; التلوث الثقافي آت عبر الأقمار الصناعية | مجلة المجتمع

العنوان التلوث الثقافي آت عبر الأقمار الصناعية

الكاتب محمد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1990

مشاهدات 80

نشر في العدد 966

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-مايو-1990

·       المطلوب إنتاج تلفزيوني عربي موحد أرفع مستوى وأكثر ثراء وأوفر مصداقية

الثورة التكنولوجية الكبرى في مجال الاتصالات والإعلام عبر الأقمار الصناعية أصبحت حقيقة وواقعًا لا مجال لإنكاره أو تجاهله، وفي إطار هذه الثورة يعمل مهندسو الإلكترونيات في أمريكا وأوروبا واليابان من أجل جعل الالتقاط المباشر للبث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية أمرًا سهلًا وميسورًا ومتاحًا للجميع، كما هو الحال بالنسبة لالتقاط البث الإذاعي عبر العالم، ويقول المختصون في هذا الميدان: ستغزو الأسواق العالمية أجهزة استقبال «تلفزيونات» قادرة على الالتقاط المباشر بهوائيات صغيرة الحجم وغير مكلفة لأكثر من 120 محطة إرسال تلفزيوني في العالم في غضون ثلاث سنوات على أقصى تقدير.

والمعروف أن الالتقاط المباشر من الأقمار الصناعية هو متاح حاليًا للذين نصبوا هوائيات خاصة على شكل أطباق على أسطح بيوتهم، وأن هذه الهوائيات الأطباق آخذة في الانتشار بصورة كبيرة وسريعة في كثير من المدن العربية، وهذا يعني باختصار أن هذه القرية في مجال البث والالتقاط التلفزيوني لم تعد تعترف بالحدود السياسية والجغرافية، وقد استطاعت ومنذ الثمانينات أن تحمل من عالمنا مجرد قرية إلكترونية تلفزيونية صغيرة تذوب فيها الفوارق الثقافية وتنتهك فيها الخصوصيات ويلغى فيها دور الرقابات، فماذا نحن فاعلون إزاء هذا الواقع الذي يهدد وجودنا الثقافي وثوابتنا ومعتقداتنا، ويفرض على شبابنا رؤى ومفاهيم جديدة بعضها لا يتلاءم بالتأكيد مع رؤانا ومفاهيمنا، بل إنه ينقض طرقنا في التربية والتنشئة؟

«سواتل» بالجملة

في أواخر السنة الماضية دشنت فرنسا عهد البث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية المخصص للدول العربية في شمال إفريقيا وبعض دول إفريقيا السوداء بوضعها للساتل «TDEDI» على ارتفاع ٣٦ ألف كيلومتر فوق السماء العربية الإفريقية وبعمر افتراضي يقدر بتسع سنوات، وقد أصبح من الثابت أن إشاراته تلتقط في تونس والجزائر بهوائي قطره (60 سم) كما يمكن التقاطها في أماكن أبعد بهوائيات ذات قطر أكبر، ولن يطول مقام هذا الساتل الأجنبي في السماء العربية بمفرده؛ لأن هناك أعداد كبيرة من السواتل المخصصة للبث التلفزيوني المباشر تنتظر دورها لأخذ مكانها في السماء العربية ورزنامة الرحلات الفضائية لوضع سواتل من هذا القبيل تعج بالمواعيد في السنتين القادمتين حيث سيتم تركيز الساتل الإنجليزي (ب س ب) والساتل الألماني (ت ف 2) والساتل الإسكندنافي، كما تستعد اليابان هي الأخرى لإطلاق سواتلها إلى الفضاء وتوجيهها إلى المنطقة العربية المطلة على المحيط الهادي في مستقبل قريب، وكل هذا يدل على أن العالم العربي في التسعينيات سيكون مجال تنافس إعلامي تلفزيوني مكثف، وأن غزوًا إعلاميًّا وثقافيًّا ينتظر أبناءه وهو قادم إليهم عبر هذه السواتل التي ستكون بمثابة الصنابير التي تتدفق منها البرامج المشبوهة من دون أن تمر على مرشحات وفلاتر للتنقية.

ویکمن خطر هذا البث المباشر في أهمية التلفزيون كأدة إعلام ودعاية وثقافة من جهة، وفي كون بعض الباحثين هم من الأعداء التقليدين للعرب الذين لا هدف لهم سوى إبقاء الأمة العربية في حالة تخنقها وارتهانها لهم حتي يواصلوا هيمنتهم عليها وتحقيق مصالحهم الاقتصادية فيها، وحتى قبل أن يبدأ البث التلفزيوني المباشر عبر الأقمار الصناعية، فإن لدينا عينات لمخاطر الغزو الإعلامي والتلوث الفكري متمثلة مثلًا في تحول المشاهدين المصريين من مشاهدة التلفزيون الوطني إلى مشاهدة التلفزيون الإسرائيلي أو القبرصي أو غيرهما في المناطق التي تلتقط فيها إشاراتهما بوضوح، وكذلك الشأن بالنسبة لعرب شمال إفريقيا الذين يحرصون على مشاهدة التلفزيونات الإيطالية والفرنسية التي يستطيعون التقاطها في مناطقهم وانسحاب المواطن عن مشاهدة القنوات الوطنية يعزى دائًما إلى رداءة البرامج المحلية أو عدم ارتفاعها إلى مستوى البرامج الأجنبية، وهذا يدل أن المواطن العربي لم ينتظر حتى تركز سواتل البث المباشر في مداراتها ليشاهد البرامج الأجنبية على الشاشة الصغيرة، ولكن ما نخشاه في عهد هذه السواتل هو طوفان هذه البرامج الأجنبية وانفتاح كل الأبواب على مصراعيها أمام كل المشاهدين غير المحصنين إزاء الغزو الإعلامي والتلوث الثقافي المتوقع.

إن التغيير الجوهري الذي ستحدثه هذه السواتل هو إتاحة الفرصة كاملة للجميع ودون استثناء للاختيار ضمن تعددية المصادر حيث سيكون المواطن العربي أمام العديد من القنوات، وبالتالي سيكون مجال الاختيار أمامه أوسع وأكبر.

إن المواطن العربي يشاهد الآن الكثير من البرامج الأجنبية، ولكن عبر القنوات الوطنية؛ أي من مصدر واحد، وبعد أن يتم انتقاؤه واختياره على أسس معينة، وحسب معايير محددة، أما في المستقبل فإن الوضع سيختلف تمامًا وعندئذ سيكون عهد احتكار البث التلفزيوني في القطر الواحد قد ولى وانقضى، وعلى السلطات المحلية أن تفكر جديًّا في كيفية التأقلم مع هذا الوضع الجديد، وقد تعالت منذ مدة ليست بالقصيرة العديد من الأصوات المنبهة هذا الخطر والمحذرة من عدم الاستعداد للمرحة القادمة.

يقول مثلًا مدير إدارة الإعلام «بالألكسو»: إن المنظمة العربية ترى ضرورة الاستعداد بسرعة لمواجهة هذا الوضع وكسب ثقة المشاهدين العرب بتقديم برامج تلفزيونية ذات مصداقية، وإلا سيكون من الصعب فيما بعد انتشال المشاهد العربي مما قد يهوي إليه بسبب ما يقدم إليه من برامج أجنبية مغرية بعضها موجه خصيصًا للبلاد العربية لطمس معالم ثقافتنا وهويتنا الإسلامية. أما الدكتورة انشراح الشال أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة فقد علقت على وضع القمر الفرنسي TDFDI في مداره بقولها: إن المرحلة القادمة سوف تشهد اختراقًا خطيرًا من جانب فرنسا للحضارة العربية الإسلامية بواسطة هذا القمر الذي سوف يسحب البساط هو وأمثاله من الأقمار من تحت الأجهزة الإعلامية العربية والإسلامية التي تديرها الحكومات.

- فاعلية أقوى

لم يعد أحد ينكر أن التلفزيون أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس في كل مكان وأنه أمضى وسائل الاتصال والإعلام (إذاعة- صحافة- تلفزيون) وأقواها تأثيرًا في النفوس وتوجيهها للرأي العام، فإذا كان قراء الصحف والمجلات يعدون بالآلاف أو عشرات الآلاف، فإن مشاهدي التلفزيون يعدون بالملايين، وقد خطف التلفزيون من الإذاعة بريقها وسحرها الأول، والمشاهدون الذين صاروا في بعض البلاد العربية مدمني تلفزيون هم من الصغار والكبار ومن مختلف المستويات الثقافية، وفيهم كثير من الشيوخ الذين يصدقون كل ما يشاهدونه ويتقبلون بسهولة كل ما يقال في التلفزيون؛ ذلك أن المعلومات التلفزيونية تكسب حيوية وأثرًا من حيوية التلفزيون، نظرًا لوجود الصورة والحركة والصوت التي تخدمها، وبناء على ذلك فإننا نفهم لماذا تكون للمعلومات أو الأخبار التلفزيونية فاعلية وتأثير كبير على المشاهدين، والذي نخشاه في وطننا العربي الذي لا يزال يعد الكثير من الأميين وذوي المستوى الثقافي المحدود هو أن تعمد الجهات الغربية المعادية بما امتلكته من قدرات تقنية وعلمية إلى تشويه تاريخنا وثقافتنا وزعزعة القيم في نفوس أبنائنا. فإذا كان الهدف الأساسي من بث المعلومات هو محاولة تفسير وقوع الحوادث والتغيرات، فإن التلفزيون يمكن أن يحمل المشاهد الحقيقية أو الحدث عاريًا، ولكنه غالبًا ما يعطي تفسيرًا ويبين وجهة نظر. وفي أحيان أخرى يحجب بعض الحقائق والأحداث خدمة لأهداف مشبوهة، وليس مستبعدًا أن تعمد التلفزيونات الغربية الموجهة عبر الأقمار الصناعية إلى بلادنا العربية علاوة على نقل ثقافات أجنبية عنا إلى تلويث ثقافتنا العربية الإسلامية بعد أن تكون قد اكتسبت مصداقية لدى مشاهدينا.

- حماية أم مواجهة؟

ليس هنالك من حدود يمكن إقامتها في السماء أو في الأرض يمكن أن ترد عنا وابل الإشارات التلفزيونية الآتية من الأقمار الصناعية الأجنبية، والحلول الساذجة التي لجأ اليها بعضنا من قبل تبين بالتجربة أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا مفر لنا من المواجهة الحقيقية والصعبة للمشكلة.

إن التشويش على الإرسال التلفزيوني على غرار التشويش على الإرسال الإذاعي الذي جربه بعضنا ليس بالأمر السهل، علاوة على كونه باهظ التكاليف ولا قبل لبعض الدول، أما استعمال سلاح المنع أو القمع الذي يحلو لبعض الأنظمة اللجوء إليه، كما هو الشأن بالنسبة لنصب هوائيات الأقمار الصناعية، فإنه سرعان ما يسقط بانتشار الظاهرة وباتساع الفتق على الراتق، وقد فهمت دول عربية أن المرحلة القادمة هي مرحلة انفتاح السموات على بعضها البعض، وأنه ليس من الحكمة -بل ربما من الغباء- الوقوف في وجه التيار، لذلك سبقت الأحداث وأخذت تبني بنفسها جسورًا مع التلفزيونات وأخذت تضع هوائيات الأقمار الصناعية قبل أن يصبح بمقدور الفرد أن يضعها بنفسه في بيته وتجربة أجهزة الفيديو التي احتارت أمامها بعض الحكومات مازالت ماثلة أمام العيان بعد أن غزا الفيديو كل الأسواق.

إذن لا يبقى أمامنا سوى أن ندخل ساحة المنافسة والمبارزة بتطوير إنتاجنا التلفزيوني وبتغيير طرقنا في مخاطبة جماهير المشاهدين بحيث توسع دائرة الحرية ونرضي كل الاتجاهات السياسية والثقافية وكل الميول والأذواق في إطار ثقافتنا وقيمنا، وإذا كان عصرنا عصر تكتلات وشركات عملاقة، وإذا كان الإنتاج التلفزيوني يتطلب أموالًا ضخمة وجهودًا كبيرة ومواهب متعددة قد لا تتوافر بكل قطر بمفرده، فإنه يصبح لا مفر لنا من التعاون والتنسيق في هذا المجال، بل لابد من تجميع مواردنا العربية التلفزيونية والعمل على تكاملها في إطار عربي واحد يساعد بدوره على تقريب العرب بعضهم من بعض، والخطو بهم على طريق الوحدة المنشودة.

إننا مقبلون على عصر التلفزيون العالمي بلا حدود، وليس أمامنا سوى العمل المشترك للحيلولة دون تلوث ثقافتنا من جهة ولإعطاء المواطن العربي حقه في أعلام أرفع مستوى وأكثر ثراء وأوفر مصداقية من جهة أخرى. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

145

الثلاثاء 19-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 10

نشر في العدد 251

119

الثلاثاء 27-مايو-1975

الإعلام ..في دعوة الرسول