفض المحامون
الدفاع عنها.
· وبالطبع فإن إصلاح القضاء يتطلب إنصاف القضاة
والعاملين في أجهزة القضاء وإرساء قواعد العمل على أساس النظام والعدل والمساواة
بالموظفين الآخرين إذ -ما من شك- أن استقرار الموظف -أيا كان- ينعكس على أدائه
لوظيفته، وهذا واجب الدولة وواجب المجلس الأعلى للقضاء.
· وبعد فإن القضاء عنصر أساسي من عناصر استقرار
المجتمعات واستتباب الأمن فيها، ومازال القضاء الإسلامي مضرب الأمثال على مر
العصور، ونحن إذ نقلد المجتمعات غير الإسلامية نفعل كما يقول الشاعر:
كالعيس في الصحراء يقتلها الظما
والماء فوق
ظهورها محمول!
· نقول هذا ونحن نتنسم الجو الإيماني لشهر رمضان المبارك، لعل الله يفتح القلوب لتسمع الحق وتذعن له، والأمل كبير في أن يستجيب قومنا لنداء الحق فيسارعون إلى إصلاح القضاء ضمن إصلاح اجتماعي شامل، لنظل ننعم بالأمن والاستقرار، أما القانون الوضعي والقضاء الوضعي فلا يأتيان إلا بمزيد من الفوضى والدمار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل