العنوان التمويل الخارجي يفضح «الطرف الثالث» المتورط في التحريض على الفوضى
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 52
نشر في العدد 1986
نشر في الصفحة 20
الجمعة 20-يناير-2012
* التمويل الأجنبي جريمة .... وتفتيش منظمات المجتمع المدني تم بموجب قرارات النيابة وبعد تحقيقات استمرت ثمانية أشهر .. ولكن غلقها بالشمع الأحمر أثار الحملة الدولية
* د. فايزة أبو النجا : حملة المداهمات لمقار منظمات حقوق الإنسان تمت بأمر قضائي ولا علاقة للحكومة به
* وثيقة «ويكيليكس» رقم «٩٤١٠٨» تكشف عمالة العديد من مسؤولي المنظمات الحقوقية في مصر
* التفتيش والاقتحام بهذه الصورة أكد أن هناك شيئا ما كانت تبحث عنه القوة التي ذهبت وخشيت ضياع الأدلة عليه
* في أحد المكاتب بالحي ١٨ بمدينة أكتوبر تم العثور على جوازات سفر أجنبية لبعض الموجودين في المكتب وأوراق ومستندات تثبت حصول اثنين من الموجودين على تمويل من الخارج وتم التحفظ على ٧٠ ألف جنيه وتذاكر سفر إلى إسبانيا وأستراليا
ضمن جملة وثائق جديدة كشفها موقع «ويكيليكس» عن علاقة السفارة الأمريكية بالعديد من مسؤولي منظمات المجتمع المدني في مصر، كانت أخطر هذه الوثائق هي البرقية رقم « ٩٤١٠٨ CAIRO» الصادرة من القاهرة والتي كتبتها السفيرة الأمريكية السابقة مارجريت سكوبي بتاريخ ٧ مايو ۲۰۰۸م وتقول فيها: إن السفارة في القاهرة مستمرة في تنفيذ أجندة «الرئيس الأمريكي» للحرية.. نحن على اتصال وثيق مع عدد كبير من المعارضة السياسية ونشطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان والصحفيين من الصحافة المستقلة والمعارضة، علاوة على المدونين الذين يروجون للديمقراطية وحقوق الإنسان».
وذكرت الوثيقة أسماءهم بالتفصيل وكانت المفاجأة أن جزءا كبيرا منهم هم ممن قامت النيابة المصرية باقتحام مقراتهم مؤخرا ضمن ۱۷ فرعا لحوالي عشر منظمات مصرية وأجنبية كشفت تحقيقات وزارة العدل وفحص الأحراز والأوراق والمستندات التي تم ضبطها حجما مهولا من الأموال التي تلقتها تلك المنظمات من الدول العربية والأجنبية بالمخالفة للقانون.
تحريف الصورة
بدلا من التركيز على حجم الجريمة وأن التمويل الأجنبي جريمة في حد ذاته، وأن تفتيش هذه المنظمات جاء بعد تحقيقات استمرت ثمانية أشهر قامت بها لجنة مختصة من وزارة العدل بعد تسلمها تقارير من وزارات الخارجية والتضامن والعلاقات الدولية توضح حجم الأموال التي حصلت عليها هذه المنظمات بدون إذن كما أن تفتيش هذه المقرات تم بإذن وقرارات من النيابة المصرية .. بدلا من كل هذا ركزت هذه المنظمات على الإخراج السيئ لحملة دهم هذه المنظمات وغلقها بالشمع الأحمر وصورتها على أنها حملة أمنية، في حين أنه لا الجيش ولا الشرطة ولا الحكومة لها علاقة بهذه الحملة القضائية وهو ما أكدته فايزة أبو النجا، وزير التعاون الدولي بقولها : إن حملة المداهمات التي تمت المقار منظمات حقوق الإنسان هي أمر قضائي ولا علاقة للحكومة به.
فمحققو النيابة فتشوا مقرات هذه المنظمات – وبعضها أمريكية – تنفيذا لأمر التفتيش الصادر من قضاة التحقيق المنتدبين من وزير العدل في شأن قضية التمويل الأجنبي المخالف لقانون المنظمات الأهلية وما يرتبط بها من جرائم أخرى، وقضاة التحقيق المنتدبون من وزير العدل قالوا في بیان: «إنه في إطار التحقيقات الجارية في قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية وما يرتبط بها من جرائم، أصدروا أمرا بتفتيش عدد ۱۷ مقرا لفروع منظمات أجنبية وأخرى مصرية، بناء على ما توافر بالتحقيقات من دلائل جدية على قيامها بممارسة أنشطة بالمخالفة للقوانين المصرية ذات الصلة، وثبوت عدم حصول أي منها على أي تراخيص أو موافقات من وزارة الخارجية المصرية ووزارة التضامن الاجتماعي على فتح فروع لها في مصر، وما يرتبط بذلك من جرائم أخرى بالمخالفة لقانون العقوبات وقانون الجمعيات الأهلية».
وأوضح البيان أن قرار التفتيش جاء أيضا بناء على البلاغات المقدمة ضد عدد من المنظمات الحقوقية وعدد من الأشخاص لاتهامهم من خلال تلك البلاغات بتلقيهم دعما ماديا كبيرا من الدول الخارجية.
خرق القانون
كما أن أعمال التفتيش جاءت بناء على تقرير لجنة تقصي الحقائق حول التمويل الأجنبي للجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تمارس نشاطها داخل مصر، والذي يتولى التحقيق فيه المستشاران سامح أبوزيد وأشرف العشماوي، والذي كشف عن تفاصيل عديدة عن خرق منظمات مصرية وأجنبية عديدة في مصر القانون بالحصول على تمويل أجنبي دون إذن من وزارة الخارجية ووزارة التضامن ومنها أيضا جمعية« كاريتاس»، و«مؤسسة محمد علاء مبارك» ومؤسسة «Pontis» السلوفاكية التي تعمل من الباطن مع مؤسسات أمريكية.
ولذلك جرت أعمال مداهمة مقرات هذه المنظمات بناء على تقرير لجنة وزارة العدل وفي وقت واحد في أربع محافظات هي: الإسكندرية، والأقصر وأسيوط والجيزة. أما أبرز المنظمات المتهمة بتلقي تمويل أجنبي دون إذن فهي: المعهد الديمقراطي الدولي «NDI» و«المعهد الجمهوري الدولي IRI» ومركز« فريدم هاوس»، ومركز الدراسات القضائية»، و«المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة » الذي يرأسه المحامي ناصر أمين والذي تمت مصادرة ٧ أجهزة كمبيوتر منه وأوراق حسابات تتضمن مستندات التمويل الأجنبي، وتم غلق المركز وتشميعه حتى انتهاء التحقيقات.
جاء في نص تقرير اللجنة إن هناك عدة جمعيات مسجلة وفقا للقانون ٨٤ لسنة ۲۰۰۲م تلقت تمويلا خارجيا يثير الانتباه بل يصل الأمر - في تقدير اللجنة – أنه يثير الاشتباه في أن يكون ذلك التمويل مخصصا حقيقة لغرض الجمعية؛ وذلك بسبب ضخامة مبلغ التمويل، ووقت حصوله، ووقت الموافقة عليه من قبل وزارة التضامن الاجتماعي، وتزامن ذلك كله مع الأحداث التي مرت بالبلاد في تلك التوقيتات !!
وقد كشفت التحقيقات الأولية أن أجهزة الكمبيوتر المضبوطة والشيكات البنكية أظهرت ضلوع بعض المنظمات في تلقي تمويلات أجنبية بشكل غير شرعي، وأن رواتب العاملين بتلك الجمعيات تجاوزت آلاف الجنيهات، وأن بعض هذه المنظمات تعمل بشكل غير شرعي، كما أن هناك تسجيلات قامت بفضها هيئة التحقيق واعتبرتها دليلا على تورط أعضاء حركة سياسية معروفة - لم تسمها - في تلقي أموال من جهات أجنبية ومن بين تلك التسجيلات مقطع يتذمر فيه عضو الحركة السياسية من الطريقة التي يتم التعامل بها مع التمويلات، وأنه وزملاءه يحصلون على فتات، وباقي الأموال تذهب في جيوب القيادات في تلك الحركة السياسية.
دون تصريح
وبتفتيش أحد هذه المكاتب بالحي الثاني عشر بمدينه أكتوبر، عثر على جوازات سفر أجنبية لاثنين من الموجودين في المكتب باسميهما، وأوراق ومستندات تثبت حصولهما على تمويل من الخارج، وتم التحفظ على ٧٠ ألف جنيه كانت داخل المقر وتذاكر سفر باسميهما إلى إسبانيا وأستراليا .
وعند تفتيش مقر المعهد الديمقراطي الأمريكي المصري الكائن في شارع بولس حنا بالدقي، تم التحفظ على مجموعة من الخزائن داخله عثر بها على نصف مليون جنيه بالإضافة إلى حسابات بالبنوك وأجهزة ومستندات بالمقر الذي تديره سيدة أمريكية الجنسية تدعي «جولي آن يور» «٤٤عاما»، وقد قامت هذه الأمريكية بتحرير محضر لأفراد النيابة الذين حرزوا ما في المكتب لأنها أمريكية !!
كما أن المستشارين أشرف العشماوي وسامح أبو زيد، قاضيي التحقيقات المنتدبين من وزير العدل للتحقيق في تلقي المنظمات الحقوقية والجمعيات الأهلية تمويلات أجنبية سيحققان مع ١٣ رئيس منظمة حقوقية للاستماع إلى أقوالهم في الوقائع المنسوبة إليهم بتلقي تمويل من جهات أجنبية، وكذلك بشأن مزاولتهم لأنشطة دون الحصول على التصاريح اللازمة.
«البنتاجون» تهدد!!
ومع أن ثورة ٢٥ يناير، أنهت النفوذ الأمريكي في مصر، فقد عاد هذا النفوذ ليظهر عقب مداهمة مقرات هذه المنظمات الأمريكية أو التي تحصل على تمويل أمريكي، وأعلنت «البنتاجون» أن ليون بانيتا، وزير الدفاع الأمريكي، نقل للمشير« حسين طنطاوي»، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بالغ القلق لدى واشنطن إزاء المداهمات التي تستهدف منظمات غير حكومية في القاهرة، وأوضح «جورج ليتل» المتحدث باسم «البنتاجون» في بيان: أن« بانيتا» زعم أن «المشير طنطاوي» أوقف عمليات تفتيش هذه المقرات.
وجاء هذا بعد إعلان مسؤول أمريكي رفيع أن مصر أكدت للولايات المتحدة أنها ستوقف المداهمات ضد المنظمات الأمريكية وغيرها من منظمات المجتمع المدني وأن السفيرة الأمريكية في القاهرة «آن باترسون »تلقت تأكيدات بذلك من جانب المسؤولين المصريين بينهم أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وترددت أنباء عن تهديدات أمريكية بوقف المعونة الأمريكية لمصر في حال استمرت هذه الحملة على التمويل الأجنبي المنظمات المجتمع المدني.
الإجراءات قانونية
تشير مصادر مصرية أن بعض هذه المنظمات، خصوصا الأمريكية أو التي تتلقى تمويلا أمريكيا وأوروبيا، رفضت مطالب حكومية سابقة بإخطار الجهات الرسمية بما تحصل عليه من تمويل، وأنه بعد« ثورة ٢٥ يناير» تحايلت بعض المؤسسات الأمريكية على القوانين المصرية، وافتتحت عدة مراكز لها في محافظات القاهرة والجيزة، وأسيوط، والإسكندرية، والأقصر بالمخالفة للقوانين، ولسيادة الدولة، ومارست نشاطا سياسيا مجرما قانونا ؛ لأنه بدون إذن رسمي.
وفي مقدمة هذه المنظمات: «المعهد الجمهوري»، و«المعهد الديمقراطي» ومؤسسة «فريدم هاوس» الأمريكية، وهي غير مقيدة بوزارة التضامن كجمعيات أهلية كما أن وزارة الخارجية رفضت منذ عام ٢٠٠٦م منح التراخيص لعمل هذه المؤسسات فأصبح عملها على الأراضي المصرية غير قانوني.
كما أن التحقيق لا يتم مع هذه المنظمات المعلن عنها فقط، وإنما مع نحو ٤٠٠ منظمة وجمعية من أصل ٣٦ ألفا و ۳۳۳ منظمة تعمل في مصر، لأن بعض الجمعيات ليس لديها تراخيص من وزارة التضامن وتحصل على تمويل دون الإخطار عن الأموال التي تتقاضاها، أو أوجه إنفاقها، وبالمقابل لم تقترب التحقيقات من أي منظمة أو جمعية تعمل وفقا للقانون، وأموالها تخضع لرقابة الجهات المعنية، وتقوم بالإفصاح عما تحصل عليه من أموال وتبرعات، وتمارس دورا مهما في حماية الحريات العامة أو توفير خدمات مجتمعية.
بعبارة أخرى، كانت كل الإجراءات قانونية وصحيحة وتشرف عليها النيابة العامة، ولكن المشكلة كانت في طريقة التنفيذ والمداهمة وتشميع هذه المنظمات ما أثار ضجة عالمية لأن هذا جاء بعد انتصار ثورة ٢٥ يناير، ولم يسبق حتى للنظام السابق أن أغلق منظمات حقوقية.
ولهذا كان الإجراء الأفضل أن يصدر أمر من النيابة بالتحفظ على مقرات هذه المنظمات والتحفظ على ما فيها من أوراق ويتم الأمر بالهدوء برغم أن البعض اعتبر التفتيش والاقتحام بهذه الصورة يعني أن هناك شيئا ما كانت تبحث عنه القوة التي ذهبت وخشيت ضياع الأدلة عليه، ولهذا يبدو أن ما أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية بشأن توقف مصر عن حملات المداهمة لا علاقة له باستمرار التحقيقات مع المنظمات المخالفة، ولكن بدون مداهمات وصخب.