; التفكير.. والهجرة (٢) مراحل الدعوة.. دروس مهمة لكل داعية | مجلة المجتمع

العنوان التفكير.. والهجرة (٢) مراحل الدعوة.. دروس مهمة لكل داعية

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 61

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 52

السبت 10-ديسمبر-2011

  • النبي  ظل في مكة يرسي قواعد التوحيد هذا الأساس فيهم أولا ليكمل حتى يبني بقية البناء على قواعد متينة
  • لابد لكل داعية أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصحح العقيدة وينقيها حتى يستقر الإيمان في القلوب ثم يتجول بعد ذلك في غرفاته

هذه دعوة لكل من أراد أن يرقى تفكيره، وينضج فكره، وتنقح خواطره.. دعوة لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته المباركة، والتجول في أروقتها، والسياحة في سمائها والتفكر في أرضها، ففيها غذاء الفكر وفيها دواء السقم، وهي للمحب شفاء. ظل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يرسي قواعد التوحيد بدعوته إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ، كانت هذه الكلمة وما زالت قولا واعتقادا هي مفتاح الإيمان بل هي الإيمان نفسه وما عداها تابع لها كثمرة.. لذا فقد حاول معهم بشتى الطرق السلمية وكان حريصا على أن يبني هذا الأساس فيهم أولا ، ويرسي في قلوبهم مفاهيم وقيمًا لا تتغير بتغير الزمان أو المكان، ليكمل بقية البناء على قواعد متينة وأسس ثابتة، إنه يعلمنا ما يسمى الآن بفقه الأولويات، وفقه الواقع، فواقعهم كان يعج بالوثنية والشرك، فكان المدخل الرئيس إلى عبادة الله وحده هو شهادة التوحيد الخالصة، ثم يأتي العمل بمقتضاها.

وقد استغرق ذلك من نبينا صلى الله عليه وسلم زمنًا طويلا إذ استمر طيلة ثلاث عشرة سنة، وهو على هذه الحال داعيًا إلى الله، حيث آمن به من آمن فنال شرف الصحبة والنصرة على المستوى الفردي، كما صد من صد فحرم. لذا، فلا بد لكل داعية أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله ، وألا تشغله سفاسف الأمور عن معاليها، بل يجب أن يدعو إلى دخول الإسلام من بابه أولا، ويصحح العقيدة وينقيها مما يقدح فيها حتى يستقر الإيمان في القلوب، ثم يتجول بعد ذلك في غرفاته وحجراته المختلفة التابعة له، وعليه ألا ييأس من طول المكث بين الناس داعيا، وألا يترك العمل لقلة المستجيبين له، أو يستعجل الثمرة فينفر المدعوين ولا يبشرهم ويتأفف منهم أو يضجر، بل لا بد من الصبر عليها حتى تنضج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضى الله عنه: فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم» رواه البخاري.

شرف النصرة والمؤازرة

وعندما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة قوبلت دعوته - كما ذكر في كتب السيرة - بالاستهزاء والتحقير والإيذاء والتعذيب، وأوذي فيها وهي بلده وأحب البقاع إلى ربه عز وجل ومن المحزن حقا أن الذين آذوه كانوا من قومه وعشيرته كعمه أبي لهب، وكانوا من جيرانه وأهل بلده، وهم من نشأ بينهم وترعرع وعاش على أعينهم صادقًا أمينًا، ومع ذلك فقد اشتد إيذاؤهم له، فعجبًا لهؤلاء القوم ألم يأتمنوه على ودائعهم ونفائسهم دون غيره؟ فلماذا لم يصدقوه ويأتمنوه على الرسالة؟ أفيصدق معهم ويكذب على ربه؟ حاشاه أن يفعل ذلك فهو كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ (النجم: 3).

لقد فات هؤلاء شرف النصرة والمؤازرة وإن تحول بعضهم فيما بعد إلى الإيمان، كما لم يكن لرؤوس القوم منهم فضيلة السبق في احتضان النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، كأبي سفيان وأبي جهل، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط، بل ها هو أبو جهل يؤكد إصراره على الكفر حسدًا وبغيًا فيقول: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا کفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا تؤمن به أبدا ولا نصدقه».

فلما تولوا عنه، ولم ينصروه استبدل الله تعالى بهم الأنصار الذين لم يكونوا من أهل مكة، لكنهم صاروا خيرا منهم لسرعة استجابتهم ونصرهم النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين.

المكر والمؤامرة...

ولما كان عدد المؤمنين في نماء، وازداد عمر دعوة النبي ، وصمد أولادها أمام كل العقبات وجد المشركون أنهم في خطر فجن جنونهم، وتعجبوا من استمرار هذه الدعوة وقوتها رغم كل جهود القمع والإرهاب التي يمارسونها ضد أنصارها ، وقد حاولوا من قبل أن يثنوا النبي ﷺ عنها بشتى الوسائل فلم يفلحوا ، وقاموا بحملات التفتيش عن الإيمان في قلوب أتباعه، فلم ينجحوا ووقفوا لهم بالمرصاد، وتفننوا في تعذيبهم فارتدت نصال كيدهم إلى صدورهم من حيث لم يحتسبوا إذ ثبت من المؤمنين من ثبت واستشهد منهم من استشهد وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، ومن بعدها إلى يثرب ينشدون العدل والعدالة عند من لا يظلمهم ولو كانوا أغرابا عن تلك البلاد.

فلما سقط في أيدي هؤلاء المشركين قرروا أن يزيدوا من مقدار جرعات الكيد المتواصلة ضد النبي ﷺ ومن آمن، وألا يترددوا أمام طوفان هذه الرسالة، وقد تأكدوا أنه أقوى منهم وأنه سيجرف معه ما هم عليه من شرك ووثنية ووجاهة ورياسة. فاتخذ مكرهم أسلوب الجريمة والخيانة واتسم عملهم الإجرامي بالعمل في الظلام، والتحالف مع الشيطان وقوى الشر التي يدعمها لتتحقق مآربهم ومطامعهم تتحقق ولو على دماء وأشلاء غيرهم لتبقى كراسيهم الفانية ولو تنازلوا عن بعض القيم التي لا غنى للمرء عنها كإنسان ولو أن يغضوا الطرف عن أبسط حقوق الإنسان في حرية اختيار العقيدة التي يتعبد الله تعالى بها.

ومن هنا بدأ التخطيط منهم لقتل النبي  ليغتالوا فيه الإسلام ودعوته، لكن هيهات هيهات أن يتحقق لهم ما أرادوا، فالله حافظ نبيه وعاصمه من الناس، والله ناصر الحق وأهله وإن طال ليل الظالمين، وخاذل أهل الباطل وإن كسبوا جولة أو جولات إن في هذا درسا عظيما على طول الزمان لكل داعية إلى الله، ولكل صاحب حق يدعو إليه أو يطالب به الثبات الثبات، فإن هناك عقبات وعقبات فسيقابل في دعوته من يحاول وأدها من أول لحظة، بل ويكبر الكيد لها متى ظهرت باكورة ثمرها، ويزداد كلما زاد أتباعها على المستوى الفردي والجماعي، فأعداء الإصلاح يتواجدون في كل زمان والمجرمون والطغاة لا يتورعون عن الكيد والمؤامرة والتعذيب مهما تنوعت أشكاله سجنا وضربا وأذى ونفيا وقتلا، فمرتكبو الجريمة أهدافهم واحدة وأساليبهم متشابهة، وكأنهم توارثوها فيما بينهم وتواصوا عليها!

التخطيط للجريمة...

بدأ الطغاة من عتاة المشركين في مكة يخططون لأبشع جريمة، لم يكن الدافع لها ما كان بين قابيل وأخيه هابيل وإن كان بينهما خيط رفيع يصل تلك الجريمة بما فعله قابيل تجاه أخيه ظلما وعدوانا وحسدا وبغيًا، وتمردًا على أوامر الله عز وجل الخالق العظيم، ليحمل قابيل وزره ووزر من اقتدی به إلى يوم القيامة، كما قال النبي : «ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها ذلك بأنه أول من سن القتل رواه أحمد.

لقد تشاوروا في طريقة التخلص من النبي ، وتوالت الاقتراحات منهم، وكان الشيطان يشهد الجريمة ويخطط معهم ويبدي الرأي ويحلل ويفند، فلم يعجبه الحبس والسجن ولا إثخانه بالجراحات والضرب الشديد ولم يوافق على النفي من بلده والإخراج والإبعاد والتغريب، وإنما أقنعهم بأن القتل هو الحل الذي يفرق دمه بين القبائل وهو طريق الخلاص المزعوم، فرفع القوم راية التسليم الخسيس ورضوا باقتراح إبليس عن قتادة قال: تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم: بل أخرجوه فلما أصبحوا رأوا عليا ، فرد الله مكرهم.

وقد ذكر الله تعالى قصة التخطيط لهذه الجريمة النكراء، فقال لنبيه : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

فهذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي  في دار الندوة فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبي  علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض، فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله ﷺ قد فات ونجا.

ويمكرون ويمكر الله...

لم يستح المشركون من الله خالقهم، وهم يتآمرون على عبد من عباده بل أفضل خلقه ، فإن الحياء من الإيمان» رواه البخاري و«الحياء لا يأتي إلا بخير» صححه الألباني. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت رواه البخاري. لذا فقد اتفقوا على قتله حيث لا إيمان لهم يثمر هذا الحياء.

ولم يقلل من عداوتهم تجاه رسول الله  طول مكثه بينهم، فلم يحفظوا له أبسط الحقوق من حفظ الجوار وكرم الأخلاق وحسن العشرة، وها هم ينبذون كل تلك القيم وراء ظهورهم، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

والمكر: التدبير في الأمر في خفية... فيمكرون بالنبي  ويمكر الله بهم بتدبير أمر نبيه بأن أوحى إليه ما دبروه وأمره بالخروج، كما أن المكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون. وهنا تتجلى القدرة الإلهية لكل ذي عقل فمن ذا الذي أخبر النبي ﷺ بالمؤامرة، ومن الذي أمره أن يخرج ويهاجر تاركًا من ورائه رؤوس الكفر ورموزه تتجرع مرارة العجز قد ذهب كبرياؤها وتحطم على أبواب الغار ومن الذي أحبط مكرها وأذهب هيبتها وأذلها.. إنه الله سبحانه وتعالى الذي يكسر أعناق الجبابرة إذا ما تطاولت على عباده بغير حق، وهو الله تعالى حافظ عباده المؤمنين أهل الحق العاملين به الداعين إليه، القائل في كتابه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نصر المؤمنين (الروم:47). ينصرهم نصرًا عزيزا مؤزرا في الدنيا والآخرة كما وعد سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لَتَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الحياة الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (غافر:51).

وقد أورد أبو جعفر ابن جرير يرحمه الله تعالى سؤالا، فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعيب، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم وإما إلى السماء كعيسى فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين أحدهما. أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض قال: وهذا سائغ في اللغة. الثاني» أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم».

وعن السدي قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما، فينتصر بهم لأولئك الذين قتلوا منهم..

المصادر

1- جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري

2- تفسير ابن كثير، تفسير القرطبي تفسير الطبري، تفسير الجلالين.

3- موقع المحدث».

4- موقع الإسلام دوت كوم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل