العنوان ندوة الإبداع بين الأصالة والتبعية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1981
مشاهدات 100
نشر في العدد 520
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 17-مارس-1981
في الفترة من 2 إلى 6 جمادى الأولى 1401ه الموافق 8 إلى 12 مارس 1981، عقدت في الكويت «ندوة الإبداع الفكري الذاتي في العالم العربي»، ساهمت فيها أربع جهات هي: جامعة الأمم المتحدة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، وتناولت الندوة أربعة مباحث رئيسية هي:
• من نقل المعرفة إلى الإبداع الفكري الذاتي.
• التراث والنهضة الحضارية.
• العلم والتكنولوجيا من التبعية إلى التحرر.
• الفكر العربي في النظام العالمي الجديد: التحديات والرؤية.
هذه الندوة بلا شك، مؤشر خير، في وقت ينحدر فيه الفكر انحدارًا سريعًا في مهاوي التبعية، والسطحية، والعبثية، ودلالة طيبة على المناخ الحر الموفر للحوارات الفكرية الهادفة، والملتزمة، وهذا ما شهدته الندوة أيضًا، وهي -الندوة- كذلك، استجابة للدعوة الإلهية، أو امتثالًا للأمر الرباني في القرآن الكريم بالتفكر والتدبر وإعمال هذا العقل الذي منحنا الله إياه وميزنا به على سائر مخلوقاته.
ولكن، مع هذا كله، فإن لنا ثلاثة مواقف نأخذ فيها موقفين على الندوة، وثالثًا على المسؤولين.
الأول: ضمت الندوة أحد عشر بحثًا، لم يكن بينها عن الفكر الإبداعي الإسلامي سوى اثنين، وكان معظم البحوث الباقية مصبوغًا بـ«العربية» و«العروبة» و«العرب»، ونحن نعلم أنه لولا الإسلام ما كان هناك فكر ولا إبداع في تاريخنا كله.
الثاني: ذكرت أمانة الندوة أنها حرصت على أن تشارك في الندوة مختلف التيارات، وهي تعني أن التيار الإسلامي مشارك فيها، غير أننا لا نجد أحدًا من المفكرين الإسلاميين المنتمين إلى التيار الإسلامي الحركي قد شارك في الندوة، وإذا كانت أمانة الندوة تعني الدكتور عبد العزيز كامل، والدكتور أحمد كمال أبو المجد اللذين شاركا في الندوة ببحثين، وفي الحوار، فإننا نقول، مع احترامنا الشديد لكل من الدكتورين الفاضلين: إنهما لا يمثلان التيار الإسلامي الحركي، ولا ينسبان إليه، على الرغم من كونهما مفكرين لهما مكانتهما الإسلامية.
الثالث (وهو موجه إلى المسؤولين): لقد حظيت الندوة بحرية كاملة، في الحوار والتنظيم والاتصال، ووفرت لها وسائل وإمكانات غير محدودة، وهذا يجعلنا نعود قليلًا إلى الماضي القريب حين نظمت جمعية الإصلاح الاجتماعي «أسبوع الدستور الإسلامي»، فإن المسؤولين أوقفوا برنامج الأسبوع في يومه الثاني أو الثالث، وألغوا جميع فقراته، ولم تحظ اللجنة المنظمة لها بالحرية التي حظيت بها ندوة الإبداع الفكري ...! على أية حال فإننا نتفاءل ونقول: لعل تلك فترة مضت وانقضت، كما لها ظروفها التي لن تتكرر إن شاء الله.
الندوة- كما قلنا- حظيت بأجواء من الحرية غير محدودة، وهذه الحرية ساعدت على كشف كثير من الأمور والخبايا، نعرض بعضها هنا، مع بيان موقفنا منها، إن احتاج الأمر إلى بيان.
• الدكتور لوثان خوي من جامعة باريس كشف عن حقيقة تأخر التعريب وبطئه في المغرب العربي بقوله: «إن من أكثر المسائل إلحاحًا بالنسبة إلى الدولة الحديثة الاستقلال، هي العمل على إحياء الثقافة الوطنية التي يكون المحتل قد أهملها أو احتقرها خلال فترة الاحتلال، ومن ثم العمل على تثبيت هذه الثقافة وتحديد هويتها، ولا شك أن هذا هو أحد الأهداف الرئيسية للمؤتمرات العالمية حول التربية والثقافة في آسيا وأفريقيا والمنطقة العربية، وقد سميت هذه العملية المهمة في دول المغرب الثلاث: الجزائر، والمغرب وتونس بالتعريب، ولا تزال عمليات التعريب في بدايتها فقد تم تعريب السنتين أو الثلاث في المدرسة الابتدائية.
وإذا كان في الإمكان تبرير هذا الوضع بسبب نقص المدرسين الأكفاء، وبخاصة الذين يدرسون العلوم منهم، إلا أن العقبات الحقيقية هي عقبات سياسية واجتماعية.
فالحبيب بورقيبة رئيس جمهورية تونس يفضل «مجتمعًا يتكلم اللغة الفرنسية»، أما بالنسبة للحسن الثاني ملك المغرب فإن الفرنسية عنده استمرت لقرون طويلة لغة الأفكار المعطاءة، وستبقى نافذة مفتوحة على اتساعها، وقد أكد أحد وزراء التربية الجزائريين «أننا سنكون بحاجة للغة الفرنسية، ولفترة طويلة، كنافذة نطل منها على الحضارة التقنية ريثما تكيف اللغة العربية نفسها مع العالم الحديث»!
• عبث الدكتور فؤاد زكريا عبثًا غريبًا باسم الموضوعية، مستغلًا الحرية المتاحة، فقال -وهو المعروف بحنقه القديم من الإسلام- «تأملوا الجماعات الدينية في العالم العربي، ابحثوا عن الهدف الذي يدعوننا إليه، إنه وصفة طبية بسيطة ... هي: كان المسلمون أسياد العالم، لأنهم كانوا أتقياء، وبعد ذلك تدهوروا لأنهم تركوا التقوى، إذن يجب أن نرجع إلى التقوى، لنرجع إلى سيادة العالم». وأضاف: «إن هذه الوصفة قد تختلف من جماعة إلى أخرى، ولكن تتفق في ما بينها بالمضمون».
وهذا العبث لا يحتاج إلى رد، فليس فيه سوى روح الاستفزاز، ومع هذا نورد بعضًا من ردود المشاركين في الندوة عليه:
قال الدكتور عبد الهادي أو ريدة عن الباحث: إنه تلميذي، ومن طبيعة تفكيره التحدي والاستفزاز.
وقال الدكتور حسن حنفي: بحث الدكتور فؤاد زكريا خاطئ، لأنه ربط بين التخلف وتصور معين للدين، لذلك جاء بحثه على افتراض مسبق، في حين أستطيع أن أربط هذه الأسباب التي ذكرها بالتقدم وليس العكس، ولا توجد فلسفة في الغرب إلا ومربوطة ببداية ونهاية، حتى فكرة العودة موجودة في الغرب.
وقال الدكتور عبد الله العروي: أتساءل: كيف يمكن أن نقول إن أيديولوجية وفكرًا معينًا يقفان في طريق الإبداع؟ لقد وجدنا إبداعًا نما في ظل مختلف الأيديولوجيات في العالم، إننا نواجه خطرًا دائمًا ومستمرًا، وهو المحاولات المستمرة لإلغاء هويتنا الحضارية.
وقال الدكتور أحمد يوسف الحسن: ما كتب حول التراث اليهودي في القرون الأولى والوسطى حتى الآن، أكثر بكثير مما كتب حول التراث العربي.
• الموضوع الثالث الذي نطرحه مع الموضوعين السابقين كأمثلة للموضوعات التي ناقشتها الندوة، موضوع العروبة والإسلام، أو القومية العربية والإسلام، فقد كشف كثير من الباحثين كيف أن القوميين والعلمانيين ألبوا على الإسلام وخاصموه.
قال الدكتور نجم عبد الكريم: إن الاتجاه العلماني هدفه التحذير من الإسلام وفاعليته ومساهماته، وتصويره وكأنه غول يخيم عليهم، واعتبر هذا الاتجاه وهذا الإفراز طبيعيًا، لأن رواد القومية هم نصارى، وبسبب معاناتهم من اضطهاد الكنيسة جاءت طروحاتهم للقومية والعلمانية.
وقال الدكتور منح الصلح: «هذه المعركة والتناقض سببها أخطاء في التفكير القومي العربي عند الحركة القومية» «إنه لا خير على الإطلاق في عروبة لا تتفاعل مع إسلام الجماهير».
وقال الأستاذ منير شلبي: إن الإسلام تجاوز ما يسمى بالعروبة، لكنه لم يلغها فهناك جانب عالمي للإسلام، إضافة للتعاون مع المجموعات البشرية التي تنضوي تحته، فالإسلام لا توجد لديه أية إشكالية، إنما المشكلة تقوم في جهة العروبة تجاه الإسلام ، خاصة إذا حملت بعدًا أيديولوجيًا واجتماعيًا مختلفًا عن الإسلام.
هذا بعض ما رأيناه حول ندوة الإبداع الفكري الذاتي، وإن كان لا بد من ذكر أمور في نهاية حديثنا العاجل هذا، فهي:
• تجاه الندوة يدعونا إلى الدعوة إلى تنظيم ندوات أخرى، نتيح لها فرصة الحوار في أجواء من الحرية، مثل تلك التي أتيحت لهذه الندوة.
• إتاحة المجال رحبًا أمام تيار الحركة الإسلامية للمشاركة في مختلف الندوات التي تعقد، وعدم قصر المشاركة على أناس دون آخرين.
• لتعميم فائدة هذه الندوات، نقترح تسجيلها إذاعيًا، وتليفزيونيًا، لنقلها إلى أكبر عدد من الناس وكذلك طبع تلك البحوث والحوارات في كتاب شامل.